صورة أرشيفية للشاعر الكبير إيميه سيزير التقطت له قبل موته بعام (الأوروبية)

بوعلام رمضاني-باريس

نقلت فرنسا الأسبوع الماضي رفات الشاعر المارتينيكي الكبير إيميه سيزير إلى مقبرة العظماء، وحضر الحدث عدد كبير من الشخصيات السياسية في مقدمتهم الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي فضلا عن وزراء ثقافة قدامى من اليمين واليسار ومسؤولي بلدية بور دوفرانس التي كان سيزير عمدتها لمدة 56 عاما.

ومقبرة العظماء أو البانثيون هي مبنى بالحي اللاتيني في باريس يضم رفات بعض عظماء فرنسا ممن أثروا في تاريخ البلاد وربما في تاريخ العالم من سياسيين وعسكريين وكتاب وعلماء مثل العالمين ماري كوري ولويس باستور، وكذلك الكاتبان فيكتور هيغو وإميل زولا وغيرهم.

وألقى الرئيس ساركوزي بالمناسبة خطابا مطولا تناول فيه سيرة الأديب والمناضل الشيوعي الراحل والمنظر لمفهوم الزنوجة والمدافع عن اللغة الفرنسية والمناهض العنيد للاستعمار.

ولد سيزير في باس بوانت عام 1913 وتوفي في 17 أبريل/نيسان 2008 في بورت دوفرانس تاركا عدة مؤلفات شعرية ومسرحية وسياسية تميزت بنفس إبداعي وإنساني وفكري تجاوز حدود وطنه الأصلي وفرنسا وأثر في أجيال عدة، مثله مثل الكتاب الكبار غير العاديين الذين وفقوا بين خصوصية واستثنائية الإبداع والالتزام.

الرئيس الفرنسي برفقة ابن الشاعر في الاحتفال بنقل رفات سيزير (الأوروبية)

عرق المضطهدين
ترعرع سيزير في أحضان والد موظف ووالدة خياطة، وكان جده أول مدرس أسود في المارتينيك، وخلافا لما كان سائدا يومها كانت جدته تحسن القراءة والكتابة.

وبعد دراسة ابتدائية ومتوسطة في بورت دوفرانس وثانوية في ثانوية فيكتور شلشر الشهيرة، التحق بباريس في العام 1931 ودرس في ثانوية لويه لغريه التي التقى فيها رفيق دربه الأبدي الشاعر والمبدع الآخر الكبير ليوبولد سيدار سنغور.

وفي العام 1934، أسس سيزير صحيفة "الطالب الأسود" مع ليون كونترو داماس وغي تيروليا وسنغور وبيراغو ديوب. وسعى هؤلاء الكتاب بسرعة إلى التنديد بالأيديولوجية الكولونيالية الفرنسية العنصرية وإلى تكريس الهوية الثقافية الأفريقية، وتجسد مشروعا بإطلاق مفهوم الزنجية الذي يعد صلب تركة سيزير الفكرية وروح معتقده الثقافي، ولا أدل على صحة ذلك من قوله "أنا من عرق المضطهدين".

بعد دراسة ناجحة بالمدرسة الوطنية العليا في العام 1935 والشروع في كتابة "دفتر العودة إلى الوطن الأم" الذي أنهاه في العام 1938 ومناقشة أطروحة "موضوع الجنوب في أدب الأميركيين السود، عاد سيزير إلى المارتنيك في العام 1939 رفقة زوجته الطالبة المارتنيكية سوزان روسي ليعلم الأدب مثلها في ثانوية شلشر التي تخرج فيها.

وفي العام 1941 ورد فعل على استلاب النخبة الثقافية، أسس سيزير مجلة "تروبيك" التي عانت من رقابة نظام فيشي القمعي إبان خضوع فرنسا للاحتلال النازي، والتقى الشاعر أندريه بريتون والتحق بركب السرياليين، وكرس تأثيره على تلامذته فرانز فانون وإدوار غليسون ودنيال ماكسيمن وآخرين كثر.

سيزير الشيوعي -الذي انتخب عمدة على بورت دوفرانس في العام 1945- فاجأ رفقاء درب يساريين حينما لم يطالب بالاستقلال عن فرنسا بدعوى الأزمة الاقتصادية والحاجة إلى التحديث والتنمية، وهو ما ينبهنا إلى خلفية تكريم ساركوزي لسيزير، حيث يتهم الرئيس الفرنسي الحالي باستغلال زنوجة سيزير وغض الطرف عن شيوعيته تماشيا مع السياسة الفرنسية الحالية المتهمة بالاستعمارية خصوصا في أفريقيا.

