غلاف ديوان "لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي" الصادر بعد رحيل محمود درويش (الجزيرة نت)

يوسف ضمرة

منذ عنوان القصيدة، ينقلنا الشاعر محمود درويش إلى منطقة ملتبسة، يمكن تسميتها منطقة المصادفة. ويسحب الشاعر مفردات الحياة كلها إلى هذه المنطقة. حياته وموته وأمراضه وقصائده وأحلامه وهواجسه، وحتى كينونته.

"من أنا لأقول لكم ما أقول لكم؟" يبدو السؤال في القراءة الخارجية نوعا من تواضع شاعر يعرف قيمته الفنية، ولكنه في العمق لا يبدو كذلك.. من أنا لأقول لكم ما أقول لكم؟ ثم يأخذ في الذهاب إلى تفاصيل هذه الأنا. وعلى رغم ما يبدو من انتماء التفاصيل أحيانا إلى مملكة العادي والمتعارف عليه، فإن هذه الأنا ليست كذلك.

هذه الأنا قائمة على رؤية غريبة للحياة والوجود والشعر والفن والموت. والغرابة قائمة على المصادفة. والمصادفة هي التي تحوك التفاصيل.

هنا يقترب الشاعر من المأساة الإغريقية. فهي قائمة أيضا على المصادفة، على رغم ما يبدو على السطح من أن قرارات الآلهة هي التي تسير الدنيا والبشر. مَنْ أَنا لأقول لكمْ/ ما أَقول لكمْ؟/ وأَنا لم أكُنْ حجرًا صَقَلَتْهُ المياهُ/ فأصبح وجهًا/ ولا قَصَبًا/ ثقَبتْهُ الرياحُ/ فأصبح نايًا.../ أَنا لاعب النَرْدِ/ أَربح حينًا وأَخسر حينًا/أَنا مثلكمْ/ أَو أَقلُّ قليلاً...

ينقلنا الشاعر محمود درويش إلى منطقة ملتبسة، يمكن تسميتها منطقة المصادفة. ويسحب الشاعر مفردات الحياة كلها إلى هذه المنطقة. حياته وموته وأمراضه وقصائده وأحلامه وهواجسه، وحتى كينونته
هكذا في تقريرية مطلقة يخبر الآخرين أنه مثلهم تماما، أو ربما أقل قليلا. ونحن نعرف أنه يتميز عن الآخرين بالشعر، وهو ما سوف يدخل بدوره في لعبة النرد ذاتها.

لم يكن قصبا ثقبته الرياح فأصبح نايا. فلماذا يجيد هذا العزف الفاتن إذًا؟

قبل ذلك، لماذا هو موجود أصلا؟ ومن هو؟

كان يمكن
كان يمكن أن لا يكون موجودا كزملائه الذين ماتوا في باص الرحلة المدرسية. أو أن تصيبه طلقة قناص، أو أن يفتته التفجير لو صادف أن كانت مشيته أبطأ قليلا.. مصادفة. كل ما هو فيه يحيله إلى المصادفة، لنكتشف أن الحياة كلها قائمة على هذه المصادفة.

حسنا، هو شاعر ويعرف ذلك، ولكنه أيضا لم يختر الشعر بمقدار ما حاكت الحياة طقوسه الخاصة كي يصبح شاعرا. باب البيت والوحي. ومصادفة وجد نفسه على أهبة الحياة والموت بالمقدار ذاته. وإذا كان الله حظ النبوة، فإن الوحي حظ الشاعر. ولكن ما هو الوحي، ومن هو؟ إنه مهارة التيه في شعاب المخيلة، للإياب بما لم يمتلكه الآخرون من تلك المهارة. والمهارة مصادفة، على رغم كل ما توحي به من ذكاء أو تدريب أو صقل أو تجربة. مصادفة لأن هنالك من هو أذكى وأكثر تدريبا وتجربة ولا يمتلك تلك المهارة.

