الغرب والإسلام والثورات العربية
آخر تحديث: 2011/3/3 الساعة 22:21 (مكة المكرمة) الموافق 1432/3/29 هـ
اغلاق
خبر عاجل :بوتين يقول إنه سيتحدث مع أمير قطر والرئيس الأميركي وزعماء إقليميين بشأن سوريا
آخر تحديث: 2011/3/3 الساعة 22:21 (مكة المكرمة) الموافق 1432/3/29 هـ

الغرب والإسلام والثورات العربية


لوكاس كاترين*

الإعلام الغربي مثله مثل دوائر القوى الغربية، فاجأه اندلاع ثورتيْ تونس ومصر، والسبب أن القائمين على هذا الإعلام وعلى هذه الدوائر طالما نظروا إلى العالم العربي من خلال المنظار الخطأ، لم يستوعبوا ما يحدث أمام عيونهم على وجهه الحقيقي، وهو ما جعلهم يتناولونه على أنه ثورات تشبه ما حدث في بلدان أوروبا الشرقية (أوكرانيا وجورجيا مثلاً).

من هنا جاء ربما اسم "ثورة الياسمين" في تونس، لم يعرف مراقبو الإسلام التقليديون في الغرب كيفية تفسير أسباب هاتين الثورتين، ولم يكونوا وحدهم في هذا، بل إن أجهزة المخابرات التابعة لقوى كبرى مثل الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا أو حتى إسرائيل، لم تكن لديها أي علم بإرهاصات أو مقدمات هاتين الثورتين كما شاهدناهما في تونس والقاهرة.

الغرب -مثله مثل الإعلام والحكومات- لديه على الدوام الرغبة في تفسير كل ما يحدث في العالم الإسلامي على ضوء رؤيتهم واستيعابهم للإسلام: خمسون مجتمعا مختلفا، عادات ما يربو على 1.5 مليار نسمة، يفسرون سلوكياتهم وأفعالهم في الغرب وعلى مدى عقود طويلة اعتماداً على كتاب واحد هو القرآن الكريم، وهو ما يبدو لي خطأ فادحاً في تفهم أصول هذه الأفعال.

رأيت العديد من المتابعات والتحليلات لهذه الثورات على قناة الجزيرة كما في نشرات أخبارنا، ولم أسمع أو أر كلمة واحدة تتردد من قبيل "جهاد" أو "شريعة"، لم أسمع أو أر أي هتاف ديني من أي نوع، الشعارات التي سمعتها كانت "حرية" و"ارحل".

رأيت العديد من المتابعات والتحليلات لهذه الثورات على قناة الجزيرة كما في نشرات أخبارنا، ولم أسمع أو أر كلمة واحدة تتردد من قبيل "جهاد" أو "شريعة"، لم أسمع أو أر أي هتاف ديني من أي نوع، الشعارات التي سمعتها كانت "حرية" و"ارحل"
كتاب مقدس
ولأن هؤلاء المفسرين الغربيين يفتقرون إلى كتاب مقدس يحتوي على مثل هذه الشعارات، فلم يجدوا أمامهم سوى كتاب آخر هو فيسبوك، فهو الكتاب المقدس الجديد الذي -في ظنّهم- عمل على تعبئة كل هذه الحشود، وشحن هذه الجماهير للتوحد خلف خيار الثورة. وهو تفسير غير دقيق بالمرة، حيث إن 16% فقط من التونسيين و5% فقط من المصريين لديهم حسابات على موقع فيسبوك.

التعبئة والحشد أتيا في رأيي من مكان آخر، فيسبوك ما هو إلا عامل صغير ساعد على قيام هذه الاحتجاجات، فلكي تمتلك القدرة على تنظيم ثورة بهذا الشكل المنظم، تحتاج إلى مساندة شعبية واسعة، وهذا ما حدث بتوازن بسيط من استجابة المواطنين الذين خبروا وعايشوا عدة دكتاتوريات، لذلك رأينا كيف تفاعلت نقابات عمالية بسرعة مع هذه الاحتجاجات.

وبالطبع تفاعلت معها حركات الإسلام السياسي، حتى إن الإخوان المسلمين في مصر بدؤوا في تغيير منظومة تفكيرهم للتقرب إلى أفكار هؤلاء المحتجين غير المسيسين، وأجتزئ هنا ما نشر على موقعهم الإلكتروني على شبكة الإنترنت بتاريخ 2 فبراير/شباط: "الإخوان المسلمون يطالبون بحكومة ديمقراطية صادقة ونقية تحمي الحريات وحقوق الإنسان".

