الفن الأردني والتباس التعبير السياسي
آخر تحديث: 2011/4/26 الساعة 17:40 (مكة المكرمة) الموافق 1432/5/24 هـ
اغلاق
خبر عاجل :الرئيس الفرنسي: سيكون من الخطأ الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران دون أي بديل
آخر تحديث: 2011/4/26 الساعة 17:40 (مكة المكرمة) الموافق 1432/5/24 هـ

الفن الأردني والتباس التعبير السياسي

الفنان أحمد سرور (وسط) وزملاؤه في عرض نعم للجوع لا للحرية (الجزيرة نت)


محمود منير-عمّان

تطرح ندرة الأعمال الفنية والأدبية -التي تعبّر عن حركة الاحتجاجات الشعبية التي قامت بالأردن خلال الشهور الثلاثة الماضية، أو حتى قبل ذلك- العديد من التساؤلات، ويرى متابعون أن التعبيرات الفنية والابداعية التي تعبر عن تلك التحركات والأحداث قد تباينت وفق المجالات.

ويعزو البعض "غياب الفن" عن حركة الشارع إلى مزاج الشعب الأردني الذي يميل إلى الجدّية في التعامل مع الأحداث السياسية، وإن كان يُضمر روحاً ساخرةً، وربما جاء اعتصام "الحقيقة السوداء" أمام رئاسة الوزراء دليلاً عليها.

الحقيبة السوداء
وقد جمعت مجموعة "الحقيقة السوداء" عشرات الناشطين السياسيين، حاملين يافطات تدعم الفساد وتحكم المخابرات العامة في جميع مفاصل الدولة، بوصفها تعبيراً قاسياً عن بؤس الحال الذي وصل إليه المواطن الأردني.

ويرى القاص والصحفي محمد جميل خضر أن الابداع عموماً يعبر عن وجدان الإنسان ويتحرك في إطار الزمان والمكان، وبما أن الاحتجاج الشعبي في الأردن كان "ملتبسا" ومحدوداً في الامتداد الزمني، فإن التعبير الفني عنه بدا ملتبساً ولم يأخذ مداه بعد.

ويشير إلى أن الغناء الأردني يعيش حالة ملتبسة، أيضاً، سواء في اختيار اللهجة أو في طبيعة الكلمات المغناة، مضيفاً "ظاهرة (عسكرة الغناء) في السنوات الأخيرة أثارت استفزازا بأغنية تتضمن مفردات تحرض على العنف، الذي لا يُفهم ضد من يُوّجه!".

ويختلف "التباس الأغنية الوطنية" عن المسرح الأردني الذي حقق إضاءات عديدة، إذ يتناول قضايا الكرامة، والحرية على الدوام، وينشغل بالأسئلة الكبرى، لذا قد يجسد المسرح حالة الاحتجاج الشعبي حال نضوجها، كما يقول خضر. 

نعم للجوع لا للحرية

كاريكاتير للفنان ناصر الجعفري (الجزيرة نت)
وأطلق مسرحيون ينتمون إلى إحدى الحركات السياسية الجديدة في الأردن، مشروع "مسرح نعم للجوع نعم للفقر لا للحرية"، في أبريل/ نيسان من العام الماضي.

ويقول الفنان أحمد سرور، أحد مؤسسي المشروع للجزيرة نت "مشروعنا يتبنى مسرح الشارع لانتقاد غياب الحريات والحقوق الأساسية للمواطن الأردني بطرح أقرب إلى الكوميديا من خلال مجموعة شخصيات مفترضة من كبار السن، الذين تربّوا على مفاهيم القمع والجوع وغياب الحق".

وأضاف "من خلال مشاهدتهم لما يجري في الشارع قرروا التظاهر لإيصال فكرة مستفزة أساسها: نعم للجوع، ولا للحرية والديمقراطية". قُدّمت المسرحية في بداية العام الحالي، عبر عرضين مسرحيين، الأول على شكل  Stand up comedy، والثاني على شكل مسيرة صامتة.

وأكد سرور أن الهدف من مشروعه هو إيصال المتفرج إلى نتيجة مفادها أن حالة الصمت التي يعيشها كمواطن ستحوله بالنهاية إلى شخص ليس فقط مقموعاً، ولا يسمح له بالتعبير عن رأيه، بل إلى مدافع عن هذا القمع بطريقة غير واعية.

ويحاول هذا المسرح أن يضع المتلقي في حالة من الدهشة ليحلل مجموع الأفكار المطروحة، مما يتطلب سرعة بديهة عالية، وقدرة عالية على المحافظة على إيقاع التمثيل والتمسك بحدود الشخصية في محيط الشارع الذي يحاول بشكل أو بآخر التدخل في العملية التمثيلية من خلال التعليق أو السؤال أو طرح الأفكار، على حد تعبير سرور.

ويشرف سرور على مجموعة من ورشات المسرح التي تستهدف الأطفال لرفع ثقتهم بالنفس والتعبير عن الذات من خلال الدراما.

كاريكاتير ناصر الجعفري (الجزيرة نت)
الكاريكاتير والمحظور
من جهته يؤكد رسام الكاريكاتير في صحيفة "العرب اليوم" ناصر الجعفري أن ما تنشره الصحافة الأردنية من رسوم كاريكاتيرية لا يواكب حركة الشارع المطالبة بالإصلاحات، مشيراً إلى عدم القدرة على اجتياز المحرمات التقليدية، وإن استطاع الكاريكاتير بوصفه فناً الاستفادة من الحراك العربي برفع السقف في وجوه أخرى.

ويضيف الجعفري أن جزءا من المحظور "له علاقة بالسياسية التحريرية التي تنتهجها الصحف الأردنية، ومدى ارتباطها بالمؤسسات الرسمية والأجهزة الأمنية".

