ملحس استقال من الحكومة عام 1994 احتجاجا على "حيتان الفساد" بالأردن (الجزيرة نت)

محمود منير-عمّان

"لم أجد ناشراً لكتابي (لماذا نحن هكذا) بسبب تحريضه السياسي على تغيير الأنظمة العربية، حتى العام الحالي"، يقول الوزير الأردني الأسبق د. عبد الرحيم ملحس الذي استقال من منصبه بعد كشفه فساد الدواء والغذاء الأردني، ولم يستجب حينها لضغوطات "حيتان المال" لتغيير أقواله بما يخدم مصالحهم.

ملحس الذي مارس المهنة أكثر من أربعة عقود، قادته ملاحظته الأعراض التي تعتري مجتمعه إلى تشخيص أمراضه فاستقال من الحكومة الأردنية عام 1994 مؤمناً أن "الوطن العربي يستهلك نفايات العالم".

"ملحس شخصية اجتماعية وسياسية معروفة. فجّر خلال توليه وزارة الصحة قضية فساد الدواء والغذاء في الأردن، ولاحظ حينها أن هذه القضية امتداد لأسلوب الرأسمالية الأميركية في التعامل مع شعوب العالم الثالث واحتقارها لها، بل وتحويلها إلى مختبرات فئران لمنتجاتها المختلفة"، يقول الباحث والكاتب السياسي موفق محادين.

ويضيف في حديث للجزيرة نت "ملحس مثقف كبير وهو عضو رابطة الكتّاب الأردنيين وله متابعات وملاحظات نقدية عميقة".

غلاف كتاب "لماذا نحن هكذا" لملحس
(الجزيرة نت)

مع الحقيقة
السياسة جذبت الطبيب المستنير، منذ ذلك التاريخ، فخاض الانتخابات البرلمانية عام 2003 رافعاً شعاراً واحدا "مع الحقيقة مهما كان الثمن"، وفاز بمقعد نيابي في الدائرة الثالثة بالعاصمة الأردنية، التي تشهد على الداوم أكبر تنافس بين كبار السياسيين.

"الحقيقة" لا غيرها، دفعت ملحس الإقرار لناخبيه بعدم قدرته على تقديم ما وعدهم به، وقرر عدم الترشح للانتخابات في الدورة التالية.

عودته لممارسة الطب كانت بداية لبحث نظري حول أزمات المجتمع العربي، انطلق من موقف نقدي معرفي حيال السلطة الأبوية وتعالقها بالثقافة القَبَليّة.

ويلفت ملحس إلى استخدامه المنهج العلمي الذي يمارسه في مهنته كطبيب من حيث ملاحظة الأعراض وتشخيص المرض ووصف العلاج، لذلك رأى أن فكرة التغيير متحققة.

وبعد خروجه من البرلمان فكرّ في متتالية "لماذا؟" بحثاً عن جواب لعصر الانحطاط العربي الراهن، وحاول أن يصل إلى "لماذا" واحدة للإجابة عما يحدث في الوطن العربي.

"تتمثل أزمتنا في الحالة الأبوية القبلية التي نعيشها، ولا أقصد بالقبلية الانتماء للقبيلة إنما "مافيوية" الأحزاب أو الحكومات التي تتعامل على قادة تحقيق المنافع الشخصية وترسيخ النفوذ الواسع، فتظر بوصفها جسماً متجانساً شرعياً داخل الدولة يعمل لمصالحه الخاصة لا للمصلحة الوطنية"، يوضح الطبيب ذو الاتجاه العروبي.

ملحس شخصية اجتماعية وسياسية معروفة. فجّر خلال توليه وزارة الصحة قضية فساد الدواء والغذاء في الأردن، ولاحظ حينها أن هذه القضية امتداد لأسلوب الرأسمالية الأميركية في التعامل مع شعوب العالم الثالث واحتقارها لها، بل وتحويلها إلى مختبرات فئران

الثورة على الأب
لا يتوقف ملحس عند حدود التنظير، إنما يُفصّل الواقع الاجتماعي السياسي في عدد من الدول العربية، مستشهداً بشواهد من الممارسات التي تدل على ثقافة تلك المجتمعات، وبأحداث من التاريخ المعاصر.

