الروائية الأردنية سميحة خريس (الجزيرة نت)


حاورها: محمود منير

توثق الروائية الأردنية سميحة خريس -في روايتها الأخيرة- "يحيى" الشخصية الواقعية، التي عاشت قبل أربعمائة عام في ظل الحكم العثماني، هذا الكركي الذي درس الفقه في الأزهر والجامع الأموي، وتصوّف وجمع حوله المريدين، اصطدم بالسلطة السياسية والدينية، فاتهم بالجنون ثم حوكم وقطع رأسه.

وترى خريس أن شخصية يحيى -التي مزجت فيها الحقائق بالخيال- ساعدتها في قول ما تريده من رفض للتعصب والانغلاق ودعوة للاجتهاد حيال كل نص له سلطة على حياة الإنسان.

وكانت صاحبة "دفاتر الطوفان" و"شجرة الفهود" حصلت على منحة الصندوق العربي للثقافة لتغطية تكاليف البحث والدراسة التي استلزمتها رواية "يحيى"، خاصة أنها شملت بحوثاً في مراجع كثيرة وبمساعدة المكتبات العربية الكبرى.

الجزيرة نت التقت الروائية سميحة خريس وأجرت معها الحوار التالي عن عملها الأخير ومجمل إبداعاتها الروائية وشخوصها.

تعودين إلى التاريخ عبر شخصية يحيى الذي كان يحمل موقفاً ضد السلطة العثمانية بسبب ظلمها، وهو موقف يستند إليه من أساس ديني، لكنه أساس متنور وغير ظلامي، وهو في الوقت نفسه يرفض التعصب وانغلاق العقل والاجتهاد حيال النص الديني، هل كان التاريخ (قصة يحيى) ذريعة لإثارة هذه الأسئلة؟

سميحة خريس: أعود إلى التاريخ لطرح أسئلة أساسية ومباشرة في قضية قديمة حديثة، وهي في جوهرها قضية الحرية، والثمن الفادح الذي يدفعه الفكر المستنير والمختلف والقادر على نبش السؤال.

غلاف رواية "يحيى" (الجزيرة نت)
لا أحمل -لا أنا ولا يحيى بطل روايتي- موقفاً ضد السلطة العثمانية في شكلها العام، ولكن هو موقف ضد الظلم، ولعل المتقصي لتفاصيل الظلم الواقع على يحيى ومجتمعه وجماعته وأفكاره، سيكتشف بسهولة أن الظالمين كثر، ولا يمثلهم العثمانيون فقط.

وعليه فليست الرواية تخندقا ضد فئة سياسية أو دينية بعينها، لكنها تنبيه إلى البؤر التي تسمح بتفشي الظلم والمظالم، وكان الموقف ضد الظلم متوافقاً مع عصره لهذا جاء على أساس ديني.

إنها مجمل القضايا التي كانت مطروحة آنذاك، ويبدو الفكر المستنير في وسط تلك المعمعة أشبه بـ"دون كيشوت" وحيد، مثلما هو دائماً على مر العصور، نعم هو رفض للتعصب والانغلاق ودعوة للاجتهاد، لا حيال النص الديني فقط، لكن حيال كل نص له سلطة على حياة الإنسان، أو يستدعي التفكير في حياتنا.

وسنجد عبر التاريخ المر -الذي مثل مسيرة حياة يحيى- نمطاً أو نموذجاً يتكرر، قد يستخدمه الروائي ذريعة رغم عدم حاجتنا للذرائع، لكن الرجل استفزني وسكن قلمي لأعوام، فكانت تلك الحكاية القادمة من الماضي، مهداة إلى المستقبل.

لماذا العودة إلى التاريخ، ولماذا يحيى على وجه التعيين، فبقدر ما يحسب لك تماس الرواية مع اللحظة الراهنة في طرح أفكارك، فإنه قد يعدّ هروباً من مواجهة اللحظة نفسها بأدواتها وممكناتها؟

سميحة خريس: هذا ما أردت الوصول إليه، التماس مع اللحظة الراهنة، أنا شخصياً لا أشعر بثقل الخوف أو التردد كي أجرب أشكالاً من الهرب من مواجهة أي لحظة، أكتب بشيء من الاستهانة بالعواقب، ولا تعجزني أدوات الحاضر وممكناته، فقد جربتها في نصوص أخرى بذات الانطلاق.

وما زلت أسعى إلى المزيد، عندما تقع نقطة الحبر على الورق أتركها "تنفلش"، لو لم أشعر بذلك التماس مع اللحظة الراهنة وعمقه وتماهيه الكامل، لما كانت رواية يحيى الكركي، بل إن ذلك الوعي تلبّسني عند كل جملة، كأن الحياة لم تمض باتجاه مغاير.

