أحمد إبراهيم الفقيه أثناء احتفال بصدور إحدى رواياته بالإنجليزية (الجزيرة نت)

حاورته: نور الهدى غولي

أحمد إبراهيم الفقيه كاتب روائي ومسرحي ليبي، نشر العديد من المؤلفات رغم صعوبة النشر هناك، أصدر كتابه الأول "البحر لا ماء فيه" عام 1965، ثم توالت إصداراته "حقول الرماد" والثلاثية الروائية "سأهبك مدينة أخرى" في عام 1991، و"هذه تخوم مملكتي" و"نفق تضيئه امرأة واحدة" ثم "غبرة المسك" وغيرها.

يتولى رئاسة تحرير مجلّة "أزيور" الثقافية الصادرة بالإنكليزية في بريطانيا، التي تعنى بنشر الأدب العربي، وسابقا "فجر العرب" السياسية و"فلسطين الحرّة"، وهي مطبوعات أصدرها باللغة الإنكليزية. كما تولّى منصب رئاسة "المجلس الثقافي العربي" في بريطانيا.

عرض على مسارح لندن عدداً من المسرحيات هي "الغزالات" و"زائر المساء"، "غناء النجوم" وغيرها، كما شغل عددا من المناصب العامة وعضوية اللجان والمجالس، وعمل أيضا في مكتب الاتصال الخارجي الليبي بدرجة سفير، وتولى رئاسة البعثة الليبية السياسية في كل من أثينا وبوخارست.

الجزيرة التقت الروائي الليبي أحمد إبراهيم الفقيه وأجرت معه الحوار التالي:

دعنا نبدأ من "خرائط الروح" التي تستلهم الكثير من تاريخ ليبيا.. من الاحتلال الإيطالي إلى شنق البطل عمر المختار، وصولا لمرحلة الاستقلال الليبي وبوادر بناء المملكة الليبية. كيف يرى الفرد الليبي إرثه التاريخي؟ وهل يرتكز عليه الليبيون في انتفاضتهم اليوم؟

يقينا فإن هذه البطولات التي تجلت في هذه الثورة العملاقة ضد نظام القمع والقهر لم تأت من فراغ، وهذه الروح التي أظهرها الليبيون صمودا واستشهادا وأدهشت العالم كله، عندما رآهم يواجهون قصف المدافع بصدور عارية، لا بد أن يكون وراءها ميراث نضالي يدعمها. وهو تاريخ أسلافنا عندما واجهوا الغزوة الاستعمارية الإيطالية بملاحم من النضال.

هناك بالتأكيد، بالإضافة إلى هذا التراث، قوة الوعي بالقضية والقدرة على استخدام أدوات العصر وتوظيفها لإنجاح الثورة ويجب ألا ننسى قوة القمع التي أبداها النظام، مما أتاح الفرصة لظهور هذه الصور الأسطورية في المقاومة.

"خبز المدينة" من أعمال أحمد إبراهيم الفقيه (الجزيرة نت)
وأقول شكرا لرجوعك لـ"خرائط الروح"، هذه الرواية ذات الأجزاء المتعددة مما جعلها أكبر وأطول رواية في تاريخ الأدب العربي وأدب القارة الأفريقية، وقد احتوت بالتأكيد جزءا كبيرا من مكابدات الشعب لإظهار المعدن الحقيقي للشخصية الليبية، والبيئة التي أنتجت هذه الشخصية.

ولعل العالم فوجئ خلال الأحداث الأخيرة بهذا الصمود الأسطوري، وأود أن أشير إلى صديقي الأديب الراحل عبد الله القويري، الذي اعتنى بعمق وقوة وجدارة برسم ملامح هذه الشخصية في كتاب صغير هو "معنى الكيان"، أتمنى أن يتم الانتباه إليه ويعاد طبعه في هذه الأيام.