المشكلة الجوهرية في العالم العربي ليست في قلة الإسلام، لكنها في الحريات الناقصة والاستبداد المتفشي، فبنظرة سريعة إلى البلدان العربية سنرى أن النظام السلطوي ذاته تقريباً يسيطر من المغرب إلى الخليج، حيث أقلية حاكمة تملك مقومات الاقتصاد وتسيطر على مراكز القوى والأمن والجيش، وهي السلطات التي تُدعم عادة من قبل القوى الغربية الكبرى.

فهذه القوى الغربية لا تترك هذه الدكتاتوريات المستبدة في حالها، بل تدعمها وتساندها بشتى الطرق ما دامت تخدم مصالحها، وانظر إلى السلوك المتردد من قبل الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وهما يعاتبان مبارك "جنرالهم الأمين في الشرق الأوسط"، ويطالبانه بالاستماع إلى نداءات شعبه المطالبة بالتنحي.

كليشيهات الغرب
لكن ماذا يريد العرب؟
أليسوا مسلمين في النهاية، والإسلام -كما يردد الغرب- لا يمكن له أن يجتمع والديمقراطية؟، ولذلك فهم جميعاً ضد الغرب وضد إسرائيل بوصفها "البلد الديمقراطي الوحيد في الشرق الأوسط"، كما يدعي الغربيون، أليست هذه هي كليشيهات الغرب التي لا تستند إلى شيء حقيقي، باستثناء تلك العداءات لإسرائيل من كل جانب، وهذا صحيح، فأغلب العرب يقفون ضد هذا البلد المحتل والذي يمارس احتلاله الواضح والصريح لبلد غيره كل يوم.

العرب ليسوا ضد الأفكار الغربية وليسوا ضد الديمقراطية، كما أنهم ليسوا كذلك ضد الحريات الفردية، لكنهم يبقون متوحدين في وقوفهم ضد الغرب، لأن القوى العظمى التي مارست عليهم الاحتلال في السابق، ونهبت مقدراتهم الاقتصادية وثروات بلدانهم، لم تحاول قط نشر الديمقراطية والحرية

من منا حاول يوماً أن يتفهم العرب؟
أغلب محاولاتنا كصناع رأي غربيين لتفهمهم لا تبتعد عن المخبز المغربي، أو بائع التوابل العربي على الناصية، نعرف تماماً أن العرب ليسوا ضد الأفكار الغربية وليسوا ضد الديمقراطية، كما أنهم ليسوا كذلك ضد الحريات الفردية، لكنهم يبقون متوحدين في وقوفهم ضد الغرب، لأن القوى العظمى التي مارست عليهم الاحتلال في السابق، ونهبت مقدراتهم الاقتصادية وثروات بلدانهم -مثل بريطانيا العظمى وفرنسا، وفيما بعد الولايات المتحدة الأميركية- لم تحاول قط نشر الديمقراطية أو الحريات في البلدان العربية التي احتلوها سابقاً.

 وحتى بعد استقلال وتحرر هذه البلاد، لم تحاول هذه القوى العظمى مساندة التطور الديمقراطي فيها، بل عملت على إيجاد أنظمة مدعومة من قبلها لتدافع عن مصالح الغرب، وكانت على النقيض من أي معنى راهن للديمقراطيات الغربية.

الحرية والعدل
ما يصرخ به العرب الآن سواء في تونس أو في مصر واضح وضوح الشمس: حرية، وإنهاء للفساد، والحد من سوء استخدام السلطات، كيف إذن يتلقى أوباما أو كلينتون أو ساركوزي هذه الصرخات؟: "اللعنة، أوضاعنا صارت في خطر!، الله وحده يعلم الآن من سيمسك مقاليد الحكم في هذه البلدان، المتطرفون؟!".

تونس دولة علمانية بامتياز، ليس بفضل بن علي، ولكن على الرغم من بن علي، وتبقى مصر شيئا آخر، حيث يلعب الإسلام السياسي دوراً كبيراً في نفوس المصريين التقليديين، حتى لو لم يظهر هذا في الشعارات المعلنة لثورتهم، ولكن هناك فروق واضحة بين أشكال الإسلام السياسي المختلفة، فالحركات الإسلامية "الإرهابية" لم تستطع أن تحقق أي جماهيرية أو نجاح في مصر، بعد أن رفضها المصريون قلباً وقالباً.

فـ"الإرهاب الإسلامي" لا يستطيع أن يحقق نجاحه في بلد له من الحضارة والثقافة ما لمصر، "الإرهاب" ينجح حيثما كان التخلف، وأكبر دليل على ذلك أن أسامة بن لادن نفسه يختبئ في المناطق الأكثر تخلفاً من العالم المسلم، حيث كهوف أفغانستان الجبلية، البلد الذي لم يملك أي إشعاع حضاري في تاريخ الإسلام.