لماذا التاريخ؟ لأننا لم نتجاوزه بعد، لأننا لن نفهم واقعنا ولا مستقبلنا قبل أن نفهم ما مضى، لأننا إذا لم نشحذ ذاكرتنا معرضين للنسيان، ولا يزال التاريخ واقفا على أبوابنا، يقود عربتنا، وإشاحة النظر عنه تعني استسهالاً لقيادة العربة التي تحملنا.

ليست رواية "يحيى الكركي" تخندقا ضد فئة سياسية أو دينية بعينها، لكنها تنبيه على البؤر التي تسمح بتفشي الظلم والمظالم، وكان الموقف ضد الظلم متوافقاً مع عصره لهذا جاء على أساس ديني
كنت أظن أحياناً أن علي الاكتفاء بما عالجته من روايات سابقة اعتمدت التاريخ منهجاً، لكني تعلمت مع رواية يحيى أني لم أر من الجبل إلا قمته، وأن هناك الكثير لا بد من استعادته، كي أرسم ملامح الشخصية التي تمثلني كشخصية عربية مسلمة في عصر بالكاد أنتمي إليه، وبكل ولعي لفهمه وهضمه، والدخول في المستقبل شخصية ذات انتماء وهوية وكرامة، لها موقعها اللائق تحت الشمس.

أما "يحيى"، فشاءت وقائع التاريخ أن يكون هناك فتى اسمه يحيى، يموت على الشاكلة التي وصفتها في النص، وشئت أنا أن أؤثث له زمانه وعصره، وأصنع له حياة متخيلة سحبتها من روح العصر والأمكنة التي عاش فيها، مزجت الحقائق القليلة بالخيال الكثير، فكانت الرواية. 

في رحلتك التوثيقية المضنية، يشعر القارئ أحياناً بثقل التاريخ وخاصة في الإسهاب في وصف الحياة وملامحها في الأسواق ومعيشة الناس وطقوس حياتهم، أين تعتقدين الحد الفاصل بين السرد والتأريخ، وكيف تنظرين إلى تعاملك مع التاريخ في روايتك الأخيرة؟

سميحة خريس: في الإسهاب في وصف الحياة وملامحها كنت مسوقة بنمنمات أحبها، هي بالنسبة لي الرسم الدقيق للمشهد، وهي في الوقت ذاته، تمثّل حركته ورائحته وصوته، نبضه الخفي، لعلي أسهبت أيضاً لافتناني بالباب الذي فتحته على مصراعيه لدخول العصر، بل كنت واعية بأن تلك التفاصيل لا تعد تأريخاً بقدر ما هي سيرة الأشياء التي ترافق رحلة الإنسان.

وأنا منذ تجربة سابقة في روايتي "دفاتر الطوفان" مولعة بالخفي من سيرة الأشياء، وأعتقد أن جزءا أساسياً من إحساس القارئ بالمكان والزمان والشخوص هو في إيقاعات الأشياء المحيطة به، كما أعلم أن الذهاب في هذا المنهج, "سير خطر على الحبال"، وأحاول أن تتوازن بي قدماي فلا أسقط.

في تعاملي مع التاريخ أؤثث الحياة بتلك الهوامش الجانبية البسيطة، أترك صرامة الواقع إلى خفة التفاصيل، وأدمجهما في لعبة إيحاء، أفتح جرح التاريخ واسعاً وأعبئه بالحكايات.

من مؤلفات الأديبة سميحة خريس
 (الجزيرة نت)
وأنا على يقين غريب بأني أقدم الحقيقة من دون الوثيقة، وأن ما أبوح به أكثر واقعية من الحقيقة الجافة، أحياناً يتلبسني غرور يهمس لي بأن الكتابة جاءت من موقع خفي في الكون أطلعني على الحقيقة المخبأة أو المسكوت عنها.

رواية "يحيى" تجاوزت 450 صفحة، وهي مغامرة تخوضينها صوب متلقٍ قد يرهقه ذلك، هل كان هاجس الشخصية وتعاطفك معها يدفعك إلى تخليقها عبر اتساقها مع تاريخها، من دون رغبة في إعادة تخليقها خارج كل هذه المحددات والقيود التاريخية؟

سميحة خريس: لم يكن لدي أدنى فكرة عن حجم الرواية عندما بدأت في كتابتها، كانت ترغمني على الإطالة، رغم قسوتي في القص ورمي ما وجدته إضافياً ونافراً، بالطبع فكرت في إرهاق القارئ وأعتذر له، ولكني أيضاً وجدت هذا النص المحمل بالفكرة الثقيلة ليس لمجرد التسلي.

