غلاف كتاب "تأثير الجزيرة" للمؤلف فيليب سيب (الجزيرة)

أحمد الشريقي

منذ ظهورها قبل أكثر من 15 عاما أحدثت الجزيرة ثورة إعلامية وثقافية لا في الوطن العربي فحسب بل في العالم أجمع، ولأن الثورات لا تحقق أهدافها إلا بالدماء فقد روّى شهداء الجزيرة -بدءا من طارق أيوب في بغداد وانتهاء بدم مصورها القطري علي الجابر- دربها بدمائهم، ثمنا لصدقية الفضائية التي أصبحت بحق راعية ثورات التغيير في العالم العربي، وقفزت نسبة المشاهدة فيها بحسب المدير العام لشبكتها وضاح خنفر إلى 2500% بعد ثورتيْ تونس ومصر.

ولم تكن المكانة التي احتلتها الجزيرة بوصفها رمزا للعالم الجديد المتمركز حول الإعلام، إلا لأنها آمنت منذ بداية انطلاقتها -بحسب كتاب "تأثير الجزيرة" لمؤلفه فيليب سيب- بـ"الأمل والإيمان بأن الناس إذا منحوا حرية أكبر في اختيار سياستهم وطريقة حصولهم على المعلومات فسيصبح العالم مكانا أفضل، وقد يساهم "تأثير الجزيرة" في الدفع بذلك إلى الأمام".

في لحظة اعتراف  بالحضور الذي حققته الجزيرة جاء على لسان وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أن قناة "الجزيرة" أصبح لها جمهور كبير، مثنية على استطاعتها تقديم "أخبار تلاحق الزمن"

الإيمان بالحرية
ومع كل محطة مفصلية بتغطيتها للأحداث المهمة في المنطقة والعالم، بدءا من أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول ومرورا احتلال العراق في عام 2003، وقبله أفغانستان، كانت السهام تنال المحطة الأكثر مشاهدة في العالم العربي، وكان السؤال التشكيكي حول هوية المحطة وانتمائها هو الأكثر جاذبية للكثيرين.

أما الجواب على الأسئلة المشككة، فهو ما صرح به مديرها وضاح خنفر في وقت سابق، بقوله "لقد اتهمنا بأننا صنيعة وكالات دولية مثل "الموساد" و"سي آي أي" وأن الأميركيين يقفون وراءنا وأن أسامة بن لادن يقف وراءنا, كل هذا الهراء يعني أن ما نفعله صحيح.. نحن لا نرفع الشعارات ولا نمارس الدعاية لأحد أبدا نحن مجرد أناس عاديين مغرمين بالصحافة".

إلا أن المغرمين بالصحافة كانوا يحطمون أصناما إعلامية استقرت في المشهد طويلا كـ"سي أن أن" وغيرها، وحركت بوصلة الإنسان العربي -وبعد فترة الإنسان العالمي- إليها بوصفها الأصدق في نقل الخبر، وأيضا تحليله وسبر عمقه في برامجها الحوارية.

وفي لحظة اعتراف أخيرا بالحضور الذي حققته الجزيرة، جاء على لسان وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ أن قناة "الجزيرة" أصبح لها جمهور كبير. مثنية على استطاعة "الجزيرة" تقديم "أخبار تلاحق الزمن"، بينما كانت نظيراتها الأميركية مثل "سي أن أن" و"أم أس أن بي سي" و"فوكس نيوز" ترهق أسماع وأبصار مشاهديها بـ"ملايين الإعلانات التجارية ومناظرات بين شخصيات عامة، ولا تقدم لنا نحن مادة إخبارية مفيدة.. ناهيك عن الأجانب".

ويرى سيب في كتابه أن الجزيرة هي أخرى الحلقات في سلسلة المشاريع الإعلامية التي تسعى لاستخدام وسائل الإعلام الجماهيرية في خلق هوية عربية وحدوية، وأبعد من ذلك، يذهب "سيب إلى أن الجزيرة هي سليلة إذاعة "صوت العرب"، لما تقوم به من دور في تحقيق التماسك لمفهوم العروبة".

