جزائريون متفرنسون يبوحون بالعربية
آخر تحديث: 2011/4/28 الساعة 15:34 (مكة المكرمة) الموافق 1432/5/26 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/4/28 الساعة 15:34 (مكة المكرمة) الموافق 1432/5/26 هـ

جزائريون متفرنسون يبوحون بالعربية

غلاف كتاب "عبرت المساء حافيا" (الجزيرة نت)


عبد الرزاق بوكبة-الجزائر

صدر مؤخرا كتاب "عبرت المساء حافيا" الذي يتضمن ثلاثة عشر حوارا مطولا أجراها الإعلامي والمترجم سعيد خطيبي مع جزائريين يكتبون باللغة الفرنسية وينتمون إلى أجيال وحساسيات مختلفة، منهم ياسمينة خضرا ومايسة باي ومليكة مقدم ومصطفى بن فوضيل وسميرة نقروش، ويقدم الكتاب لمحات عن تجارب تلك النخبة المتفرنسة من الكتاب.

ويحمل الكتاب -الصادر عن دار نشر فيسيرا في 183 صفحة- إشارة من صاحب الحوارات إلى حساسية المهمة في مشهد جزائري يعرف هوة بين الكاتب بالفرنسية والقارئ بالعربية، والعكس موجود أيضا.

سعيد خطيبي: فكرة الكتاب جاءت من خلال ملاحظة القطيعة بين أطياف الأدب الجزائري (الجزيرة نت)
تواصل أدبي
وفي هذا الصدد قال سعيد خطيبي للجزيرة نت "ولدت فكرة الكتاب من ملاحظة الفراغ الحاصل في التواصل بين أطياف الأدب الجزائري المختلفة، وغياب الترجمة الأدبية ضمن اهتمامات الجهات الرسمية وكبريات دور النشر".

وأضاف خطيبي -المعروف بجهوده في ترجمة نصوص الجيل الجديد من المتفرنسين- "لست من أنصار عبارة "قطيعة" التي يميل إليها البعض، لأن هناك حتميات تاريخية أو شخصية فَرضت على البعض الكتابة بالعربية، وعلى آخرين بالفرنسية".

ويذهب خطيبي في اتجاه أن فرنسا توفر تربة خصبة للكتاب المغاربيين للكتابة بلغتها، عكس الكتاب باللغة الوطنية الذين يجدون صعوبة في النشر والانتشار، وحسب الأرقام الرسمية فإن الجزائر تعدّ ثاني دولة بعد فرنسا في استعمال اللغة الفرنسية، متفوقة على كندا وبلجيكا وعدد من الدول الأفريقية، رغم أنها ليست عضوا في المنظمة العالمية للفرونكوفونية.

وأضاف "صحيح أن المثقفين يعيشون في معسكرين متباعدين في الجزائر، لكنني أرى أن الجيل الجديد من الكتاب يؤسس للغة حوار وتواصل مهمة لم تتوفر لدى الأجيال السابقة".

وهذا ما ذهبت إليه الروائية مايسة باي التي قالت إنها تتجرع حقيقة عدم تواصل القراء بالعربية مع كتاباتها بمرارة بالغة، مضيفة "كان علينا تجنب هذه الحالة من التباعد بتأسيس مشاريع جادة في الترجمة الأدبية، ردما للقطيعة التي تسعى بعض الأطراف إلى تكريسها".

نزعة الحرية

الروائي أنور بن مالك (الجزيرة نت)
وقد كان الحوار الذي ورد في الكتاب مع الروائي أنور بن مالك أولَ حوار أجري معه بالعربية، لذلك فقد قال "أنا متحمس جدا للاطلاع عليه، لأبلغ المتلقي القارئ باللغة العربية عددا من الحقائق التي غابت عنه في السنوات الماضية".

وأكد بن مالك الذي رُشحت روايته "العاشقان المنفصلان" لجائزتي فيمينا وميديسيس الفرنسيتين عام 1998، أنه غادر الجزائر في لحظة شعر فيها بتقلص هامش حرية العيش والتفكير والكتابة، مضيفا "لكنني لم ألعب أبدا ورقة الكاتب المنفي، لقد حاولوا جعلي داعية لأطروحات سياسية ودينية لكنني رفضت، لم أفعل ذلك حين كنت مضغوطا في جزائر التسعينيات، فكيف أفعلها وأنا حر في فرنسا؟".