أبرز هذه الأحداث تجلّى في رفض الشعب المصري والعربي استقالة الزعيم جمال عبد الناصر بعد اعترافه بمسؤوليته عن نكسة يونيو/ حزيران 1967، واعتبره دليلاً صارخاً على رفض التخلي عن الأب.

يرى ملحس أن ثورة الشباب في الدول العربية اندلعت بسبب الرغبة بالتخلص من سيطرة الأب وترسيخ مجتمع مدني يؤمن بالمواطنة وتتخلى عن الانتماء القبلي، أما الدول التي لم تقم بها الثورات فلا تزال تؤمن مجتمعاتها بالسلطة الأبوية القبلية وتخشى زوالها.

ويقول في كتابه "نلاحظ صراعاً يتزايد بين الثقافة الأبوية القبلية، التي من صلبها رفض التغيير والرضى بالواقع الراهن لإبقاء وتعظيم استفادتها وبين ثقافة مدنية ما زالت برعمية ترفض قبول الواقع الراهن وتسعى إلى تغييره، ويحرّكها إيمانها بمبادئها".

خطورة الثقافة القبيلية، وفق ملحس، تتمثل في "السماح بدخول الأجنبي" الطامح لمساعدة معتنقيها في تحقيق أهدافهم الأنانية بالحماية والاستفادة والنفوذ، بينما سهّلت الثقافة الأبوية "شروط هذا الدخول وبقائه" بسبب فردية القرار وسهولة تقبّله عند منتسبيها.

بدوره يرى محادين أن كتاب ملحس، من دون مبالغة، يشكلّ إضافة جديدة لمساهمات عربية سابقة مثل أعمال د. هشام شرابي وعلي زيغور وحجازي وغيرهم.

ويوضح أن الكتاب يلحظ العلاقة الجدلية الكامنة والظاهرة بين أشكال السلطة والسطوة الأيديولوجية الاجتماعية والسياسية العربية وبين البطركية الأبوية، التي تخترق كل المستويات، وتعيد إنتاج النظام والعقل العربي بما يخدم هذه الأشكال، ويعمّق التبعية ولا سيما في أخطر أشكالها وهي التبعية الثقافية، على حد تعبير محادين.

يرى مؤلف "لماذا نحن هكذا" أن ثقافة الحاكم العربي لا تتغير إلاّ بتغييره هو نفسه

ثقافة الحاكم
"درست الصفات السيكولوجية والثقافية لشخصية الطبقة الحاكمة في الدول العربية، وكانت أخطر صفة على الإطلاق عدم جديّتها، وقدّمت اقتراحاً عملياً حول الصفات المطلوبة لديها"، ينوّه ملحس.

ويشخص مرض الحاكم العربي بـ "الأبوية" و"السلطوية" و"القبلية وانعدام الشرعية"، وهو ما سهّل دخول المستعمر الأجنبي إلى البلاد العربية.

ولا يجد ملحس سوى ثلاث طرق لتغيير ثقافة الحاكم العربي، وهي وفق أولويتها: أن يتخلى الحاكم العربي عن ثقافته من تلقاء نفسه، فيتحوّل من حاكم أبوي سلطوي إلى قائد مدني ديمقراطي.

وليأسه من انتظار "التغير التلقائي"، يعتقد ملحس بوجوب التغيير بالإقناع، رغم ما أثبتته التجارب العملية من مواجهة "الاقناع" بـ "بطش الحاكم"، وادعائه بأن أي تغيير في ثقافة وطبيعة حكمه ستكون له عواقب وخيمة عليه وعلى مصالح الضاغطين عليه.

وهنا يرى مؤلف "لماذا نحن هكذا" أن ثقافة الحاكم العربي لا تتغير إلاّ بتغييره هو نفسه!

المصدر : الجزيرة