ويقول إن الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر "كان قد استخدم قبل نصف قرن إذاعته "صوت العرب" لخلخلة الأنظمة المنافسة، ولكن مع حلول الانتفاضة الثانية أصبح التحكم السياسي المباشر في الرسائل الإعلامية أضعف بكثير، ومع ذلك فإن الصور لها القدرة نفسها التي كان عبد الناصر يسعى إلى تحقيقها، إذ هي تجعل العرب يشعرون بالإحباط مما يتصورونه عجزا لحكوماتهم عن نصرة فلسطين، مضيفا أن الجزيرة في 2002 كانت "عاملا أساسيا في هذا المسار".

يعتبر سيب أن المحطة لعبت دورا تاريخيا في تغيير المشهد الإعلامي ليس في الشرق الأوسط فحسب، وإنما على الصعيد العالمي أيضا، وأثبتت أنه يمكن النجاح في تحدي المؤسسة الإعلامية الغربية
تكثيف للسخط العربي
وحسب المؤلف سيب، فإن الجمهور العربي ينظر إلى الجزيرة باعتبارها تكثيفا لسخطهم وتطلعاتهم المشتركة، ومصدرا موثوقا لتسجيل المصالح العربية وروايتها، وبالتالي -ووفق رأي الكثيرين من مشاهديها- فإنه لا ضير إن كانت تغطيتها الإخبارية تثير العواطف، ولا مانع إن خرج التعبير عن تلك العواطف عن السيطرة، فضبط النفس في سياق موجة الحرية الصحافية/السياسية التي يمثلها أسلوب الجزيرة التحريري يعتبر أمرا ثانويا.

وفي سياق رصده تأثيرات الجزيرة يعتبر الأكاديمي الأميركي أن المحطة لعبت دورا تاريخيا في تغيير المشهد الإعلامي ليس في الشرق الأوسط فحسب، وإنما على الصعيد العالمي أيضا، وأثبتت أنه يمكن النجاح في تحدي المؤسسة الإعلامية الغربية. وإلى جانب النجاح الذي حققته الجزيرة على هذا المستوى، فهي تقدم نموذجا داخل العالم العربي وخارجه، باعتبارها مثالا للمؤسسات الإعلامية ذات الحضور الإقليمي والعالمي التي ستنتشر في العشرية القادمة بالتأكيد.

منذ أطلق المفكر الأميركي صامويل هنتنغتون نبوءته عن صدام الحضارات والحرب الفكرية، لم تهدأ الردود والردود المضادة على مقولاته، بيد أن سيب يرى أنه قد تكثر النزاعات المسلحة وما دونها من الصراعات، كما هي الحال في مختلف مراحل التاريخ البشري. إلا أن ذلك لا يكون -بحسب تفسيره- بالضرورة في إطار الصدام الحضاري.

ويجد صاحب كتاب "تأثير الجزيرة" أن الصراع أو ما يسميه "المشاكل بين الإسرائيليين والفلسطينيين مثلا في العمق هي سياسية تشمل الأراضي والحقوق وليست ذات طبيعة حضارية خالصة".

وإذ يرى أن القنوات الفضائية إلى جانب وسائل الإعلام الجديد تسرع من رد فعل الجمهور العالمي على الأخبار التي تبثها وتقلص من الوقت المتاح أمام الحكومات للتفاعل مع الأخبار، وفي عالم تسوده العولمة ويتحول إلى قرية صغيرة فإن الحكومات التي ترغب في إبقاء الاضطرابات محدودة، وهذا ما يحدث في العالم العربي اليوم، سيغمرها سيل المعلومات المنقولة عبر قنوات الإعلام الجديد العامة والخاصة، وحتى إذا تمكنت من تقليص التغطية الإخبارية فإن بإمكان الكلمة دائما أن تخرج عبر الهواتف الخلوية وشبكة الإنترنت.

