لوحة منازل في أمستردام للفنان كيس فان دونغِن (الجزيرة نت)


أنطوان جوكي-باريس

يحظى الفنان الهولندي كيس فان دونغِن (١٨٧٧-١٩٦٨) أكثر من معظم فناني جيله الكبار باهتمامٍ لافت في فرنسا، وهو ما يشهد عليه إيقاع معارضه السريع خلال العقدين الأخيرين.

وينظّم متحف باريس للفن الحديث حالياً معرضاً جديداً له من تسعين لوحة تغطي الفترة الممتدة من عام ١٨٩٥ وحتى بداية الثلاثينيات، وهي المرحلة الأهم من مساره الفني.

يأتي هذا بعد معرضه في متحف الفنون الجميلة عام ١٩٩٠ الذي أثبت موقع هذا العملاق في تاريخ الفن، ثم معرضه الضخم في متحف لوديف عام ٢٠٠٤.

الحقبة الجميلة

لوحة الربيع من أعمال فان دونغن
(الجزيرة نت)
ولتفسير شغف الفرنسيين بهذا الفنان، لا تكفي الإشارة إلى استقراره في باريس منذ عام ١٨٩٩ وتسجيله في وسطها الفني نجاحاً باكراً وساطعاً قلّ مثيله، كما لا يكفي أن نشير إلى مضمون لوحاته بالذات الذي يعكس حالة الغليان الفني والثقافي عموماً الذي عرفته باريس خلال القسم الأول من القرن العشرين.

وشكّلت تلك الحقبة نقطة تجمع لعددٍ كبير من الفنانين الراغبين في تجديد قواعد الفن وممارسته.

ويبقى العامل الأساسي في جاذبية فان دونغِن أسلوبه الفني الفريد وتطوره الذي يعكس عبقريةً واستقلاليةً نادرتَين، وهو أسلوبٌ لا ينخرط ضمن التطور التقليدي الذي قاد أندريه دوران وجورج براك وراوول دوفي من الانطباعية إلى التكعيبية، بل يفجّر أيضاً الحدود بين أنواع فن الرسم فيتحوّل البورتريه معه إلى استعارةٍ أو عُري إيروسي.

وفي علّية المنزل العائلي التي حوّلها إلى مرسم، بدأ فان دونغن عام ١٨٩٥ بممارسة فن الرسم، فحقق مناظر طبيعية ومشاهد نموذجية بواسطة ألوانٍ معتمة تنفرج تدريجياً.

وبين عامي ١٨٩٦ و١٨٩٧ استقرّ في روتردام ونشر في مجلة "Vrije Kunst" الفوضوية رسوماً اعتمد فيها أسلوباً رمزياً قريباً من أسلوب جان توروب، ثم انتقل إلى باريس حيث أنجز رسوما تزيينية لمجلة "الصورة" ولوحات تمثّل بشكلٍ نقدي الدعارة والبؤس في بعض الشوارع.

الشخصيات الهامشية

لوحة مشهد حياتي من ساحة بيغال (الجزيرة نت)
أجبرت الحالة المادية الصعبة فان دونغِن على العودة إلى بلده حيث وضع لصحيفة "أخبار روتردام" رسوما على شكل ريبورتاج حول أحياء المدينة الساخنة، اعتمد فيها خطّاً سريعاً وحاسماً.

ومع استقراره مجدداً في باريس عام ١٨٩٩، قام فان دونغن برسم الفقراء والشخصيات الهامشية في شوارع المدينة على طريقة الرسامَين الكبيرين ستاينلن وتولوز لوتريك.

ولكسب عيشه، اضطّر إلى ممارسة مهنٍ صغيرة وإلى التعاون مع المجلات الهجائية الساخرة التي كانت رائجة آنذاك، كما صادق عددا من الرسامين والنّقاد الكبار مثل بيكاسو ورئيس تحرير "المجلة البيضاء" فيليكس فينيون الذي قدّمه إلى محيط الفوضويين الباريسيين.

وبفضل تزيينه عدداً كاملاً من مجلة "صحن الزبدة" الشهيرة عام ١٩٠٣، فتحت مجلات باريسية ساخرة كثيرة صفحاتها له، فهاجم بشراسةٍ داخلها المجتمع الباريسي الذي لا يكترث لفقرائه.

وبموازاة رسومه الساخرة، أنجز فان دونغِن في العام نفسه سلسلة رسومٍ بالحبر الصيني يتخللها برقشة عنيفة أو فوارق لونية رقيقة وتتناول المرأة في انشغالاتها الحميمة أو المألوفة، ومسألة الملذات الجسدية.

وتعكس الرسوم اكتساب الفنان يُسراً تعبيرياً كبيراً كما تعكس تطوُّر أسلوبه ومواضيعه إذ يتوارى موضوع الشارع أمام موضوع العروض الشعبية، ويتراجع النقد الاجتماعي لصالح استحضار الشهوانية. 