من جهته كشف الروائي حميد سكيف -الذي توفي قبل شهر في ألمانيا- أنه فضل التوجه إلى هامبورغ عام 1996 بمعية عائلته بعد تعرضه لمحاولة اغتيال من طرف الجماعات المسلحة وتوقيف مجلته الاقتصادية من طرف السلطة، وأضاف صاحب رواية "سيدي الرئيس" "أنا لم انخرط يوما في حزب سياسي، وهم أرادوني أن أنتهج سبيل الكثيرين، وأمنحهم الولاء، حريتي الشخصية أكبر من أية مساومة".

الروائية فائزة غين (الجزيرة نت)
هموم الضواحي
عبر خطيبي "حافيا" في كتابه إلى كتاب جزائريين ولدوا في الضواحي الباريسية، بكل ما تشكله الحياة فيها من اضطرابات تمسّ العيش والهوية، وأجرى حوارا ساخنا مع فايزة غين أصغر الروائيات الجزائريات بالفرنسية، التي ترجمت روايتها الأولى (غدوة.. كيف.. كيف) أو "غدا على نفس المنوال" إلى عشرين لغة عبر العالم.

وأظهرت غين تمسكها بجزائريتها انطلاقا من عنوان الرواية الذي جاء بلهجة البلد قائلة "تعجبني تلقائية الجزائريين في منح الفرنسية نفسا جديدا، إنهم يملكون قدرة عجيبة على اختراقها، وتجديد مفرداتها"، وذلك في معرض إجابتها عن سؤال "هل استطاعت حياتك في الضواحي الباريسية منحك وعيا خاصا".

وقالت صاحبة "أهل البالطو" إن "هذه الحياة بكل ما تحمله من بؤس يومي ساهمت بفعالية في رسم الجزء الأهم من معالم شخصياتي الروائية، ومن نظرتي إلى نفسي وإلى العالم المحيط، هذا العالم القائم على الفوضى في الهويات والحساسيات، كل الثراء الموجود على التراب الفرنسي يمكن أن نرصده في الضواحي".

وترى غين أن الجزائر بالنسبة لقطاع واسع من أبناء المهاجرين ليست بلد الآباء والأجداد فقط، بل هي ذاكرة وهوية، "لذلك أجدني معنية بما يدور هناك، إنه بلد يسكنني، رغم أن الفرنسيين لا يدركون ذلك".

اسم مستعار

إذا كانت ممارسة الكتابة في الجزائر الحرة كارثة، فإنها داخل الثكنة العسكرية مرادفة للجحيم
"

ويقر خطيبي في مقدمة الحوار الذي أجراه مع الروائي ياسمينة خضرا -محمد مولسهول- بكونه وجد صعوبة في إقناعه بقبول محاورته لأنه اتهمه من قبل بالمساهمة في تأجيج نار الفتنة في التسعينيات بحكم أنه كان ضابطا في الجيش الجزائري.

صاحب رواية "الصدمة" التي اتُهمت بمجاملة الإسرائيليين قال "إذا كانت ممارسة الكتابة في الجزائر الحرة كارثة، فإنها داخل الثكنة العسكرية مرادفة للجحيم".
 
وأضاف خضرا الذي أصبح اليوم مديرا للمركز الثقافي الجزائري بفرنسا "لقد نجحت نسبيا في تحقيق التوازن، وتشييد حاجز صلب بين ضروريات الخدمة العسكرية وشغف الإبداع"، مشيرا إلى الصدمة التي أصابت المؤسسة العسكرية حين بدأ ينشر نصوصه باسمه الحقيقي، إذ لم يكن أحد يتخيل أن يحمل عسكري صفة الكاتب.

وقال خضرا إنه لم يكن بمقدوره في البداية التطرق إلى قضايا حساسة تحرج السلطة العسكرية، لذلك لجأ إلى حيلة الاسم المستعار، قبل أن يتقاعد بعد ست وثلاثين سنة من الخدمة.

وأكد أن الفرنسيين لم يتقبلوا هويته المزدوجة بين عسكري وكاتب، "فعمدوا إلى مناورات خبيثة لتشويه صورتي لدى القارئ"، نافيا أن يكون قد تواطأ مع أوساط إعلامية فرنسية لتقديم صورة مشوهة عن الوضع الأمني في جزائر التسعينيات.

المصدر : الجزيرة