ساركوزي متهم بأنه وظف اسم الشاعر
الكبير لصالح مشاريعه السياسية (الأوروبية)
نضال وإبداع
ظل سيزير وفيا لمواقفه التي جسدها في العام 1947 من خلال مجلة "بريسانس أفريكان" أو "حضور أفريقي" التي أسسها مع المفكر الراحل الكبير أنتا ديوب، وألف في العام اللاحق "أنتولوجيا الشعر الزنجي والملغاشي الجديد" التي كتب مقدمتها الفيلسوف الشهير جان بول سارتر. وأحدث سيزير ضجة غير مسبوقة في مساره الفكري والسياسي في العام 1950 بتأليفه كتاب "خطاب حول الاستعمار" الذي ربط فيه بين الاستعمار والنازية.

وفي العام 1956 انسحب سيزير من الحزب الشيوعي الفرنسي بسبب موقفه المناهض للستالينية وانضم إلى حزب التجمع الأفريقي، ثم قام في العام 1958 بتأسيس الحزب التقدمي المارتنيكي والتحق بالاشتراكيين وبقي في صفوفهم حتى العام 1993.

ورغم تقدمه في السن، بقي العجوز المبدع يشرف على شؤون بلدية بورت دون فرانس وعلى تنشيطها الثقافي الذي أكسبها سمعة دولية وتوقف عن ممارسة أي نشاط في العام 2001. وبقي ممثلا وحيدا لتيار الزنجية بعد رحيل رفيق دربه سنغور، وعاد إلى الواجهة السياسية بقوة في العام 2005 حينما ندد بقانون الاستعمار الإيجابي الذي صممه أنصار ساركوزي.

لكن موقف سيزير لم يدم طويلا، وتصالح مع مكرمه اليوم في مارس/آذار 2006 بوساطة من باتريك كرم، وهو نفسه الرجل الذي لعب دورا لإقناع وزير الداخلية ساركوزي بإطلاق اسم الشاعر الكبير على مطار المارتنيك بعد أن قال عنه "إنه تحول إلى رجل جديد".

يبقى السؤال: لماذا لم يوظف سيزير ثقله الأدبي والفكري من أجل الفلسطينيين الذين يعيشون تحت نير استعمار إسرائيلي وعنصري وينتمون إلى جنس المضطهدين الذين قال إنه أفنى حياته دفاعا عنهم
التكريم الملغم
إن تكريم سيزير هذه الأيام بدا وكأنه تم تأطيره في حلة سياسية ليست بريئة، خصوصا أن يأتي وسط احتدام رفض خصوصية المهاجرين المسلمين والدعوة إلى ذوبانهم الثقافي، ويرى خصوم ساركوزي أن الرئيس لم يكرم هذا الشاعر دون خلفية أيديولوجية، حيث يقوم أنصار ساركوزي بالاصطياد في حقول اليمين المتطرف هذه الأيام، وعلى رأسهم رئيس الكتلة النيابية للحزب الحاكم جان فرنسوا كوبيه الذي تحدى رئيس الحكومة وتشبث بحتمية تنظيم نقاش عن الإسلام.

إن تفكيك خطاب الرئيس ساركوزي على قبر سيريز يكتشف بسهولة أن تصرفه مكيافيلي محترف، فقد وظف شاعر الهوية الزنجية غير المتناقضة مع حنين الساركوزيين إلى ماضيهم الاستعماري بحكم بقاء مستعمرات ما وراء البحر تسبح في فلكهم الثقافي بتزكية من سيزير ابن فرنسا والمارتنيك الفرنسية المهمشة.

ومن هذا المنظور، لم يختلف سيزير عن الأديب الفرنسي ألبير كامو الذي رفض استقلال الجزائر خلافا لسارتر، كما أن شاعر الزنوجة سيزير ربط بين النازية والاستعمار بما يخدم خطاب معظم المثقفين الفرنسيين والغربيين الذين يربطون بدورهم بين معاناة اليهود والأفارقة التاريخية، وهو ما أكده الباحث بيار بيان في كتابه الجديد والجريء "مجازر.. القصص السرية للقوى الكبرى في أفريقيا".

ويبقى السؤال: لماذا لم يوظف سيزير ثقله الأدبي والفكري من أجل الفلسطينيين الذين يعيشون تحت نير استعمار إسرائيلي وعنصري وينتمون إلى جنس المضطهدين الذين قال إنه أفنى حياته دفاعا عنهم.

المصدر : الجزيرة