دور المثقف حين تتعطل البوصلة
آخر تحديث: 2011/3/7 الساعة 19:18 (مكة المكرمة) الموافق 1432/4/3 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/3/7 الساعة 19:18 (مكة المكرمة) الموافق 1432/4/3 هـ

دور المثقف حين تتعطل البوصلة

إلياس فركوح

في إجابتي عن السؤال المتكرر حول دور المثقف العربي في عمليات التغيير، وما كان منه خلال التحركات والانتفاضات الشعبية "المفاجئة" التي أدت إلى قلب المعادلات السياسية السابقة في كل من تونس ومصر (وها نحن بصدد ليبيا)، قلتُ بأن لهذا المثقف -بحسب اجتهادي- دورين: أحدهما مباشر حين ينخرطُ في آلية التحرك في راهنه اليومي بوصفه الفرد/المواطن الذاهب مع الجماعة صوب خلق واقع حياتي جديد. والثاني غير مباشر، سابق لتلك التحركات وربما يؤشر عليها بشكل أو بآخر، ويأمل حصولها.

لكنه (بوصفه مثقفاً ينجز إبداعه الفردي المحصور في دوائر المتلقين) ليس بصانعها أبداً، أو هو -في أحسن الافتراضات- أحد المساهمين في التحريض عليها، وتهيئة العالم الداخلي للأفراد للمطالبة بها والقبول بدفع أثمانها، لكونها جائزة كفاح في سبيل الحرية.

غالباً ما ينبع سؤال كهذا من موضوعة دائمة تُطِلُ برأسها في غير مناسبة، ألا وهي العلاقة بين الثقافة والسياسة. وأن نخوض في السياسة، بمفهومها الدال على جزئيات وتفاصيل التغير اليومي -أو المراوح في مكانه- والعاكس لإستراتيجية المصالح، والثقافة بمضمونها الخازن لكلية الإبداع الحضاري للبشر، إنما نكون قد ولجنا البوابة المؤدية إلى طبيعة حياتنا العربية عموماً.

كما نشرع في الوقت نفسه بتلمس ملامح شخصيتنا الماثلة في راهننا المعيش. إضافة إلى أن مجرد طرحنا لبُعدين يبدوان -من الخارج- منفصلين، يؤكد -من جوهر الداخل- اتصالهما العضوي غير القابل للانفكاك.

"
ثمة علاقة بنيوية بين السياسي والثقافي يكون من هدر الوقت تحبير الورق من أجل تسويغها وإثباتها. لكن الأهم هو تسليط الجهد البحثي وتركيزه على طبيعة هذه العلاقة القائمة
"

علاقة بنيوية
ثمة علاقة بنيوية بين السياسي والثقافي يكون من هدر الوقت تحبير الورق من أجل تسويغها وإثباتها. لكن الأهم في نظري هو تسليط الجهد البحثي وتركيزه على "طبيعة" هذه العلاقة في حاضرنا العربي اليوم.

كيف يُنظر إليها؟ وكم هي المحاولات الجادة (إنْ وُجدت) التي جرت لتضفيرها حقاً على مستوى الفرد في معيشه اليومي. ولربما تكون هذه واحدة من طبقات أو مستويات العلاقة المتذبذبة، الرجراجة، الشائكة والإشكالية بين بُعديْ الراهن المؤقت والمتغير في حياتنا (السياسي) من جهة، والتاريخي العضوي العميق والممتد والمتواصل فيها (الثقافي-الحضاري) من جهة مقابلة.

ما الغاية أصلاً من طرح هذا الموضوع؟

لعلّ مسألة الاحتجاج على حالة الهيمنة السائدة من قِبَل المشتغلين بالتفاصيل اليومية -السياسية بعامة والحزبية بخاصة- والآخذة بترويض شتى جوانب حياتنا لصالح اليومي/الجزئياتي/النقابي/الائتلافي والافتراقي، لتنتهي -مراوحةً دائخة- في حظيرة السياسة المجردة من أي بُعد سواها.. وخاصة البعد الثقافي في مستوييه: الجماعي والفردي.