بعيدا عن الملحمة التاريخية، كيف ترى الملحمة الشعبية الراهنة التي يترجمها شعب ليبيا روحا ودما ومقاومة على أرض الوطن؟، وهل كنت تتوقع مثل هذا السيناريو يوما؟

أعتقد أنها ثورة فاجأت الشعب الليبي نفسه قبل أن تفاجئ العالم، وأقول لك الحق، بأنني كنت أرى هؤلاء الشباب الأبطال الذين يتصدون لآلة النظام القمعي، كأنهم ولدوا من الخيال حسب تعبير صديقي الشاعر المصري أحمد إبراهيم أبو سنة، لأنه لم يكن في الأفق الليبي شيء يوحي بالثورة.

وإلى حد أن رأس النظام، ظهر على شاشات المحطات العالمية، يلوم الشعب التونسي على ثورتهم، ويأسف لأنهم أساؤوا إلى رئيسهم وطردوه من البلاد، ثم اتبع ذلك بلوم الشعب المصري وقبلهما الشعب الأوغندي، مما كان سببا في سيل من مقالات السخرية يبدي فيها أصحابها استغرابهم من أين جاء هذا الديناصور الذي يريد أن يعيد العالم لحكام الحق الإلهي والبقاء حكاما مدى الحياة.

وأعتقد أن العالم فعلا فوجئ بما حدث، كتلك المفاجأة التي يمكن أن يحس بها إنسان يمشي في جنازة رجل قتيل، ثم يرى التابوت المحمول على الأعناق يتحطم والميت يخرج واقفا يمزق أكفانه ويقفز فوق الأرض منطلقا يلاحق قاتله، هذا هو المشهد كما أراه، وأنا أشعر بنفسي متوحدا مع القتيل وهو يخرج ليعلن بالإنابة عن كل المظلومين أن حانت ساعة الانتقام، وساعة الارتداد على الجلاد.
 
شغلت العديد من المناصب السياسية والدبلوماسية وكنت عضوا في الوفد الليبي بالجامعة العربية.. كيف ترى تلك الفترة الآن؟، ألا يزعجك الاشتغال سابقا في موقع يقترب من مواقع قد يستهجنها الناس؟!

"خرائط الروح" من أعمال أحمد إبراهيم الفقيه (الجزيرة)
لم أشغل مع النظام أي مناصب، وكنت مجرد موظف، يعمل مع حكومة بلده ويتقاضى مرتبا شهريا، ويسعى من خلال هذا الموقع إلى أن يكون عامل بناء لا معولا من معاول الهدم، كما هو الحال مع عناصر فاسدة دخلت الجهاز الوظيفي وأفسدته، ولكن بجوار هذه الأغلبية الفاسدة هناك أناس شرفاء حاولوا من خلال مواقعهم خدمة بلادهم رغم خسة النظام.

وليس خيرا من تفسير هذا المعنى ووجود هذه العناصر الشريفة أن عددا من قواد الثورة في ليبيا كانوا إلى يوم قيام الثورة يعملون وزراء مع النظام وانحازوا لشعبهم.

وكان وضعي وضع هؤلاء الثوار الذين عملوا من خلال جهاز الدولة، محاولين أن يكون عملهم لصالح أهلهم لا ضدهم، ولا أعتقد أنه حدث لكثيرين مثلي أن رفضوا المنصب الوزاري.

وأنا كاتب حقق اعتراف المجتمع الأدبي به، وصار صعبا أن يتجاوزني أو يهمل وجودي، ولهذا كنت أحد الذين تلقوا -في أول أعوام هذا النظام- شهادة تقدير الثورة لإسهاماتي الأدبية.

عملت بعد ذلك في وظائف ذات طابع ثقافي أدبي فني، فكنت مديرا لمعهد الموسيقى والتمثيل، وهذا جانب مما تسميه أنت العمل الدبلوماسي، وعلى جانب آخر أنجزت المشروع الأدبي الإبداعي الذي أوصل الرواية إلى هذا الحضور الفاعل على الساحة العربية، كما قام بتأمين مكان لها على خريطة الأدب العالمي.