لعبت الجزيرة دورا تاريخيا في تغيير المشهد الإعلامي ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل على الصعيد العالمي وأثبتت أنه يمكن النجاح في تحدي المؤسسات الإعلامية الغربية
تغيير المشهد
وإذا كان الساسة الغربيون لا يرون في الجزيرة إلا مصدرا "للضجيج الحاقد"، فإن جمهور الجزيرة العربي يجد فيها متنفسا لسخطه، وفي سياق هذا النهج نقلت الجزيرة أحداث الانتفاضة الشعب الفلسطيني عام ألفين، منسجمة مع مشاعر الغضب للعرب والمسلمين الذين يرون في أنفسهم "الهدف الجماعي لحملة من الإذلال تقودها إسرائيل بمشاركة الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين.

لقد لعبت الجزيرة دورا تاريخيا في تغيير المشهد الإعلامي ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل على الصعيد العالمي وأثبتت أنه يمكن النجاح في تحدي المؤسسات الإعلامية الغربية. والى جانب النجاح الذي حققته الجزيرة على هذا المستوى فهي تقدم نموذجا داخل العالم العربي وخارجه باعتبارها مثالا للمؤسسات الإعلامية ذات الحضور الإقليمي والعالمي التي ستنتشر في العشرية القادمة بالتأكيد.

ولأن "الغذاء الفكري" هو أحد أهم عناصر الجذب في الجزيرة، فقد أثبتت القناة لجمهور شكاك أن الإعلام العربي يمكن أن يكون مفيدا، وأنه لم تعد هناك حاجة للاعتماد على وسائل الإعلام الغربية للحصول على معلومات بشأن الأحداث الهامة.

كما أثبتت الجزيرة -التي وصفها السياسي الإسرائيلي إفرام سينيه مؤخرا بأنها أحد أعداء إسرائيل- أيضا نفسها كوجهة مفضلة للأخبار، وحسب سيب فما عليك إلا أن تنتقل بين المقاهي من المغرب إلى الكويت لترى أن المحطة التي يشاهدها الناس في زاوية المقهى هي الجزيرة.

وإذا كانت كثرة من الساسة -أو المشتغلين بالسياسة في العالم العربي- ما زالوا لم يدركوا بعد التحول الذي أصاب الجغرافيا السياسية وانتقالها إلى عالم افتراضي، فقد أدركت الجزيرة الأثر الذي تلعبه وسائل الاتصال الحديث في ظل تنامي العالم الافتراضي، وضمن هذا التوجه أنشأت القناة الإنجليزية لتخاطب جزءا كبيرا من أبناء العام الإسلامي في الخارج.

كما أعلنت خططها لإنشاء قناة ناطقة بالأوردية موجهة إلى القارة الهندية، ويعكس ذلك ما لاحظه سيب في كتابه من أن "الشباب المسلم الذي ولد ونشأ في الغرب يبحث عن فضاءات ولغات تساعده على بناء إسلام ملائم في الوقت نفسه لوضعه الاجتماعي والثقافي، ومتحررا من هيمنة المصادر التقليدية للتأويل والسلطة".

وفي خلاصته، يجيب سيب على سؤال ما إذا كان تأثير الجزيرة سيتمكن من الدفع بالديمقراطية إلى الأمام، وتقليص احتمال صدام الحضارات بقوله: ربما.

بيد أن الإجابة الأكثر حسما على تساؤلات سيب كانت تأتي من ميدان التحرير على لسان الناشطة المصرية نوارة نجم لدى الإطاحة بنظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك بقولها "شكرا لتونس.. شكرا للجزيرة، مفيش خوف تاني، مفيش ظلم تاني".

المصدر : الجزيرة