الحزب والدولة سيّان إذا ما نظرنا إلى مكوناتهما الجوهرية، بناءً على الواقع العربي الممارَس طوال عقود، وبتفاوت موضوعي بالتأكيد، ومن خلال هاتين البؤرتين:

1- أنهما محض سياسة تشوبها مسحات من الاقتصاد المرتجَل وقصير النظر، حتى لو ادعى البعض من الجانبين امتلاكه "نظرية" شمولية وشاملة!

2- أنهما محض سُلطة تكتنفها ألفاظ منتقاة ومُعادة الصوغ اللغوي بشأن "الديمقراطية" بما يُخرجُ مفهومها عن حقيقته الأولى (تداول الأفكار والقبول باختلافها كشرطٍ تأسيسي لتداول السلطة في ما بعد)، وبالتالي يكشف هذا الواقع زيف الادعاء، أو عدم تجذره العميق إذا ما افترضنا "النوايا الحسنة"!

"
الثقافة داخل جوهر السياسة الممارسة في كافة النُسَخ العربية المعيشة، مرض خبيث ينبغي اجتثاثه وإخصاء قواه وفاعليته!
"
بُعد مهمل
بناءً على ما أسلفت، وانسياقاً لمنطق الحال كما هو -لا كما نفترض أو نتمنى- فإن الثقافي بمدلوله الشامل الحضاري "الناغل" في حيوات الأفراد كمواطنين، لن يكون إلاّ بُعداً مهملاً أو تزيينياً في أحسن الأحوال، ولن يفلت في أسوئها من كونه الطريد المطارَد المطلوب رأسه.

هو كذلك لأنه نقيض طبيعي لوضعية الاستفراد واختزال الكل في الجزء، أو لما يناضل الأصلُ من أجل انتزاع حق وجوده المستقل عن الفرع المتنكر له. ونحن إذا ما أمعنا النظر في هذا الاجتهاد، لسوف نجدُ إخلالاً مستهيناً بالثقافي، وإقصاءً غير معرفي لعنصر حيوي في دورة الحياة بأكملها.

حيال هذا الطرح تتشعب الآراء وتشتجر الاجتهادات "الآن"، بينما يجعلنا انجذابنا إلى الأحداث المتسارعة من حولنا وعندنا، في حالة لهاث خلف الأسئلة الأعمق التي تولدها.. أسئلة تستدعي إجابات فورية هي نفسها بحاجة إلى مراجعة، غير أننا -مهما اختلفنا أو تباعدنا- ربما نبقى على اتفاق بخصوص حقيقة الانفصام في شخصية السياسي-النموذج المتداولة في نسختها العربية.

شخصية تزعم كفاءة التصدي لحال التخلف العام وحالة الانسداد وإفلاس الحاضر، بينما تتكشف أعراض النقص والعجز لحظة تستحيل الطروحات سهلة الحفظ إلى قضايا جزئية تتطلب حلاً عملياً ممنهجاً، عندها يحدث التخبط وتتفاقم الأزمة-الأزمات.

هذه واحدة من السمات الدائمة في التجربة السياسية العربية المعاصرة: عسكريون لا يفقهون من ضرورات الحكم سوى قمع الحديد والنار.. حزبيون معارضون لا يعيرون للديمقراطية اهتماماً صادقاً حقيقياً خارج الشعارات المرفوعة فوق الأشهاد.. رجال أعمال عقدوا قراناً مشبوهاً ومعيباً مع السلطات لا يفهمون "الوطن" إلا في صورة بقرة حلوب.. مثقفون ينتظرون على شواطئ وضِفاف الحكم أو فوق أكتاف الحزب المعارض، يشحذون أسلحة تبرير الخطايا وتزوير حماقة الفشل في إدارة الأزمات، وغالباً ما نجدهم يحرفون الوعي بعكس اتجاه البوصلة.