ولمن يقول أين أنت مما كانت تعانيه ليبيا من متاعب تحت حكم النظام الانقلابي، أقول لهم اقرؤوا الثلاثية لأن فيها صفحات تؤرخ لحجم المعاناة في قطاع المثقفين، خاصة في الجزء الثالث بعنوان "نفق تضيئه امرأة واحدة"، ولم يكن هذا النفق إلا نفق النظام الذي لم أتحرج من أن أسميه بأسمائه الحقيقية، وليس رمزا ولا تورية ولا عن طريق الأقنعة.

نشر القذافي مجموعته القصصية بعنوان "الأرض الأرض، القرية القرية، وانتحار رائد الفضاء" مرفقة بتعقيب منك أنت في ذات الكتاب.

نعم، فقد أراد -وهو يقدم نفسه أديبا للمجتمع الأدبي- أن يبحث عن واحد من عمداء المشهد الأدبي وأصحاب الباع الطويل في مجال السرد القصصي لتقديمه، وأرسل لي مجموعة من الورق مع أحد أعوانه، طالبا أن أكتب تعقيبا أو تقديما لهذه المجموعة.

وحقيقة الأمر أنني خلال تعاملي مع الكتابة لم أرفض يوما كتابة تقديم لأي أديب مهما كان صغيرا ناشئا، ومع ذلك فلم أبادر للكتابة مباشرة، ورجعت لمن جاء بالمخطوط أقول له، إن ما أسماها المؤلف مجموعة قصصية ليست كلها قصصا، فمعظم النصوص مقالات صحفية، غير فقط قصتين هما "الموت" و"الفرار إلى جهنم".

 دراسة عن القصة الليبية القصيرة لأحمد إبراهيم الفقيه (الجزيرة نت)
وسألته أن يعود إليه، لعله يريد فرز هاتين القصتين وإضافة قصص أخرى، ورجع ليقول لي إن هذا ما توفر لديه من نصوص يريد جمعها في هذا الكتاب، وشرحت له أنني لن أكتب عن المقالات فهذه ليست أدبا وسأكتفي بأن أكتب عن القصتين فقط، وهذا ما فعلته.

وزراء الثقافة والإعلام من أمثال السيدة فوزية شلابي والسيد نوري الحميدي بالغوا في إنفاق ميزانيات الوزارة في تنظيم المهرجانات والندوات التي تدرس إنتاج الأخ العقيد وإصدار الكتب عن هذا الإنتاج، غير ما يفعله مركز مخصص لدراسات الكتاب الأخضر، الذي أنفق على مدى ثلاثة عقود ما ينفع ميزانيات دول على هذا الهراء الذي كتبه الأخ العقيد.

كتبت مقدمة صغيرة عن قصتين، ولكن جهابذة الكتاب من خارج ليبيا، ودون ضغط من أحد، جاؤوا متطوعين للكتابة عن كتابات هذا الحاكم الذي يعرفون أنه يحكم البلد بالحديد والنار، ولا أستثني غير كاتب واحد، قرأت له تعليقا على هذه القصص، كتبه بدافع قناعته ودون أن يذهب بعد ذلك طالبا الثمن هو الروائي الراحل الأستاذ فتحي غانم.

كيف تتصور السيناريو الذي سينتهي إليه الوضع في ليبيا حاليا؟ وماذا يمكن للقذافي فعله دفاعا عن عرشه/خيمته؟

هي أيام بالتأكيد حبلى بالمفاجآت، ويمكن أن أنظر إلى أبعد قليلا من الأيام القادمة، فتسوقني قناعة كاملة، بأن الأمر صار محسوما لصالح الثوار وصالح العهد الجديد، وسيسقط النظام قريبا بإذن الله.

