محمد السيد عيد (وسط) خلال ندوة لاتحاد الكتاب المصريين (الجزيرة نت)

بدر محمد بدر-القاهرة

يختلف المثقفون المصريون في تقييم مدى نجاح سياسة وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني في "تدجين" المثقفين والكتاب، وسعيه لإدخالهم  إلى"حظيرة" النظام السياسي السابق، لكن غالبيتهم يرون أن القاعدة العريضة من المثقفين قاومت تلك السياسة، وشاركت بشكل واضح في ثورة 25 يناير.

ويؤكد نائب رئيس اتحاد الكتاب أن الرئيس المخلوع حسني مبارك لم يكن يهتم بالثقافة، كما كان وزيره فاروق حسني يتبنى سياسة صريحة تفيد بأنه ينبغي أن يدخل المثقفون "حظيرة السلطة".

وأشار محمد السيد عيد إلى أنه كان على المثقفين بالمرحلة السابقة أن يوالوا  السلطة ووزارة الثقافة بشكل أو بآخر، ولم يتمرد عليه إلا قلة قليلة جدا، لعل من أبرزهم صنع الله إبراهيم الذي رفض جائزة كبرى، لأنه لا يريد أن يتعامل مع النظام.

الناقد وأستاذ الأدب الحديث بجامعة عين شمس جابر قميحة (الجزيرة نت)
استبعاد وحرمان
وعن تجربة شخصية، لفت عيد إلى أنه كان موظفا بوزارة الثقافة، لكنه حرم من الترقية للمناصب العليا أو نيل الجوائز، لأنه لم يكن من رجال وزير الثقافة، كما أنه ليس عضوا بالحزب الوطني الحاكم بتلك الحقبة.

ونبه إلى أن سياسة الاستبعاد التي تبناها حسني لم تكن مسلطة على المنتمين للتيار الإسلامي فقط، ولكن شملت أيضا المغضوب عليهم من التيارات الفكرية الأخرى، وكان يتم استقطاب المثقفين بوسائل شتى، منها منح الجوائز، والانضمام للجان المجلس الأعلى للثقافة، ونشر الكتب والمشاركة بالمؤتمرات وغيرها.

وأشار نائب رئيس اتحاد الكتاب إلى أن المثقفين الذين تم استقطابهم كانوا أغلبية وليسوا قلة، وهم موجودون بالوقت الحالي، ومازالوا يتعاملون مع وزارة الثقافة الحالية.

وأكد عيد أن أغلبية الكتاب والأدباء كانوا مع الثورة منذ بدايتها، سواء بشكل مؤسسي ضمن اتحاد الكتاب أو فرادى، وبعضهم كان يبيت مع المعتصمين بالميادين، ولكن القلة القليلة المتلونة كانت مع نظام مبارك، وهؤلاء لا يعبرون عن القاعدة العريضة لمثقفي مصر.

بدوره يرى الناقد وأستاذ الأدب الحديث بجامعة عين شمس جابر قميحة أن "وزارة الثقافة كانت بلا رؤية، أو ثقافة منهجية طيلة فترة فاروق حسني، فقد كان يخطط وكأنه لا ينتسب إلى شعب مصر" وقد استطاع أن يعزل المثقفين الحقيقيين، في حين سلط الأضواء فقط على أدعياء الثقافة من حواريي السلطة وأنصارها.

وأكد قميحة أن مثقفي السلطة لا يمثلون المثقفين في مصر، وقد بدأ المسار يعتدل بعدد ثورة 25 يناير، وأن المثقفين الإسلاميين سوف يحصلون بالتدريج على حقهم في الظهور والانتشار.

الناقد والأستاذ بكلية آداب المنوفية خالد فهمي (الجزيرة نت) 
ثقافة العزل
وفي السياق ذاته يرى أستاذ الفلسفة وعلم الجمال بأكاديمية الفنون صلاح قنصوة أن وزارة فاروق حسني قامت بتجفيف كل ما هو جميل في مصر طوال ربع قرن، وقد أدى ذلك إلى استمرار وجود الوجوه  نفسها في الحياة الثقافية.