الانطباعية الجديدة

لوحة إصبع على الخد (الجزيرة نت)
وفي عام ١٩٠٤، وبفضل الناقد فينيون، نظمت غاليري "فولار" المهمة أوّل معرض فردي له تضمن أعمالاً رسمها في هولندا وأخرى في باريس ومقاطعة النورمَندي، وجميعها يندرج في خط الانطباعية الجديدة والتنقيطية الذي اختبره قبله الرسامان سينياك وماتيس، ويتميز "بضربات ريشةٍ تتناثر كألعاب نارية" أو "بتموّجات لونية باهرة".

وبجرأة كتابتها التشكيلية العفوية أو بحركية ألوانها، سهّلت هذه الأعمال عملية عبور فان دونغِن إلى اللون الصافي، وبالتالي إلى أسلوب "التوحّشية"(fauvisme). وحول أسلوبه الفريد، كتب الشاعر أبولينير "هذا الملوّن هو أوّل من استخرج من النور الكهربائي بريقاً حاداً أضافه إلى الفوارق اللونية، فكانت النتيجة نشوةً وانبهاراً وارتجاجاً".

في عام ١٩٠٥، تثبّت اهتمام فان دونغن باللون وبقدراته التعبيرية الكبيرة، خصوصاً في اللوحات التي رصدها لموضوع السيرك وفي المناظر الطبيعية التي حققها خلال الصيف في مدينة فلوري الفرنسية. ومن استخدامه لألوان الباستيل يظهر تأثّره بالرسام فان غوغ في المواضيع المعالجة أو في التقنية المعتمدة.

وحول أعماله التي عُرضت في الصالة المخصَّصة للطلائع "التوحّشية" داخل "صالون الخريف"، تحدّث أحد النقاد عن "فيضٍ لوني خارق وغامض". وبعكس الرسامين "التوحّشيين" الذين ابتعدوا بسرعة عن الأسلوب التوحّشي، أصرّ فان دونغِن في أبحاثه على طغيان اللون وعرف انطلاقاً من عام ١٩٠٨ شهرةً عالمية كبيرة تشهد عليها معارضه الغزيرة في فرنسا وروسيا وألمانيا.

ضوء المتوسط

 امرأتان مغربيتان: لوحة من أعمال الفنان فان دونغِن (الجزيرة نت)
تنقل فان دونغِن عام ١٩١٠ بين هولندا وإيطاليا وإسبانيا قبل أن يستقر فترةً من الزمن في المغرب، تغيّر خلالها أسلوبه بعد اكتشافه الضوء الخاص لمنطقة المتوسط، فأنجز لوحات فتنت النقاد الفرنسيين سواء بالبشرة النحاسية للشخصيات الماثلة فيها أو بفيض الحُلي المتلألئة والأوشحة الباهرة التي تزيّن بألوانها النيّرة والبرّاقة قامات نسائية مبسّطة ورقيقة. وحول هذه الأعمال قال أبولينير "نتنشّق الأفيون والعنبر داخلها".

ولا تتوقف تجربة فان دونغِن لشرقنا العربي عند حدود المغرب، ففي ربيع ١٩١٣ توجّه إلى مصر حيث نشّطت ألوان هذا البلد وشمسه أسلوبه التوحّشي.

وتبدو النساء الماثلات في لوحات تلك الفترة مرسومةً بشكلٍ مختزَل، تحيط بأعينهن زرقة دائرية حادة، كما تلاعب الفنان داخلها بالألوان بحرية كبيرة مانحاً اللون الأحمر أهمية خاصة.

ولدى عودته إلى باريس، تخلّى عن الأسلوب "التوحّشي" وحقّق لوحات تزيينية تعالج موضوع العري بأسلوبٍ منمّق يرتكز على ألوانٍ موحَّدة وبدائية مستوحاة بدون شك من المنحوتات المصرية القديمة.

أما انتقال فان دونغن إلى فن البورتريه فكان عام ١٩١٤ الذي أنجز خلاله أعمالاً مهمة يظهر فيها ميله إلى رسم المفاتن الظاهرة وعدم محاولته تجسيد الرغبة العميقة والغريزية الحاضرة في أعمالٍ سابقة.

وبعد سفره إلى مدينة البندقية عام ١٩٢١، حيث رسم عشرين لوحة تعكس سحر هذه المدينة بمواقعها الشهيرة ونسائها الأنيقات اللواتي يظهرن بقاماتٍ ممشوقة، عاد الفنان إلى باريس وتابع عمله على موضوع البورتريه بدون أن يضيف أي شيء جديد على أسلوبه الفني المكتمِل.

المصدر : الجزيرة