ويرى أنه في أكثر الحالات اتساعاً للحرية يبقى الرسام أسيراً لاضطراب الشارع، وعدم وضوح الرؤية تجاه قضية الإصلاح في الأردن.

ويقول الجعفري "لم أجد عوائق في النشر، لكني اصطدمت بمحاذير اجتماعية تشبه ما يواجه أي مواطن حيال حيرته الناجمة عن عدم الإسراع في إجراء إصلاحات حقيقية".

ولا تُفقد الحيرة "حالة القبول" لدى المتلقي الذي يطالب بسقف أعلى دائماً، لأنه يمتلك حرية التعليق على الرسومات الكاريكاتيرية، بينما لا يمتلك الفنان أكثر من سقف قوانين المطبوعات، وفق الجعفري.

وفي محاولتهم لتجاوز المحظور، يُصدر عدد من رسامي الكاريكاتير الأردنيين مجموعةً مشتركةً بعنوان "الشعب يريد" تضم رسومات تصوّر ربيع الثورات العربية ومن ضمنها الحراك الشعبي في الأردن، وستعرض هذه الرسوم أيضاً في معرضٍ يتنقل بين عدة مدنٍ أردنيةٍ، وربما يُعرض في دول مرّ بها "الربيع العربي".

الراب يؤيد الاحتجاج
"ضربونا البلطجية واحنا والله صابرين/ ضربونا البلطجية وقالوا عنا ارهابيين/ والدرك شافوهم يما وعملوا حالهم مش شايفين"، هذه الكلمات تضمنتها أغنية راب أردنية سياسية، تعدّ الأولى، من نوعها، منذ ظهور عدة فرقٍ موسيقيةٍ شبابيةٍ في العقد الأخير.

أغنية الراب تستند إلى هوية ومورث غربيين، لذلك كان هناك نوع من الاستعجال في تقديم هذه الأغاني، لكن الحالة تحمل ارهاصات قد تتبلور حالما عاد الاحتجاج، ولاقى مناخاً مناسباً، وقدّم رؤية ناظمة لعناصره ومشروعه"
الأغنية التي دافعت عن شباب 24 آذار، ظهرت واضحة في تحميل "الأمن" مسؤولية الاعتداء على الاعتصام الشهير الشهر الفائت، ومن كلماتها: "جابوا كمشة أمنيين لبسوهم مدنيين/ حرضوهم دربوهم فلتوهم في الميادين/ طلعوا على العمارات بالحجار محملين/ اضربوا على الدوار افشخوا المعتصمين".

ولم يغفل صنّاع الأغنية، الذين رفضوا الافصاح عن هويتهم الشخصية، دور بعض القنوات الإخبارية في كشف الحقيقة، فتقول في إحدى مقاطعها: "مين اللي برجم احجار/ هايهم طلعوا في الأخبار/ واللي بفتح على الجزيرة رح يكشف كل الأسرار/ المشاهد مش حمار/ بفهم شو صار وما صار/ واللي بكذب على الناس الله بحطه بالنار".

ورغم بساطة الكلمات وانفعالها، لكن الأغنية حققت رواجا على المواقع الإلكترونية وصفحات الحركات السياسية المنادية بالإصلاح ومناصريها على فيسبوك.

ويرى القاص خضر أن شكل "أغنية الراب" تستند إلى هوية ومورث غربيين، لذلك كان هناك نوع من الاستعجال في تقديم هذه الأغاني، لكن الحالة تحمل ارهاصات قد تتبلور حالما عاد الاحتجاج، ولاقى مناخاً مناسباً، وقدّم رؤية ناظمة لعناصره ومشروعه، وسيقدّم حتماً ما هو أرقى جمالياً وفنياً، وما يرتبط بالتراث والبيئة الأردنية.

"لو إنك سكرت بواب فتنة مالهاش لزوم"، أغنية أخرى رفضت بوضوح "التحريض العنصري" الذي مارسته بعض وسائل الإعلام الأردنية، محاولة "فلسطنة" حراك شباب 24 آذار، من خلال ربط دعواتهم الإصلاحية بـ "وقوع الفتنة".

"مش كل الكوز يخلع بالجرة/ بتحكي للفلسطينيين انقلعوا اطلعوا بره/ بلاقي الوحدات أحلى من تل الربيع؟/ والا شنلر مثلاُ أحلى من رام الله"، بهذه القسوة عبّر أصحاب الأغنية عن رفضهم الاتهامات التي توّجه للفلسطنيين، مؤكدين أن واقع المخيمات الفلسطينية بالأردن ومنها الوحدات وشنلر لا يمكن أن ينسيهم جمال بلادهم.  

"القسوة" تطلبت صراحة أكبر في حوار "البلطجية"، الذين فضوّا اعتصام 24 آذار، فتقول الأغنية: "لو انك ابن عشيرة وعن جد بتعرف تاريخك كان عرفت اني طول عمري ايدي بايديك/ لو انت موالي كان مستعد تموت لمصلحة البلد/ ومش مستعد تقتل الجموع لمصلحة لا أحد/ المطالبين بطالبوا بإصلاحات حكومية/ ليش تحولت القضية لكره ضد الفلسطينيه/ فرق تسد/ بدك تسود السواد الأعظم/ مين حكالك أنهم ضد جلالة الملك المعظم".

صرخة أطلقتها الأغنية بانتظار من يسمعها "ما في حد من مصلحته خراب الوطن/ ليش يُخوّن المقتول ويُكرّم من قتل؟ معقول دم الأردني بسبب التعصب يروح هدر؟".

المصدر : الجزيرة

التعليقات