غلاف كتاب "الحجاب.. نساء يكتبن عن تاريخه، معرفته، وسياسته" (الجزيرة نت)

جاكلين سلام-تورنتو

حين تجتمع 21 كاتبة شرقية وغربية، يهودية ومسلمة ومسيحية ومن ديانات أخرى، بين دفتي كتاب عن الحجاب، يصبح لوقع الكتاب وصوته صدى، خاصة للملتقي والباحث الغربي الذي يتطلع في هذا العقد من الزمن بفضول وريبة لكل ما يمت إلى الشرق والإسلام بصلة، خصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 التي شكلت نقطة فارقة في التاريخ المعاصر سياسياً واجتماعياً، وأدبياً إلى حد ما.

صار البحث في الإسلام والمرأة هوسا وموضة معاصرة قد يكون مرده الخوف من الآخر، أو الرغبة في كشف ما احتجب من سيرته، وربما باتت هذه المعرفة ملحة بسبب هجرة أعداد هائلة من المسلمين والشرقيين إلى الغرب بسبب الحروب والقمع والفقر.

لقد عكف بعض الكتاب الأجانب على كتابة روايات عن نساء أفغانستان، بعضهم تفرغ لزيارة تلك البلاد "الغرائبية" لتحرير كتابات حسب متطلبات السوق. في مواقع أخرى كتبت نساء شرقيات سيرتهن الذاتية وشهادتهن على تاريخ بلاد تتعاقب على حكمها الدكتاتوريات، كالكاتبة الإيرانية آزاد نفيسي، والكندية مارينا نعمت.

فليس غريبا أن يحظى حجاب المرأة المسلمة اليوم بهذا القدر من الاهتمام على الصعيد الدولي الغربي والأوروبي. لقد صدرت في الآونة الأخيرة كتب عديدة حررها باحثون غربيون عكفوا على دراسة هذا الحجاب وما يحمله من دلائل سياسية أو اجتماعية أو "جندرية" كمثال الباحثة الأميركية البروفيسورة جوان والاك سكوت في كتابها "سياسة الحجاب" الذي تتناول فيه الخلفية التاريخية لهذا الرمز، ولماذا يتم تناول حجاب المرأة اليوم في فرنسا وعدد من الدول الأوروبية بهذه الحدة، ويتم التغاضي في الوقت ذاته عن إشكالات أخرى تخص حجب الرجل، أو تخص الرموز الدينية التي تتعلق بالعادات اليهودية والمسيحية.

"
مهجة كهف:
الحجاب بالنسبة لي جلد ثانٍ فيه جمال وكرامة عندما ينزاح ويتساقط أرضاً.. سعادة ارتدائه أعرفها أنا وليس أنت
"
سيرة المرأة والحجاب
نتوقف هنا لنعاين كيف تقرأ المرأة سيرة المرأة والحجاب تاريخياً واجتماعياً في هذا الكتاب الذي صدر عن مطبوعات جامعة كاليفورنيا، بعنوان "الحجاب.. نساء يكتبن عن تاريخه، معرفته، وسياسته" الذي حررته الباحثة جنيفر هيث التي صدر لها ثمانية كتب إبداعية وعدد من الكتب التي تصب في خانة المرأة في الإسلام وأحوال نساء أفغانستان بصورة خاصة.

تتطرق الأستاذة المساعدة في قسم الأدب المقارن بجامعة أركنساس مُهجة كهف في شهادة مطولة إلى حجاب المرأة في العصر اليوناني والروماني والبابلي والآشوري والهندي. كما تبحث مسألة الحجاب والتقسيم الطبقي تاريخياً، لكنها لا تكتفي بتصوير شخصي لوضع المرأة في بلد عربي واحد، بل تدرس خصوصية كل بلد عربي على حدة بشيء من التفصيل.

تقول كهف "من الممكن أيضاً أن ترى المرأة المسلمة حريتها بشكل مختلف عما تراه تجمعات النساء المدنية وعما يصوره الإعلام، فبدلا من النقاش حول نزع الحجاب أو عدمه قد تفضل النساء في دول النفط والخليج حل المسائل المتعلقة بالزواج وحصول الزوج أو الزوجة على حقوق المواطنة العادلة. وقد يكون اهتمام المرأة الفلسطينية أكثر بأن ترى جدار الفصل العنصري والاحتلال قد زال".

وتضيف "وربما نساء مسيحيات في بعض من الدول العربية قد يكن مشغولات أكثر بالبحث عن حقوق متساوية لحضانة الأطفال حين يتزوجن من رجال مسلمين.. قد يكون هناك دوما إشكالات تجنيس أشدّ أهمية من الحجاب".

