منتصر القفاش

في الكتابات النقدية التي يكتبها المبدعون تتضح سمة رئيسية، وهي أنها لا تعرف المقدمات المدرسية، ولا تحاول أن تمهد لفكرتها بذكر المنهج النقدي الذي ستتبعه‮. ‬في تلك المقالات نجد أن هناك فكرة برقت أو اهتدى إليها الكاتب أثناء قراءاته أو كتاباته‮. ‬فكرة نابعة من خبرة خاصة وتحاول أن تقدمها بنفس العنفوان الذي ظهرت به، دون أن تسجنها في أطر نظرية أو تبحث لها عن شواهد من كتب النقاد المتخصصين‮. وفي نفس الوقت قد تدفع مقالات المبدعين المكثفة إلى أن يعيد النقاد النظر فيما كانوا يرددونه، وقد تفتح أمامهم طرقا جديدة للبحث لم يلتفتوا إليها‮.

‬كتب بورخيس مقالا بعنوان‮ "‬كافكا وأسلافه"‬،‮ ‬لم يتوقف فيها عند الأسلاف القريبين لكافكا زمنيا، أو لم يتناول الأسلاف الذين يردون في كتب النقاد المتخصصين في كافكا‮. بل وجد أن أسلافه يمتدون في آداب وعصور عديدة ومتباينة‮. ‬بدأها من مفارقة زينون الإيلي ضد الحركة،‮ ‬التي ترى أن جسما متحركا من النقطة "أ" لا يمكنه أن يصل إلى النقطة "ب"، لأنه ينبغي عليه‮ ‬أن يقطع نصف هذه المسافة بين النقطتين، وقبل ذلك نصف هذا النصف، وهكذا إلى ما لانهاية‮. ‬ويرى بورخيس أن تلك المفارقة تعد سلفا من أسلاف أعمال كافكا وخاصة روايته القلعة‬، التي لا يستطيع فيها‮ "‬ك" ‬أن يصل إلى القلعة رغم أنها تبدو أمامه‮. ‬

في مقالات وكتابات المبدعين النقدية -التي تركت أثرا- تتضح ملاحظة أنهم كتبوها على نفس الأرضية التي ينطلقون منها في كتابة نصوصهم الإبداعية‮. ‬فميلان كونديرا في كل كتبه النقدية ينشغل بالكتابة عن الأعمال التي تصير فيها الفلسفة وتأملات الكاتب جزءا من السرد، ونابعة من أحداث الرواية
‬كما نتذكر قصته سور الصين الذي لا يكتمل أبدا بناؤه. ‬ويتنقل بورخيس بين أسلاف كافكا‮: ‬قصة من الأدب الصيني إلي كيركجارد وآخرين،‮ ‬ويصل إلى أن كل كاتب‮ " ‬يخلق أسلافه‮... ‬ففي كل تلك النصوص شيء من كافكا،‮ ‬غير أنه لو لم يكتب كافكا ما استطاع أحد أن يلاحظ ذلك‮... ‬فإنتاجه يعدل تصورنا للماضي مثلما يعدل تصورنا للمستقبل‮."

ولنا أن نتخيل كيف تستطيع هذه الطريقة أن توسع من أفق المتلقي ولا تجعله يكتفي بالنظر إلى الحدود القريبة،‮ ‬أو يكتفي بترديد كلمة الجيل التي تحبس النصوص في قفص زمني كل عشر سنوات،‮ ‬بل تجعل تلقيه إبداعا في حد ذاته لأنه يصل بين نصوص وكتاب متفرقين زمنيا ومكانيا‮. ‬وبقدر ما يثري النص بهذه الطريقة فإن المتلقي يثري بدوره من اتساع أفق قراءاته وتأملاته‮.

أرضية مشتركة
‮‬وفي مقالات وكتابات المبدعين النقدية -التي تركت أثرا- تتضح ملاحظة أنهم كتبوها على نفس الأرضية التي ينطلقون منها في كتابة نصوصهم الإبداعية‮. ‬فميلان كونديرا في كل كتبه النقدية ينشغل بالكتابة عن الأعمال التي تصير فيها الفلسفة وتأملات الكاتب جزءا من السرد ونابعة من أحداث الرواية‮. ‬ولا يقصد الفلسفة الموجودة في الكتب المدرسية أو كتب الفلاسفة، بل فلسفة تخص الرواية ولا تستطيع سوى الرواية أن تقوله،‮ ‬وتتشكل حسب شخصياتها وما تواجهه من مواقف‮. ‬ولا يعني هذا أن المبدعين يكتبون عما يحبونه فقط، بل يعني في الأساس أنهم ضد العموميات والكلام النقدي المرسل الذي لا يكشف عن أي موقف أو ذائقة‮.

