مسرح الحرية جاء استكمالا لنظيره مسرح الحجر الذي أقامته والدة جوليانو (الجزيرة نت)

عاطف دغلس-نابلس

من مسرح الحجر إلى مسرح الحرية، تنقّل المخرج الفلسطيني الراحل جوليانو مير خميس الذي اغتيل في الرابع من الشهر الجاري أمام مسرحه في مخيم جنين شمال الضفة الغربية، وعبر هذا المسرح ظل جوليانو يقارع الاحتلال ويقاومه بطريقته الخاصة. ويسعى زملاؤه ومريدوه الآن إلى إكمال هذه المسيرة.

وجول –كما يطلق عليه زملاؤه- جاء بمسرح "الحرية" ليكمل مع بضعة شبان مشوارا بدأته أمه آرنا خميس عبر مسرح "الحجر" من على أسطح أحد منازل مخيم جنين شمال الضفة الغربية أواخر ثمانينيات القران الماضي.

واستكمل جوليانو عمله في مسرح الحرية الذي أسسه عام 2006، وعمل على إيجاد طاقم جديد من الفنانين ليكونوا خلفا لسابقيهم الذين تدربوا على يد أمه في مسرحها والذين سقطوا شهداء إبان اجتياح الاحتلال الإسرائيلي مخيم جنين عام 2002.

تعليم وتمثيل

عدنان نغنغية: كوّن جوليانو جيلا جديدا من الفنانين الشبان (الجزيرة نت)
ولكن بداية جوليانو ومسرحه كانت صعبة، كما يقول مدير المسرح عدنان نغنغية، خاصة أن يد الاحتلال كانت قد شملت الممثلين في المسرح خلال الاجتياح، كما كان من الصعب إقناع الأهالي بأن المسرح شكل من أشكال النضال الفلسطيني.

وحتى تتجسد فكرة المسرح كما أرادها جوليانو، قال نغنغية إن المسرح بدأ بعقد دورات لتعليم الحاسوب وأخرى للإنترنت، وعمد القائمون عليه إلى "تجنيد" أكبر عدد من الشبان في دورات لتعليم التصوير السينمائي والفوتوغرافي، ومن ثم تأسيس مدرسة متخصصة للتمثيل.

كما خصص جوليانو "غرفا للقراءة" وأخرى "للكتابة الإبداعية" في المسرح، في محاولة منه لجعل النشاط المسرحي والفن والتمثيل -الذي يشكل هاجسا لدى مجتمع تقليدي- أقرب إلى الجيل الناشئ، ولتفادي الرفض الاجتماعي المباشر.

ولفت مدير مسرح الحرية إلى أن هذه الزوايا في مسرح الحرية خلقت جيلا من المبدعين من أبناء المخيم والقرى الفلسطينية المحيطة، "كما أن الفتيات وجدن في الكتابات الإبداعية وفي التصوير الفوتوغرافي طريقا أسهل للدخول إلى عالم التمثيل".

كما استطاع القائمون على المسرح إطلاق مجلة أصوات، ثم موقعا إلكترونيا يحمل الاسم نفسه.

وكان لمدرسة التمثيل هذه دور في ترسيخ المقاومة، وبدا هذا واضحا في الأعمال التي أنتجوها، التي كان أولها مسرحية "الرحلة" التي أراد بها أطفال المخيم الخروج في رحلة للبحر، "فكان الاحتلال لهم بالمرصاد عبر فرضه لحظر التجوال وحصاره المخيم".

ثم تتالت الأعمال من "مزرعة الحيوانات" و"القنديل الصغير" لغسان كنفاني و"رجال في الشمس" و"شظايا" وآخرها "أليس في بلاد العجائب"، وحملت في معظمها الطابع السياسي ومقاومة المحتل، وهو الأسلوب الذي أدخله جوليانو إلى أعماله "لتعزيز فكرة النضال الفلسطيني".

جيل من الفنانين

عرقاوي: نحاول في مسرح الحرية إكمال المسيرة التي بدأها جوليانو (الجزيرة نت)
ولم يقف دور المسرح عند التعليم والتثقيف، ولم يحتكره جوليانو أو القائمون عليه لأنفسهم أو لأعمالهم، بل شكل ملتقى لكثير من العروض المسرحية والفنية من مناطق مختلفة من الضفة الغربية، واستخدمه الكثير من المخرجين والفنانين لإنتاج أعمالهم، "فهو الأكبر والوحيد بشمال الضفة".

واستطاع جوليانو عبر مسرحه -كما يقول نغنغية- أن يعمل على خلق جيل من الفنانين القادرين على التعبير عن أنفسهم على خشبة المسرح، حتى إنه قال للألمان عندما شارك في عرض مسرحية "شظايا" إنه جاء بهؤلاء الفنانين الصغار، لا للقفز فوق المسرح فحسب، "بل لإيصال رسالة مفادها أن الفلسطيني ليس جاهلا ولا إرهابيا".

أما منسقة مدرسة التمثيل بالمسرح روند عرقاوي فقالت إن أعمالهم مع جوليانو تميزت بالروح الجماعية والمسؤولية، فقد حملوا همّا واحدا، وهو أن يخرج الفتى الفلسطيني ويعبر عن كل ما يختلج في صدره بكل حرية.

وأوضحت للجزيرة نت أن المسرح عمل على بناء الشخصية المسرحية، ثم البناء الثقافي لهذه الشخصية، ثم صقلها بما يريده المسرح وما يهدف إليه.

وأكدت أنهم يسعون للاستمرار وإكمال المشوار الذي بدأه جوليانو للحفاظ على ما يزيد على عشرين ممثلا مسرحيا، وعلى فكرة المسرح وقبولها وانتشارها "للوصول للهدف الذي يريده".

المصدر : الجزيرة