وتشير في موقع آخر إلى أهمية أن تسعى وتجادل المرأة والرجل المسلم والمسيحي لرفع الحجاب عن المرأة، ولكن ليس بالعنف. وحين يفعل الغرب ذلك فهو يتقاطع مع ما قامت به بعض المنظمات الشبابية في سوريا في الثمانينيات، حيث تم خلع حجاب بعض النساء بالقوة في شوارع دمشق وبإيعاز وترتيب من قبل رفعت الأسد.

حجاب المرأة المسلمة زاد النقاش حوله في المجتمعات الغربية بعد 11 سبتمبر (الأوروبية)
جمال وكرامة
في مواقع أخرى تتحدث كهف عن معنى الحجاب الذي يختلف من بلد إلى آخر ومن عصر إلى آخر، وتقول إنه "بالنسبة لي جلد ثانٍ فيه جمال وكرامة عندما ينزاح ويتساقط أرضاً.. سعادة ارتدائه أعرفها أنا وليس أنت".

الكتاب غني ومتنوع ولا يفوته أن يقدم لنا شهادة امرأة أميركية هي باميلا تايلور التي اعتنقت الإسلام وصارت تدافع عن حجاب المرأة المسلمة.

من جهة أخرى الشاعرة إيف غروبين أستاذة الشعر والأدب في جامعة أميركية، ودرست العبرية والأدبيات اليهودية في قسم الدراسات اليهودية بالقدس، وتتحدث عن تجربة حياتها الشخصية والعائلية كشاعرة محاطة بالشعراء قراءة وكتابة وتدريساً، جعلها عارفة بالشعر وجاهلة لليهودية، خاصة أنها ترعرعت في كنف أسرة يحيط بها النشطاء السياسيون والشعراء والكتاب، حيث كانت العائلة تقيم في منهاتن وجل اهتمام الجميع منحصر في الفنون والعدالة الاجتماعية.

تقول غروبين إنها فيما بعد صارت تذهب مع صديقة لها إلى منطقة تقيم فيها عائلات متمسكة باليهودية طقوساً وعادات، فلمست الفارق والفراغ الروحي الذي كانت تعيشه رغم ما يوفره الشعر للنفس من روحانية.

وتضيف "لاحظتُ أن النساء والرجال اليهود يولون اهتماما لستر أكبر قسم من الجسم عند الخروج إلى الأماكن العامة. حتى في الصيف، النساء اللواتي عرفتهن كن يلبسن بأناقة ولكن دون إثارة".

وتذهب الشاعرة إلى تحليل قصة آدم وحواء والأكل من شجرة المعرفة التي فتحت عين حواء على حقيقة جسدها عضواً عضواً، وهذه المعرفة التي تكشفت بعدما انزاح حجاب عن عينيها. وتتطرق في بعض الأمثلة إلى مقاربات الظاهر والباطن عند الشاعرة إميلي ديكنسون التي ترى أن ثمة رابطا وشيجا بين جمال الداخل والخارج.

"
الكتاب غني ومتنوع ولا يفوته أن يقدم لنا شهادة امرأة أميركية هي باميلا تايلور التي  اعتنقت الإسلام وصارت تدافع عن حجاب المرأة المسلمة
"
جمال الحقيقة
وتتناول غروبين مقطوعات شعرية للشاعر الإنجليزي كيتس ورؤيته للجمال والحقيقة بقوله "الجمال هو الحقيقة، جمال الحقيقة.. هذا كل ما نعرف على هذه الأرض، هذا كل ما نحتاج أن نعرف".

كما تحيلنا إلى إشكالية التورية في التوراة والتلمود حيث الكشف غير صريح، وكتابتها التي تخوض في مسألة الكتابة الشعرية والكتب السماوية التي تعتمد التورية والإيحاء بدلاً من الكشف والتصريح. وهذا ينسحب على الديانات الأخرى الإسلامية والمسيحية.

وفي شهادات أخرى من الكتاب نرى إحالة إلى بعض طقوس الحجاب الذي تمارسه بعض النسوة في المجتمع اليهودي، حيث ترتدي المرأة "باروكة" من الشعر المستعار عوضا عن شعرها الأصلي. وهناك مقاربات مفصلة حول لباس الراهبات المسيحيات والهنود وغير ذلك.

من جهة أخرى تقدم شهادة الباحثة السورية سميرة إستيفان صورة مفصلة عن واقع العائلات المسيحية في دمشق، حيث تعيش المرأة حالة من الحجب الاجتماعي بموجب التقاليد التي يخضع لها الجميع من باب التعايش السلمي القائم على المؤاخاة والاحترام.