افترضت قارئاً جاداً وراهنت على صبره معي، وللعجب وجدت قراء عاديين تعودوا على روايات الجيب، قرؤوا النص وتفاعلوا معه، مما أسعدني، بالنسبة لفصل المحكمة، لا أجد غريباً أن يبدو الحجر الأساس، لنقل إنه مدماك هام، أرهقني لأني قمت بدراسة مستفيضة وأنا أنتقي وأتخير في الفقه والفكر الديني.

وهنا أقول إنه لا توجد كتابة بريئة، هناك فكر أريد أن أسوقه، ويحيى يساعدني والآخرون يشدون أكمامي، يبدو هناك صراع متزن وقوي ومتعادل، لا بد بعده من أن أتعاطف مع من يمثل منهجي، ولا أعتقد أني خرجت بالشخصية عن المحددات والقيود التاريخية، أنا كما أسلفت، أشعر بأننا لم نخرج من تلك المرحلة التاريخية للأسف.

في روايتك، جميع الشخصيات النسائية كانت إيجابية في نظرتها للحياة، وصاحبة دور مؤثر وربما استثنائي، كما هي نفل ومريم وهفوف وجمان...، ويشعر المتلقي بأن المرأة أضيفت شخصياتها، أو جانب من حياتها، إلى الرواية، هل ينضاف ذلك إلى رؤية المؤلفة؟ 

سميحة خريس: منذ سنوات طويلة استمعت إلى دراسة لباحثة في قضية النقد النسوي، واستوقفني قولها إن كتابة المرأة عموماً -حتى النسوة المميزات مثل غادة السمان وكوليت خوري ونوال السعداوي- قدمت نماذج نسائية ضعيفة مستلبة، لا تشبه نضالهن، وكنت حينها قد كتبت "شجرة الفهود".

في تعاملي مع التاريخ أؤثث الحياة بتلك الهوامش الجانبية البسيطة، أترك صرامة الواقع إلى خفة التفاصيل، وأدمجهما في لعبة إيحاء
عدت إلى الرواية لأدرس ملامح النسوة فيها، وأرضاني تباينهن، واختلافهن، ولعل تلك الفترة أنشأت وعياً خاصاً عندي بكيفية كتابة صورة المرأة، ودون قصدية مفتعلة، تخرج نساء رواياتي قويات مؤثرات فاعلات جميلات، عاشقات وفيات، وأمهات مضحيات، وبنات يعتمد عليهن، ربما لأني أحترم المرأة هكذا، أراها هكذا، أعرف منابع القوة لديها وإن تقنعت بالضعف.

تحسب لك جرأتك في صوغ العلاقات العاطفية واللحظات الحميمة، خاصة في بداية الرواية، حيث توظفين مخيلتك في بناء دراما تؤثث تلك الحياة البدائية في الكرك. كيف ترين تلك الجرأة بين الواقع والخيال؟

سميحة خريس: أنا امرأة، وأزعم أني تمكنت من فهم اللحظات الحميمة عند المرأة، ولا يمكن إحالة الأمر على الواقع والخيال، إذ إن هذا الموضوع الإنساني الشائك هو أكثر مواضيع الحياة التباساً بين الواقع والخيال، كأن لذتنا في الحياة العاطفية كلها تجيء من الخيال، لكنها تمسك بتلابيب الواقع، وأما القول بموضوع الجرأة، فإني لم أجد في هذا النص تحديداً ما يمكن وصفه بالجرأة، ربما لأن موضوع الجسد عومل بنسبة قليلة ورائقة ومن دون افتعال ولا فجاجة.

هل تعتقدين أن رواية "يحيى" قد تتحول إلى عمل درامي قريباً، وهل كان ذلك جزءاً من المقترح الروائي، بالنظر إلى بنية السرد وتقنياته، خاصة بالتركيز على الحوار والوصف الدقيق للأمكنة والشخوص؟

من مؤلفات الأديبة سميحة خريس
 (الجزيرة نت)

سميحة خريس: لا أعرف، في الواقع كل العناصر التي تجعل عملا ما قابلا للتحول إلى دراما تتوفر في معظم أعمالي، من دون نية مسبقة. أقصد أن هدفي كتابة الرواية، ولعل عنايتي بالحوار والتفاصيل تهيئ النص ليكون دراما، لكني أيضاً أعرف مشاكل الدراما في الأردن خاصة والعالم العربي.

لي تجربة محبطة مع الدراما في عملين لم يريا النور حتى الآن، عمل مأخوذ عن "شجرة الفهود"، والآخر عن دفاتر الطوفان، وقطعاً أن يحيى قد يكون حظها أوفر لأنها تطوف في بيئات اجتماعية متعددة، لكن الذي قد يقف عائقاً أمامها هو الإنتاج الذي لا بد من أن يكون سخياً لتأتي الصورة المناسبة، وعلى كل الأحوال ليس هذا أحد همومي عند الكتابة ولا بعدها.

المصدر : الجزيرة