ليبيا الجديدة بعيدة عما حدث مع الأخ القذافي عندما أغلق على نفسه غرفة وحرر كتابا جمعا وترقيعا وتلفيقا، ثم رمى به إلى الناس وقال لهم هذا هو دليل الحياة الذي تسيرون عليه، واستقطب كل إنسان وفاسد، حتى انهارت على أيديهم كل المؤسسات والإدارات. فالتعليم صار تجهيلا وإضاعة للوقت. والخدمات الصحية صارت خدمات لنشر المرض وسوق المواطنين إلى التهلكة.

سنقول لخيمة القذافي وناقته: اذهب أنت وناقتك وخيمتك، ومرحبا بقصر سنشيده بعد الآن، قصر للفكر والثقافة والجَمال الإنساني والخير
نعم أستطيع أن أرى ليبيا جديدة تنهض، لقد استلم النظام الانقلابي البلاد وكانت أكثر تقدما من الجزر القريبة منها مثل مالطا وقبرص، والآن تجاوزتنا بكل محدودية الموارد لديهما.

هناك كثيرون يتكلمون عن البديل لنظام القذافي والفراغ الذي سيحدث في ليبيا بعده، وهو كلام مؤسف وغير منطقي، وكأن قدر الشعب الليبي أن يعيش في كابوس دائم. إنه كمن يقول لأسرة اشتعل حريق في البيت الذي تسكنه، أن تبقى في البيت لأنها لا تملك بيتا تنتقل إليه. أقول سنفاجئهم بالانتقال إلى بيت أكثر جمالا وبهاء.

وثورتنا ككل الثورات التي انطلقت في العالم العربي، بدأها شباب عصريون ينتسبون إلى عالم التقنية الرقمية ويجيدون استخدامها، وبدؤوا بها ثورتهم ضد الاستبداد بمواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر، أما القصر الذي قال القذافي إن خيمته انتصرت عليه، فلم يكن إطلاقا قصر فساد وعهر كما كانت خيمته، سنقول لخيمة القذافي وناقته: اذهب أنت وناقتك وخيمتك ومرحبا بقصر سنشيده بعد الآن، قصر للفكر والثقافة والجَمال الإنساني والخير.

هل تعتقد أنك ستحور واقعا يعيشه الليبيون اليوم لكتابة ملحمة روائية أو عمل روائي جديد؟!

تعرفين أن بلاد أميركا اللاتينية أنتجت موجة من الروايات التي تؤرخ لواقع الطغيان، وأدب الدكتاتور ومقاومة هذا الدكتاتور، ولا أتكلم هنا عن نفسي فما زال الوقت مبكرا لفحص ما يوحي به الواقع من أعمال.

الروائي الليبي الفقيه مع حفيدته (الجزيرة نت)
ولكنني -بالعودة إلى شواهد التاريخ- واثق من أن الفترة السابقة التي عاشها الشعب الليبي تحت هذا النوع من القمع الذي لم تره إلا قلة من شعوب العالم حاضرا وماضيا، ستجد اهتماما من أقلام الكتاب يؤرخون لها ويؤرخون لمكابدات الشعب الذي عاش تحت ظلها الثقيل واكتوى بقمعها وقهرها.

من ناحية ثانية فإنني واثق ثقة كاملة، بأن عهدا من الازدهار ستشهده الفنون والآداب غير مسبوق في ليبيا، وسنرى أدبا وفكرا لا أبالغ إذا قلت إنه سيدهش العالم، لأنني أعرف حجم الإمكانيات التي يملكها أهل الأدب والفن في بلادي، ولكنهم تعرضوا لحرب لا هوادة فيها خلال أكثر من أربعة عقود.

وكان فنانون ومبدعون ليبيون يصلون بإنتاجهم إلى مشارف العالم، خاصة في الموسيقى والرقص والغناء والمالوف. نعم سيشهد العالم ازدهارا للفنون والآداب قريبا بإذن الله وسيكون موضع دهشة وانبهار الجميع.

المصدر : الجزيرة