الأساطير أيضا تحضر في هذا الكتاب وتحضر رقصة سالومي والتعري الذي يترافق مع فقدان السلطة على الآخر، إلى جوار حقائق وشهادات عن تجربة نساء معاصرات من باكستان.

وتقول الكاتبة الهندية عائشة لي فوكس شهيد إن "جدي الأكبر لم يكن يريد لبناته أن يلبسن الحجاب، جدي شجع أمي وأخواتها على الدخول إلى الجامعة، وكان يعتبر السلوك هو المفتاح". وتتحدث عن شِفرة اللباس المختلفة بين بلد إسلامي وآخر، فما هو مقبول في مصر ليس مقبولاُ في الهند. الساري الهندي لا يتقاطع مع البرقع، وغطاء الرأس في سوريا ليس كغطاء المرأة السعودية حسب ما تقول.

"
بين هذه الشهادات تكثر التناقضات، فهناك من تجد تصريحا قرآنيا لمسألة حجاب المرأة، وهناك من تنفي قطعا وجود مثل هذه التصريحات
"
شهادات وتناقضات
بين هذه الشهادات تكثر التناقضات، فهناك من تجد تصريحا قرآنيا لمسألة حجاب المرأة، وهناك من تنفي قطعا وجود مثل هذه التصريحات. وبعضهن تراه عبئا ثقيلاً مفروضا عليهن كما في السعودية، حيث تقول الباحثة شريفة زهر في مقالتها بعنوان "من حجاب إلى آخر": تواً نفضت عني عباءتي، وأنا في مقعد الطائرة.. هذا الثوب الطويل المصنوع في الكويت، له مسحة محلية، أطرافه مذهبة.. القطع المعدنية لغطاء الرأس (الشلة) كادت تخنقني منذ أن غادرت الفندق في الرياض، والآن بسعادة طويتُ هذه الأشياء في حقيبتي".

وتضيف زهر في شهادتها أنها كانت تزور الرياض عام 2005 لتدرس ما إذا كانت رياح التغيير قادمة.. إنها باحثة ولها ما يزيد عن عشرة كتب في موضوع المرأة والإسلام و"الجندر"، وتعمل أستاذة في جامعات بركلي وكاليفورنيا.

تتحدث عن لقائها بعدد من نساء الأعمال السعوديات، وعن دعوتهن لها لحضور مهرجان الجنادرية، وكيف تعرض "المطاوع" لامرأة ضيفة قادمة دون عباءة. تتحدث عن التقسيم الذي يحدث بسبب اللباس وتضرب مثالا عن مشاهداتها في جامعات إسرائيل وفي المناطق التي يعيش فيها البدو العرب مع الإسرائيليين.

تخلص السيدة إلى القول "لدينا أمل في أن مستوى حقوق المرأة الذي يجب أن نعلن عنه، يجب أن يذهب إلى أبعد من قضية اللباس، وأن نتمكن من تلبية احتياجات المرأة التي تفضل الحجاب والتي لا ترغب فيه".

أما محررة الكتاب الباحثة جنيفر هيث فتخصص مقالتها للبحث في تفاصيل حجاب الرجل منذ أقدم العصور بما في ذلك الطقوس الكنسية وحجاب راعي الكنيسة. وتتوقف بشكل خاص أمام حجاب رجال الطوارق والبدو والبربر في أفريقيا. كما تشير في شهادتها إلى جوانب من حياتها الشخصية وأمها الراحلة التي كانت مغرمة بجمع الأقنعة من كل الألوان والأشكال والبلاد.

وتتحدث هيث عن طفولتها وكيف كانت الأم تخاف عليها من تلك الأقنعة التي تحمل مدلولات سحرية ومخيفة. ثم تختم شهادتها المؤثرة بقولها "الآن وبعد رحيل أمي لا يزال لدي عدد من الأقنعة أقوم أحيانا بوضعها أمام المرآة.. أجربها كلها كما كنت أفعل وأنا طفلة، وحين أتعب أضعها جانباً وألف أكتافي بالشال الأسود الذي لبسته أمي في جنازة أبي، وأرقص حتى أسقط أرضاً.. أغطي وجهي بوشاح أمي الأسود، وأبكي بهدوء إلى أن يغادرني الألم".

لعل هذه الشهادات تفتح أمام القارئ الغربي نافذة للنظر في الفسيفساء الشرقي الغني المتنوع الذي يستحيل حصره في كتاب لم تحاول صاحبات القلم فيه أن تجعل منه ساحة معركة وتصفية حسابات مع التاريخ والحاضر الذي يوسع الشقاق بين عالمين قطبين، رغم أن المعركة حول الحجاب محتدمة على أرض الواقع في عدة دول غربية.

المصدر : الجزيرة