وتأكيداً لهذا لم تجد حركتا "التكفير والهجرة" أو "الجهاد" المصريتان أي ترحيب أو تأثير شعبي، ليس بسبب قمعهما سياسياً من قبل نظام مبارك، بل لأن الشعب بكل طوائفه وطبقاته لفظهما، ولأن جميع ضحاياهما كانوا من أبناء الشعب المصري ذاته.

هناك فروق واضحة بين أشكال الإسلام السياسي المختلفة، فالحركات الإسلامية "الإرهابية" لم تستطع أن تحقق أي جماهيرية أو نجاح في مصر، بعد أن رفضها المصريون قلباً وقالباً
نهاية الأصولية
كذلك لدينا تلك الحركات الإسلامية المحافظة، وهو الاتجاه الرئيسي الذي نلمحه الآن داخل جماعة الإخوان المسلمين في مصر، فرغم حظر جماعتهم رسمياً بموجب نظام مبارك، فإنهم حققوا نجاحات كبيرة بمشاركتهم في الانتخابات البرلمانية كمرشحين مستقلين.

ففي عام 2005 حصلوا على 88 مقعداً، وهو ما يمثل نسبة 20% من مقاعد البرلمان المصري، وهكذا استطاعوا أن يتقربوا من النظام الحاكم، لكنهم في المقابل فقدوا جزءاً كبيراً من مصداقيتهم لدى رجل الشارع، الذي اعتبر أنهم بهذا الفوز أصبحوا جزءاً من النظام الحاكم في مصر.

إن دلت ثورتا تونس ومصر على شيء فإنما تدلان على أن الإسلام السياسي "الأصولي" ليس له أي تأثير حقيقي على أرض وواقع الشعبين، كان هذا واضحاً منذ زمن، لكنه تأكد الآن بما لا يدع مجالاً للشك، وسيكون على الإخوان المسلمين أن يعيدوا النظر من جديد في رؤاهم السياسية، سيكون لزاماً عليهم أن يقللوا من تمسكهم الأصولي بـ"الشريعة" مقابل تمسكهم بـ"الحرية".

ما سيأتي
كيف لنا إذن أن نسيطر على كل هذه الثورات المتوالية؟
من خلال اطلاعنا على تاريخ التدخلات الغربية في منطقة الشرق الأوسط، يرى كثيرون أن على الجيش أن يتولى الحكم في حال اندلاع الثورات، مفضلين قناعاً مزيفاً للديمقراطية على استمرارها.

وأخشى أن مصر ستمر بنفس الدائرة، فالجيش –المدعوم بقوة من قبل الولايات المتحدة الأميركية (38 مليار دولار خلال الأعوام الثلاثين الماضية)– لن يجازف برمي كل هذه المليارات، والتخلي عن المميزات التي يتمتع بها من: نواد، ومدارس، ومستشفيات خاصة، ومرتبات عالية، لأجل إرساء ديمقراطية حقيقية في البلاد.

وحتى لو فرضت على مصر ديمقراطية حقيقية يرسيها ما تبقى من الأحزاب والإخوان المسلمون، فإن الجيش لن يقبلها، ذلك لأن هذه الديمقراطية ستبتعد عن عملية السلام مع إسرائيل، وبالتالي تهدد حصول الجيش على هذا الدعم الأميركي الكبير، لذا أعتقد أن الجيش سيعمل على إنهاء الاحتجاجات أو يقبل برئيس جديد، على أن يبقى الحال كما كان، وبالتالي فلن تكون التغيرات كبيرة كما يظن البعض.

ما سوف يجلبه المستقبل القريب إلى مصر، ربما لن يتعدى حكومة جديدة تواجه متاعب كبرى لتخفيف الفساد والفقر وأساليب القمع. بكلمة أوضح، هذه الثورة ليست من نوع الثورات التي تطالب بتغيير عميق في المؤسسات الحكومية أو المجتمع، وربما التغيير الأكبر سيكون في بروز الرفض الشعبي لوجود دولة مثل إسرائيل تحتل دولة عربية أخرى.

ومن ثم تكون إسرائيل هي الخاسر الأكبر مع مبارك، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رأى هذه الخسارة منذ اللحظة الأولى، وهو ما دفعه إلى مناشدة الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي لمساندة حليفه قبل أن يسقطه شعبه.

-------------------
 لوكاس كاترين: مؤرخ وباحث بلجيكي، وهو من أقوى الأصوات الغربية المتخصصة في تاريخ الثقافة الإسلامية والصراع العربي الإسرائيلي، وهو مناصر للحقوق العربية.

* ترجم المقالة عن الهولندية: الشاعر المصري عماد فؤاد.

المصدر : الجزيرة

التعليقات