وهكذا تصبح القصيدة رمية نرد على رقعة معتمة، قد تشع وقد لا تشع. قد تكون شاعرا وقد لا تكون. قد تسمي ذلك وحيا، أو تسميه مقدرة على التلاعب بالمخيلة التي تجعل من الغامض والسري أمرا شبيها بالسحر، أو شبيها بالواقع الموضوعي حينا آخر. ولكن ذلك كله مصادفة، فلا تنتظروا من الشاعر أن يكون نبيا يوحي لكم بالحقيقة أو يقررها. إنه مثلكم أو أقل قليلا. ولكن القدرة على جر الشعر إلى منطقة الحياة اليومية أمر ليس يسيرا أو متاحا للجميع.

يذهب محمود درويش بعيدا في فلسفة المصادفة، بحيث تقوده إلى الموت. فهو لم يصب بمرض الشرايين إلا لأنه ابن عائلة بعينها. و"أوديب" لم يقتل أباه وأمه إلا لأنه ابن الملك الذي تنبأ له العراف بذلك. ومصادفة نجا أوديب من الموت حين مر به الراعي، وكان يمكن أن تأكله حيوانات البرية المفترسة، أو يموت جوعا أو بردا. كان يمكن أن يموت لو تباطأ الراعي في مشيته، أو لو أسرع فمر قبل وضع أوديب الطفل هناك. ومصادفة التقى أوديب بأبيه فقتله، ومصادفة أحب أمه أو انتقم من العدو -الأب- فتزوجها.

غلاف ديوان "لا تعتذر عما فعلت" (الجزيرة نت)
ومصادفة خرج محمود درويش ذات يوم من فلسطين ممثلا للحزب الشيوعي الإسرائيلي، ووقف تحت العلم الإسرائيلي، واستمع إلى غضب الحضور العرب واستنكارهم، فقرر الرحيل في هجرة ثالثة أو رابعة. كانت الأولى من البروة إلى جنوب لبنان، والثانية من الجنوب إلى البروة المهدمة، والثالثة من البروة إلى الجديدة.

رمية نرد
أقام محمود في القاهرة قرابة عام، لكنه قرر أن يذهب إلى بيروت، حيث التجمع الفلسطيني الأكبر، والفعل الفلسطيني في ذروته، كحركة تحرر عربية مميزة.

ومصادفة جرى كل ما جرى في بيروت، من حروب وفتن واحتلالات إسرائيلية. ومصادفة كان الرحيل إلى تونس لا إلى غيرها.

ولا نستطيع مواصلة الغرق في التفاصيل، لكن هذه التفاصيل هي التي جعلت محمود درويش يكتشف أن الحياة كلها رمية نرد، وليست القصيدة فحسب. بل هو والوقائع والتفاصيل. كانت الرمية التي سميت مصادفة (محمود) مشعة، وموسومة بكل ما هو تراجيدي.

ولستُ سوى رمية النرد/ ما بين مُفْتَرِسٍ وفريسةْ/ ربحت مزيدًا من الصحو/ لا لأكون سعيدًا بليلتيَ المقمرةْ/ بل لكي أَشهد اﻟﻤﺠزرةْ.

ولم يربح أوديب ذلك الوقت المسمى حياة، إلا لكي يشهد المجزرة، ولكي يرتكب الجريمة.

كان يمكن درويش أن يموت في حصار بيروت، وأن لا يُحضر لنا كل هذا الشعر العظيم. وكان يمكن أن يصاب بفقدان الأمل أو انقطاع الوحي أو الرغبة في الصمت. لكن تراجيديا بيروت هيجت مخيلته كما لم تفعل بشاعر آخر
كان يمكن درويش أن يموت في حصار بيروت، وأن لا يُحضر لنا كل هذا الشعر العظيم. وكان يمكن أن يصاب بفقدان الأمل أو انقطاع الوحي أو الرغبة في الصمت. لكن تراجيديا بيروت هيجت مخيلته كما لم تفعل بشاعر آخر.

من الذي كان يعاقبه درويش؟ أو من الذي كان يعاقب درويش نفسه؟ هل كان ينتقم من المصادفة بالشعر؟ هل كان يسخر منها، ويريها أنها أخطأت في حساباتها مع شاعر مثله؟ أم إن المصادفة هي التي كانت تعاقب درويش؟ تنجيه من الموت لكي يعيش مزيدا من الألم المتعين في قصائده؟

جدل كبير
ثمة جدل كبير بين الشاعر والمصادفة، ولا يمكن قراءة قصائده الأخيرة، منذ "لا تعتذر عما فعلت" إلى "لاعب النرد" إلا في خلال مجابهة هذا الجدل. يقول في إحدى قصائد "لا تعتذر عما فعلت": أهذا أنت؟/ ألم أقتلك؟/ قلت قتلتني/ ولكني/ نسيت مثلك أن أموت.

