صورة من المعرض تؤرخ لدخول الجنرال اللنبي إلى القدس عام 1917

وديع عواودة-الناصرة

تستعيد الناصرة أعمال المصور الفوتوغرافي الفلسطيني خليل رعد (1869–1957) وذلك في معرض فريد من نوعه، حيث كان هذا المصور قد وثق تاريخ البلاد طيلة ستة عقود وقاوم بكاميراته الصهيونية والتوجهات الاستشراقية الغربية.

وخليل رعد مصور فلسطيني من أصول لبنانية، وهو المصور الفوتوغرافي الأول في فلسطين، ولد وترعرع في القدس وتتلمذ على يد مصور أرمني يدعى جاربيد كريكوريان، واستكمل دراسته في التصوير في مدينة بازل السويسرية.

بدأ رعد مسيرة التصوير عام 1891 وانطلق من داخل أستوديو أقامه في شارع يافا في القدس خارج السور، وبصفته مصورا عثمانيا رسميا كان توثيق الحرب العالمية الأولى مشروعه التوثيقي الأول.

ويرى الباحثون أن خليل رعد قدم مساهمة جوهرية في مسيرة التصوير الفوتوغرافي في فلسطين بعدما روى رواية البلاد عبر عدسته طيلة ستة عقود.

ألف 

طفل في موسم البرتقال 
صورة
وكانت الباحثة الإسرائيلية رونا سيلع قد أخرجت الصور إلى النور قبل عشر سنوات بعدما عثرت على ألف صورة له في الأرشيف الصهيوني الذي ما زال يتحفظ على عشرات آلاف الصور من قبل النكبة.

وتقول سيلع إن صور رعد تقدم رواية مختلفة عن الرواية المتجلية في صور المصورين اليهود رغم أنهم صوروا في نفس البلاد الصغيرة.

وتوثق صور رعد حياة المدينة والأرياف في فلسطين في مجالات الثقافة والتجارة والمجتمع، وهي تعكس شغفه بالبلاد وتاريخها ومشاهد طبيعتها الخلابة وثرائها الروحي والجغرافي والتاريخي والديني.

في المقابل اقتصر اهتمام المصورين الغربيين الذين زاروا البلاد في مستهل الفترة الاستعمارية بتصوير الأماكن التوراتية والأماكن المقدسة ومشاهد الطبيعة عبر نظرة استشراقية تظهر تخلف البلاد وجاهزيتها للغزو الاستعماري كما أكد المفكر الراحل إدوارد سعيد في كتبه.

الهوية الفلسطينية
ومع تبلور الهوية الفلسطينية تدريجيا، عبّر رعد عن رفضه للأطماع الاستعمارية في فلسطين في حين حازت القدس على اهتمام خاص فوثقها بمئات الصور. وفي كثير من الحالات كتب رعد كلام الصور بخط يده دون الإشارة لتاريخها.

موسم قطف الزيتون
لكنه وبخلاف صورة فلسطين "غير المتطورة والمهملة وسكانها المتخلفين والقلائل" التي حاول المصورون الصهاينة والغربيون نسجها في المخيلة عبر كاميراتهم، عكس رعد الصورة الحقيقية للبلاد بكاميراته.

وتكتسب هذه الصور أهمية بالغة هذه الأيام بفعل قيمتها التوثيقية النادرة وفي ظل مشاريع محو الذاكرة وطمس الهوية الفلسطينية، وهي تعبر عن وعيه لضرورة بلورة الهوية والشخصية الوطنية.

وتوضح الباحثة والناشطة سيلع أن الصهيونية حاكت التوجهات الاستعمارية في تصوير فلسطين كبلاد متخلفة وقفر خال وخرب ينتظر من يستعمره ويحيه.

مختار الطالبية
وتشير سيلع في حديث للجزيرة نت إلى أن رعد ورغم تأثره بالثقافة الغربية والتعاليم التوراتية منذ دراسته في الكنيسة، فإنه يبقى المصور الأول الذي بلور هوية عربية فلسطينية بكاميراته التي عبّر فيها عن مشاهد الحياة بكل أبعادها في البلاد.

وتنفي سيلع بعض المزاعم بأن صوره تعكس انتماء ملتبسا وتؤكد أنه صاحب هوية فلسطينية مبلورة وواضحة، منوهة إلى أنه انتمى لطبقة نخبوية وعبر عنها بالصورة. وتتابع ساهم رعد كثيرا في بناء لغة التصوير الفلسطينية وتميز بمقاومته الهادئة عبر إبراز قوة كيان الفلسطينيين بتشبثهم بالحياة وتصديهم للأطماع الأجنبية.

وتنبه الباحثة الإسرائيلية إلى حيوية صور رعد في استعادة الفلسطينيين المخزون البصري لذاكرتهم الجماعية، منوهة إلى أنه بخلاف المجتمع اليهودي لم يتجاهلهم في صوره.

عاملات في مصنع للنسيج
كما اهتم رعد بتوثيق المعالم والحفريات الأثرية في فلسطين من الخليل حتى الجليل، أما هو فقد أقام في حي الطالبية المقدسي وبفضل علاقاته الاجتماعية وثقافته الواسعة كان يدعى "مختار الطالبية".

وعلاوة على خدمات التصوير التي قدمها للجيشين العثماني والبريطاني على التوالي، رافق رعد البعثات الأجنبية للبلاد ووثق زياراتها. ولم ينج رعد من النكبة حيث هجر من القدس الغربية إلى أريحا ومن هناك إلى لبنان حيث توفي في 1957 في حين بقيت كاميراته داخل الأستوديو التابع له في القدس ونهبه الإسرائيليون كما تؤكد سيلع.

ونوهت الباحثة إلى أن صديقا إيطاليا عمل في مكتبة مجاورة للأستوديو سارع لإنقاذ أصول الأفلام وسلمها لابنته روت قبل أن تتبرع بها لمركز أبحاث فلسطيني.

المصدر : الجزيرة