ومقالات يحيى حقي تمتلك تلك القدرة التي تجعلك تتعرف على ذائقته وكيف يتلقى الأعمال الفنية بمختلف أشكالها‮. ‬وتكثر في مقالاته تلك المناطق الشائكة التي تلتبس فيها أحاسيسه ومشاعره إزاء بعض الأعمال والأشخاص‮. ‬ويحرص على أن يظهر هذا الالتباس للقارئ دون أن يتسرع بحله،‮ ‬بل يتركه كمنطقة جديرة بإعادة النظر‮. ولنتذكر مقاله "أنشودة البساطة" ومقالاته عن روايات نجيب محفوظ وما كتبه عن شخصيات أدبية مثل المازني‮.

في مقاله "أنشودة البساطة" يكتب يحيى حقي عن قصة قصيرة يصفها بـ"الوعرة"، وواجهته مشقة بالغة في قراءتها، ويصف حالته في البداية قائلا "أحسست منذ السطر الأول أنني محكوم عليّ بالأشغال الشاقة المؤبدة في سجن طرة، لا أقطع الزلط فحسب بل أمضغه أيضا"، كان باستطاعة يحيى حقي أن يتوقف عند هذا الحد الذي يكشف ثقل القصة على نفسه، لكنه لا يريد الإشارة إلى إحساسه فقط بل يريد أن يتقصاه إلى أبعد حد، مستغرقا في تفاصيله، على عكس إحساسه بقصيدة بدأ بها المقالة "ولم تترك فيه أي أثر".

وهذه التفاصيل ترسم لنا شخصية قصصية، أو بمعنى آخر بقدر ما تكشف عن رأي نقدي نجدها تشد الانتباه إليها في ذاتها، وكأنها في مرحلة وسطى بين النقد والقص. ونقترب من طريقة كتابة حقي لقصصه التي تعتمد على تقصي التفاصيل والوصف الدقيق.

وبعد أن يوضح طبيعة كاتب القصة "الذي يفحت بئرا للبحث عن ماء يرتوي منه… فإذا قد نسي الماء وانتشى بالفحت وحده"، يقرر يحيى حقي أن يقرأ القصة مرة أخرى "فهي تتحداك"، وهنا سمة من سمات مقالات يحيى حقي، فكثيرا ما يعرض على القارئ أو يحدثه عن تطور موقفه والمراحل التي مر بها كأنه يريد أن يشركه معه في القراءة، ويبين الزوايا المختلفة التي نظر من خلالها للعمل القصصي.

قد تدفع مقالات المبدعين المكثفة إلى أن يعيد النقاد النظر فيما كانوا يرددونه، وقد تفتح أمامهم طرقا جديدة للبحث لم يلتفتوا إليها
السطح والأغوار
وإذا كان الجزء الأول من المقال كشف عن إحساس الناقد، فإنه في الجزء الثاني يستشف رأي الكاتب نفسه "هو رجل يريد أن يحكي لي حكاية ونحن نسير معا، فإذا به لا ينطق بكلمة حتى يستوقفني بشد ذراعي ونخس كتفي بإصبعه وخبط بطني بكوعه، ويقول: اصح، انتبه. وخذ بالك من هذه الكلمة. وقارنها بالتي قبلها وتهيأ لتلقي التي بعدها… أصبح المشوار سلسلة من الوقفات، فلا أنا أماشي مشيته ولا هو يماشي مشيتي".

وتأتي المفاجأة أنه وافق على نشر القصة في مجلة "المجلة" التي كان يرأس تحريرها رغم تعثره في قراءتها مرتين، ويبين سبب الموافقة من خلال مقارنتها مع قصيدة سطحية رفضها، "رفضت القصيدة ولم أرفض القصة، لأن الانحراف إلى طريق العمق لا يزال أشرف عندنا من الانحراف إلى طريق التزام السطح، ثم إن المبالغة في الابتذال –وقد شاعت عندنا– تتطلب رد فعل لا يقل عنها مبالغة للوصول إلى الاعتدال، الابتذال يبسطك لكنه لا يحترمك، أما الأغوار فتحترمك ولكنها لا تبسطك".