كانت المجندة الإسرائيلية هي التي تخاطبه، فنبهها إلى أنه مثلها (نسي) أن يموت. والنسيان ابن المصادفة أو توأمها. فلو لم ينس لمات: ومن حسن حظّيَ أن الذئاب اختفت من هناك/ مُصَادفةً، أو هروبًا من الجيشِ/ لا دور لي في حياتي/ سوى أَنني/ عندما عَلَّمتني تراتيلها/ قلتُ: هل من مزيد؟/ وأَوقدتُ قنديلها/ ثم حاولتُ تعديلها...

ولم يكن لأوديب أي دور في حياته، ولكنها حين علمته تراتيلها أيضا قال: هل من مزيد؟ وكان المزيد لقاءه أباه وقتله وزواجه بأمه. كان ذلك حين حاول تعديل الحياة.. حين قرر السيطرة على طيبة، واغتصاب ملكها.

ولكن، هل كان من حسن حظ أوديب أن الذئاب اختفت من هناك، أم من سوء حظه؟ وهل كان ذلك أيضا من حسن حظ درويش أم من سوء حظه؟

وهل من حسن حظه أن يكون صوفي الكلمات وحسي الرغبات؟ وهو الشرط الذي اكتشف وجوب توفره لكي يكون هو نفسه. فلماذا يقول للغياب إذًا: قل للغياب نقصتني/ فجئت لكي أكملك؟

من الذي كان يعاقبه درويش؟ أو من الذي كان يعاقب درويش نفسه؟ هل كان ينتقم من المصادفة بالشعر؟ هل كان يسخر منها، ويريها أنها أخطأت في حساباتها مع شاعر مثله؟ أم أن المصادفة هي التي كانت تعاقب درويش؟ تنجيه من الموت لكي يعيش مزيدا من الألم المتعين في قصائده؟
هل كان يفكر في الغياب بوصفه ركنا من أركان الحياة؟

للحياة أقول: على مهلك، انتظريني/ إلى أن تجفّ الثُمَالَةُ في قَدَحي.../ في الحديقة وردٌ مشاع، ولا يستطيع/ الهواءُ/ الفكاكَ من الوردةِ/ انتظريني لئلاَّ تفرَّ العنادلُ مِنِّي/ فاُخطئ في اللحنِ/ في الساحة المنشدون يَشُدُّون أوتار آلاتهمْ/ لنشيد الوداع/ على مَهْلِكِ اختصريني/ لئلاَّ يطول النشيد، فينقطع النبرُ بين المطالع/ وَهْيَ ثنائيَّةٌ والختامِ الأُحاديّ: تحيا الحياة!

ومحمود درويش إذًا يتساءل: لماذا؟ وكيف؟ لماذا يموت الآن؟ وكيف سيموت؟ وربما أكثر: لماذا حدث هذا كله له في رحلته؟ وكيف؟ ومن المسؤول؟ وطالما أنه لا يستطيع تأجيل ذلك أو منعه، فهو يناشد الموت أن ينتظره قليلا. وهي مناشدة تخفي الكثير من التحايل البشري، فليس الانتظار من أجل الثمالة في فنجان القهوة. ولو تمكن الشاعر من إلقاء ألف حجة ومبرر، فإنه في اليوم التالي سيكون قادرا على تقديم ألف أخرى.

وفي بساطة، فإن "لاعب النرد" تقارب المصير البشري من زاوية معروفة مسبقا، لكنها تتخذ بناء جديدا غير مألوف. ولا يمكن في أي حال اختزال هذه القصيدة، أو الاكتفاء بتأويل محدد واحد، فهي مفتوحة على قراءات عدة، وعلى تأويلات ربما تكون شديدة التباين والاختلاف. وهي سمة من سمات الفن العالي وحده.

المصدر : الجزيرة