واعتبر أن القلة التي قاومت الاستقطاب، ورفضت أن تدخل "القطيع" استطاعت الوقوف ضد الإغراءات، ولكن الظروف لم تسمح لها بما تستحق موضوعيا، وكانت الأغلبية المستقطبة تتنصل منهم وتبتعد عنهم، لأنهم ضد النظام البائد.

ونبه قنصوة إلى أن النظام السابق نجح في استقطاب المثقفين بآليات عدة منها التخويف والمكافآت والمناصب، حتى فقدوا الجرأة والحياء، وصاروا يتصدرون المشهد الثقافي وأصبح من يخرج عن النظام يضار في شخصه وعمله وسمعته ورزقه وحريته، ويحاصر ويحبس بطرق عديدة.

ويتفق الناقد والأستاذ بكلية آداب المنوفية خالد فهمي في أن حسني استقطب كثيرا من المثقفين بسبل عدة، لافتا إلى أن وزارته أحبطت كل حراك إبداعي حقيقي، وكانت مؤسسة تأميمية لربع قرن هي فترة توليه المنصب السياسي.

وأكد أن وزارة حسني تعمدت إقصاء المفكرين المنتمين للفكرة الإسلامية، حتى المستقلين الكبار من أمثال محمد عمارة ومحمد سليم العوا وطارق البشري وفهمي هويدي، وتم تسليم المناصب جميعها لخدمة النظام فقط. 

ولفت إلى أن تولي عماد أبو غازي وزارة الثقافة هو في ذاته علامة استفهام كبيرة، لأنه من تلامذة وأعوان الوزير السابق، ولا تزال أغلب المناصب في قبضة رجال النظام الفاسد.       

الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة (الجزيرة نت) 
قلة منافقة
وفي المقابل يؤكد الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة أن الذين تعاونوا مع وزارة الثقافة بالعهد السابق كان هدفهم القيام بأدوار محددة، ولم يكن الأمر يرتبط بفكرة شراء الذمم، أو التهافت على المناصب.

وأشار إلى أن معظم المثقفين المصريين شرفاء، ولكن هناك بعض الأدباء لا يمتلكون ضمائر نقية، ولديهم أطماع قد تدفع إلى النفاق، ولكن هؤلاء قلة.

وفيما يخص علاقة المثقفين بالثورة، أكد أبو سنة أن هم المثقفين الأول طوال السنوات الماضية كان البحث عن مخرج لأزمة الوطن، حيث كانوا يسعون إلى الحرية والعدالة الاجتماعية والتقدم العلمي والفكري والاجتماعي.

وبسبب ذلك عانى هؤلاء وسُجنوا وهُمشوا، ووُوجهوا بقسوة في كل المراحل، ولم يكن لهم دور مع السلطة، التي كانت ترشح بعض العناصر القليلة جدا، الساعية لكسب بعض الغنائم. 

ورفض الشاعر القول بأن الوزير حسني استقطب في عهده الكثير من المثقفين، وقام بإدخالهم حظيرة النظام، لافتا إلى أنه لم يكن يوزع الهدايا والرشاوى على المثقفين، والقاعدة كما استشعرها أن معظم المثقفين يمتلكون ضمائر حية، ولا يتزاحمون على الأبواب، ولكن بالطبع كان للوزير أصدقاؤه ومريدوه واختياراته في تولي المناصب.

وشدد أبو سنة على أن "التيار الغالب من المثقفين دعموا الثورة، ووقفوا مع مطالبها بكل مراحلها، لأن قضيتهم الأولى هي تحرير الوطن من الفساد والعبودية والاستبداد".

وقال أيضا إن الثورة شهدت إنتاجا كثيفا للأدباء، وبخاصة الشعراء الذين أنشدوا قصائدهم وتغنوا بأبطالها وأهدافها وأحلامها، منذ يومها الأول بقوة وبوضوح، وهي برهان على موقفهم الثابت والأصيل.

المصدر : الجزيرة