"
هذه واحدة من السمات الدائمة في التجربة السياسية العربية المعاصرة: عسكريون لا يفقهون من ضرورات الحكم سوى قمع الحديد والنار.. حزبيون معارضون لا يعيرون للديمقراطية اهتماماً صادقاً حقيقياً خارج الشعارات المرفوعة فوق الأشهاد.. رجال أعمال عقدوا قراناً مشبوهاً ومعيباً مع السلطات لا يفهمون الوطن إلا في صورة بقرة حلوب
"
مرض خبيث
من هنا يمكننا معاينة أن المسألة ليست في إثبات وجود العلاقة بين السياسي والثقافي، بقدر ما هي "كيف" هي قائمة بينهما أساساً: أقائمة على قاعدة الديمقراطية وتبادل الآراء والاجتهادات وتفاعلها، أم على نفي السياسي (صاحب السلطان، في الحكم فوق وفي الشارع تحت) للثقافي خارج المدارات؟

هذه نقطة. أما النقطة الثانية وهي الأخطر: إن الثقافة داخل جوهر السياسة الممارَسة في كافة النسخ العربية المعيشة، مرض خبيث ينبغي اجتثاثه وإخصاء قواه وفاعليته! ومن ثم -وفي بعض المتعينات الليبرالية الطفيفة- يصير توظيفه لخدمتها بشكل مباشر كأداة تسويغ، أو بغير مباشر كدعاية على حرية وعبقرية سياساتها الرشيدة المزعومة.

وهكذا نمضي لنقف أخيراً أمام علاقة المثقف بالسلطة. والسلطة التي أقصدها هنا هي تلك المتحلية بمفهومها الإطلاقي، وليست المحصورة داخل أطر الدولة وظرفيتها المتغيرة، فنحن نتحرك على مسرح التاريخ، وفي فصل عربي انفصمت فيه العُرى الواجبة للمثقف بالتغير الحادث في مجتمعه على صعيد العلم.. والاقتصاد.. والفلسفة.. والتربية.. وإنتاج القيم.

أو كما التفتَ سارتر -مشيراً إلى فحوى المثقف العضوي عند غرامشي- في كتابه "دفاع عن المثقفين"، إذ يقول "كانت الطبقة البورجوازية تنتج أيدولوجيتها في حالتها الخام والمشتتة في ممارستها التجارية وعن طريقها. وكانت تدرك أنها بمسيس الحاجة إليها لتعي ذاتها من خلال الإشارات والرموز، ولتذيب وتحطم أيدولوجيات الطبقات الاجتماعية الأخرى. وهكذا بدا الفلاسفة كأنهم مثقفون عضويون بالمعنى الذي تحدث عنه غرامشي"، أي: تعبير أبناء الطبقة البورجوازية عن الروح الموضوعية لطبقتهم، وعن زمنها أيضاً.

السياسة العربية
كان هذا دور المثقف الشمولي الصاعد مع صعود طبقته. لكننا، وبعيداً عن التعلق بتفاصيل الطبقات وإفرازاتها، نتساءل حقاً عن دور ومكانة الثقافة/المثقف على مسرح السياسة/السلطة في حياتنا العربية الراهنة. ألا يفضي تساؤلنا هذا إلى البحث عن ماهية التركيبة الاجتماعية الاقتصادية لهذه الحياة، وبالتالي البحث في "هويات" السلطات المتمركزة فيها؟ ومن يعبّر عن من؟ وهل كان ثمة تعبير في الأساس؟.. وما مداه أو مصداقية مقاربته للواقع؟

إن ثقافتنا تسأل عن نفسها وهويتها في اللحظة التي تنشغل فيها بمساءلة السلطة وسياساتها، وإنه لأمر منطقي بناءً على كلية بنيتنا الراهنة، وتاريخي بالضرورة والحتم. وما شهدناه ونشهده منذ بداية هذا العام، في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين والمدن التي تنتظر، كفيل بإشعال السؤال:

"كيف" تستقيم علاقة الثقافي بالسياسي في لحظة تاريخية لا يملك أي منهما رؤاه المقاربة لحياته العربية، خلا تلك العناوين العامة والفضفاضة؟ أيكمن الجواب في ثورة الشباب التي نَحّت "التنظيرات الفكرية المثقفة"، بينما تعبّد طريقها بدمائها للوصول إلى خلع "حكم السلطات" غير العارفة بأنها باتت خارج الزمن؟

المصدر : الجزيرة