يكاد هذا السبب يكون أغرب آراء يحيى حقي النقدية، وقد يكون محل نقاش على المستوى النقدي، لكنه على مستوى السرد القصصي يدخل منطقة نفسية شائكة غنية بدلالات متعددة هي منطقة الإبداع القصصي بامتياز، وقد يكون أبسط دلالاتها توحد الناقد مع كاتب القصة الذي تخيله أثناء القراءة، توحده مع التفاصيل التي برع في ذكرها نتيجة انغماسه في القصة "الوعرة"، وربما لأن القصة أثارت لديه تحديا لم تبدده سخريته اللاذعة منها.

إن السرد القصصي لمواقفه النقدية ينقذ تلك المواقف من أن تظل ابنة لحظة تاريخية عابرة، ويتيح لنا أن نرى صراع الناقد مع القاص داخلها، وهو صراع كانت لدى يحيى حقي الشجاعة لأن يكشفه.

ثمة نقاد قلائل في ثقافتنا العربية قادرون على كتابة مقالاتهم ودراساتهم من منظور إبداعي
منظور إبداعي
وثمة نقاد قلائل في ثقافتنا العربية قادرون على كتابة مقالاتهم ودراساتهم من منظور إبداعي،‮ ‬وأهمهم عبد الفتاح كيليطو الذي لا ينشغل بتقسيم تراثنا العربي إلى عصور ومذاهب، والاكتفاء بالحديث عن سمات عامة تختزل النصوص التراثية وتقضي على الحياة فيها،‮ ‬بل يتوقف عند تفاصيل وأحداث تبدو صغيرة ومتوارية في كتب التراث لكنها من خلال تأملاته ومعايشته لها تبدو ما زالت قادرة على الحياة حتى الآن‮.

ففي مقاله‬ "ترحيل ابن رشد"، يعيد قراءة مشهد نقل جثمان ابن رشد على أحد جانبي الدابة, ووجود كتبه ومؤلفاته في الجانب الآخر, إن هذا المشهد -الذي لا يتجاوز ستة أسطر في كتاب محيي الدين بن عربي "الفتوحات المكية"- يبحث فيه كيليطو عن الفراغات التي تركت، وعن المعاني التي ظلت غائبة عن شهود هذا المشهد: ابن عربي والفقيه أبو الحسن محمد بن جبير, وأبو الحكم عمرو بن السراج الناسخ، الذين اكتفوا بتأمل حكمة أن مؤلفات الرجل تعادل جثمانه, دون أن يمدوا الصلات مع تلك الأفكار والمخطوطات.

إن ترحيل ابن رشد ليدفن في قرطبة يمثل دفنا ثانيا لأنه دفن شهورا قبل ذلك في مراكش. وكما يرى كيليطو، يمكن تأويل هذا القرار على أنه تكريم للفيلسوف وتشريف لذكراه. لكن من ناحية أخرى "يمكن كذلك الاعتقاد بأن جثمان ابن رشد لم يكن منظورا إليه بوصفه منبعا للكرامات والنعم, فلم يحتفظ به في الأرض الأفريقية، وطرد من جنوب المتوسط".

يختم كيليطو كلامه بـ"دفن ابن رشد لم ينته بعد"، في إشارة واضحة إلى أنه ما زال بعيدا كقيمة فلسفية وإنجاز حضاري عن ثقافتنا المعاصرة، وأنه لم يزل في حالة رحيل إلى الشمال ما دامت النظرة إليه من قبل المعاصرين العرب تسجنه فقط في إطار الجد العظيم أو الشخصية التي نسقط عليها أفكارنا ولا نقيم معها حوارا.

في كل النماذج التي توقفنا عندها يصير النقد مغامرة لا تعرف التلكؤ عند المقدمات أو التمهيدات النظرية الشائعة والتي تفقد الكتابة حيويتها، بل نجدها تبدأ مباشرة التفكير والكتابة مع النصوص التي تنشغل بها، وتنظر إليها من زوايا جديدة تدفع القراء إلى التعامل مع فعل القراءة كإبداع ليست له حدود.

المصدر : الجزيرة