جانب من المحاضرة التي نظمها المركز الثقافي للشيخ سلطان بن زايد (الجزيرة نت)

شرين يونس-أبو ظبي

أكد الأكاديمي السوري موسى الحالول أن ترجمة الأدب العربي محبطة، وأن نشره في الغرب أيضا محبط، مضيفا أن المؤسسات الثقافية العربية لم تدرك أهمية وخطورة الترجمة إلا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

جاء ذلك خلال محاضرة ألقاها الحالول ونظمها المركز الثقافي للشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، بعنوان "مآرب المترجم المقنع بين التأليف والتزييف" تطرق فيها المحاضر إلى مآرب المترجمين في حقل الأدب، ولفت إلى أعمال أدبية ادعى مؤلفوها أنهم ترجموها "وتخفيهم" وراء ستار الترجمة.

وللترجمة متعة جمالية وفائدة عملية، باعتبارها تعلم المترجم الكتابة الإبداعية، وكونها أيضا جسرا حضاريا تعبر عليه الثقافات إلى بعضها البعض، مما يمكّن أدب أمة ما من التنفس خارج قوقعته الإقليمية الضيقة، كما ذكر الحالول.

وأكد الأستاذ المساعد بجامعة الطائف بالسعودية، أن الترجمة وسيلة للتواصل الفكري والحوار الثقافي بين الأمم، مشيرا إلى حاجتنا إليها كوسيلة لزحزحة الصورة النمطية المجحفة في العقلية الغربية عن العرب والمسلمين.

موسي الحالول: الترجمة وسيلة للتواصل الفكري والحوار الثقافي بين الأمم (الجزيرة نت)
القناع والهوى
بالإضافة إلى ذلك، يري الحالول أن الترجمة تكون أحيانا قناعا يلجأ إليه لأن النص المراد ترجمته يصادف هوى في نفس قارئه، حيث يدفعه لفعل إبداعي مواز للتأليف، مما يدفع المترجم أحيانا بالتصرف بالحذف والإضافة في النص المترجم ليتوافق مع أجندته الشخصية.

وقد يكون لفترات القمع السياسي والاجتماعي تأثيرها أيضا، فيدفع أحدهم إلى ترجمة نص ما وإنطاق النص ما يريد أن يقوله، أو حتي يصل الأمر أحيانا إلى ادعاء المؤلف بأن مهمته لم تتجاوز ترجمة النص، الذي يكون في الأصل هو مؤلفه.

وضرب الحالول مثلا على هذه المآرب، كما فعل ابن المقفع (724م-759 م) في ترجمته لكتاب "كليلة ودمنة" حيث كانت استجابة لدوافع سياسية، مما جعله يتصرف في الترجمة فيزيد وينقص كما يشاء.

وأيضا ترجمات إدوارد فتسجرلد فى ترجمته لرباعيات الخيام عام 1859، إذ وجد فيها خير معبر عما يدور في داخله هو من شكوك وقلق وجودي عاني منها قبل قرون شاعر آخر ولكن بلغة أخرى، حيث يصير النص المترجم عملا هجينا وناطقا مزدوجا باسم كاتبه ومترجمه معا.

الجمهور ناقش المحاضر في قضايا الترجمة (الجزيرة نت)
رغبات المؤلف
وضرب الحالول مثلا على الأدباء الذين كتبوا أعمالا إبداعية ثم ادعوا أن كل ما فعلوه هو تقديم ترجمة لمخطوطة قديمة، مثل ما فعلت الشاعرة الإنجليزية إليزابيث بارت براوننغ فى قصائدها المعروفة باسم sonnets from the Portuguese.

فادعت براوننغ أنها قامت بترجمة هذه القصائد من اللغة البرتغالية، بينما كانت الحقيقة أنها أرادت التعبير عن مشاعر الحب لزوجها في العصر الفيكتوري الذي يحرم مثل هذا البوح.

وتحدث الأكاديمي السوري عن رواية الكاتب المصري يوسف زيدان "عزازيل" باعتبارها نموذجا لسلوك إبداعي موارب خلف قناع الترجمة، حيث ظهرت الرواية كنوع من الترجمة للمترجم "الرواي" الذي انطق شخصية الرواية الرئيسية وهو أحد الرهبان بما يختلج في صدر زيدان، وكأنه أراد توجيه نقد لاذع للكنيسة القبطية من خلال إنطاق راهب قبطي برغبات المؤلف.

وفى رده على أسئلة الحضور، ذكر الحالول أنه لا يجيد التنظير للترجمة، أو الحديث عن الجوانب التقنية، مشيرا إلى أنه وفق عمله في الترجمة الذي بدأ مبكرا، والذي تجاوز 15 عملا في مجال العلوم الإنسانية، فإن "ناقل الكفر ليس بكافر"، وأنه إما أن يترجم العمل كاملا بأخطائه أو أن يتركه كله.

أمانة النقل
وأشار إلى أنه أحيانا يتبع تقنية لتصحيح بعض أخطاء المؤلف، بأن يشير في التعليقات بخطأ المؤلف خاصة فيما يتعلق بالحقائق التاريخية والوقائع، ليكون بذلك نقل النص نقلا أمينا، وأيضا برأ ذمته أمام القارئ وأمام النص، مؤكدا أن مهمة المترجم ليست تجميل النص الأصلي.

اعتبر الحالول أن كل نص مترجم فيه شيء من نفس وعاطفة وروح المترجم، فيما يسمي الرابطة الروحية بين المترجم والنص
وحول حدود تدخل المقبول للمترجم في النص، رأى الحالول أن هناك حدودا مقبولة، كعدم استطاعة المترجم مقاومة إغراء كلمة محددة لا توجد في النص الأصلي، وهو ما يسمى الترجمة الزائدة عن النص الأصلي، وهي أحيانا تكون ضرورية لإفهام القارئ الموجه إليه النص المترجم.

واعتبر الحالول أن كل نص مترجم فيه شيء من نفس وعاطفة وروح المترجم، فيما يسمى الرابطة الروحية بين المترجم والنص، معتبرا أن الترجمة بحد ذاتها فعل إبداعي مواز للنص الأصلي.

وفى نفس الوقت رأى الحالول أنه كلما ابتعد المترجم عن النص الأصلي كان ذلك أكثر إمتاعا للقارئ، ولكنها في هذه الحالة، تكون بفضل الفعل الإبداعي الإضافي الذي يخص المترجم الذي يصبح في حالته هذه مؤلفا، وبالتالي يكون ابتعد أيضا عن أمانته في نقل النص.

وفى ذات الوقت ذكر أن هذه الأمانة لا تعني النقل الحرفي، وإنما أيضا الالتزام بتقنيات السرد التي تختلف من لغة إلى أخرى، مثل تقسيم الفقرات والكلام المباشر وغيرها، ليكون النص المترجم مقبولا للقارئ. 

المصدر : الجزيرة