غلاف كتاب "جروح الروح" للكاتب بدر الديب (الجزيرة نت)

إلياس فركوح

رغم الحجم الصغير لهذا الكتاب/الشهادة "شذرات من السيرة"، فإنه يتضمن، إضافةً إلى مجموعة الحيثيات الواردة كوقائع تندرج ضمن التوصيف العام، إشارات قوية في دلالاتها المضيئة للحياة الثقافية المعرفية التي شملها الخراب في الواقع المصري.

واللافت في كتاب/شهادة بدر الديب "جروح الروح"، أن تلك الإشارات، مع التوسع في تفسير وتشريح البعض منها، جاءت لتشهد بأنّ النخر في الجسد الثقافي (هيئات وأشخاص وسياسات) لم يكن لتنجو منه حتّى البنى الأكاديمية الممثلة بالجامعة، مثلاً. كما أن تاريخ هذا النخر المتحوّل إلى خرابٍ آخذ بالتمدد والاستفحال لم يكن ليولد إلاّ في ظل تحكُّم الدولة بكافة تلك المؤسسات ذات الصلة كالصحف والمجلات وتعيين الأساتذة الجامعيين والمكتبات الجامعية والبعثات، إلخ.

أي أن منطق رسم السياسات المتحولة بالمجتمع المصري صوب ما كان يُفترض بالنظام الناصري توجيهه صوب إعادة البناء على "نحو اشتراكي"، أدّى (غالبا بسبب الهاجس الأمني وتحكم العقليّة القابضة على سائر مكونات المجتمع وتسييرها وفقا لرؤية المركز) إلى نقيض تلك الأهداف، إذا ما نظرنا إليها من زاوية "النوايا" والتسليم بحُسن المقاصد!

إن منطق رسم السياسات المتحولة بالمجتمع المصري صوب ما كان يُفترض بالنظام الناصري توجيهه صوب إعادة البناء على "نحوٍ اشتراكي"، أدى (غالبا بسبب الهاجس الأمني وتحكم العقليّة القابضة على سائر مكونات المجتمع وتسييرها وفقاً لرؤية المركز) إلى نقيض تلك الأهداف
فإذا كان الحال على هذا النحو في الحقبة الناصريّة المتصفة بتعميم الثقافة وإشاعة التعليم المجاني والارتقاء به كغاية يطلبها النظام، آخذين بالاعتبار أخطاء وخطايا الأدوات التنفيذيّة التي تم اعتمادها بناءً على قاعدة "الوثوق بالولاء" وليس "الوثوق بالكفاءة"، فما بالنا إذا ما تخيلنا المآل في عهد الانتكاسات الكبرى على كافة الصُعُد في عهدي أنور السادات وحسني مبارك!

ما عاينه الشعب المصري من مظاهر التدهور في معالجة جوانب الحياة الثقافية خلال أكثر من أربعة عقود، وما عانته قطاعات الجامعيين والمثقفين من أصحاب كفاءات أكاديميّة تعليميّة وكُتّاب وأدباء وصحفيين، إنما يقع في قلب أزمة الاحتقان وصميم حالات الانقطاع والتشرذم التي آلت، في خاتمة المطاف، إلى هذا الانفجار العام بحيث تحوّل ليكون ثورة جامعة بكل معاني كلمة ومفهوم "الثورة".

شهادة حية
تتميّز "جروح الروح" لبدر الديب، إضافة إلى احتمال تجنيسها ضمن السيرة الذاتية، بأنها تشكّل شهادةً حية وصريحة وصادقة على أكثر من حقبة عاشها صاحبها ضافراً إياها بمجموعة محطات مرت بها مصر الثقافة. وهو، إذ يستعرضُ خُطاه في مدارج الحياة وكيفية تكوينه لذاته بوصفه مثقفا متعدد الانشغالات، فإنما يفعل ذلك بوصفه راصدا للتحولات التي أصابت الحياة الثقافية في بلده، ومشيرا بلا لبس إلى انتكاسات العديد من المؤسسات العلمية والأكاديمية، وبالتالي إلى الخراب الضارب بِناها، إنْ كان هذا في ما يتعلق بالرؤية إليها من قِبَل "المسؤولين" عنها والقائمين عليها، أو بما نتجَ عن ذلك من إهمالٍ وإفقار نَخَرا "الفهم" المتداول للثقافة باعتبارها تراكم مجموعة من المعارف والعلوم لا تستقيم أي نهضة دون التسلّح بها، فبات فهماً خفيفا مفتقرا لأعماقه وأصالته.

فإذا كان هذا الصدق وتلك الصراحة هما ما أسسَ عليهما بدر الديب شهادته، فإنه من المنطقي لقارئها الخروج بكثير من "الصدمات" حيال تشخيصه لعددٍ من الأعلام في المجالات الثقافية والعلمية والصحافية ، ورؤيته الخاصة لحقيقة عمقهم المعرفي وتحفظه على شيوعهم المبالغ به! كأنما جاءت "جروح الروح" لتنكأ وتكشط "قشرة الأسطورة" عن أسماءٍ ورموز ما عاد من الجائز تصنيمها والاحتفاظ بها فوق مراتب عُليا لا يشملها الشك، ولا تصلها إعادة القراءة. ولعلّه حين فَرَدَ رؤيته موجوعاً بجروح روحه التواقة للمعرفة وللمزيد من المعرفة، إنما يقوم بتحذيرنا ويطالبنا بالمُضي في طريق التساؤل والمساءلة -بمعنى ضرورة إجراء المراجعة للموروث والسائد- لكي لا تبقى "حقائق" حياتنا الثقافية وعلاماتها وشواخصها مطمورة بأغطيّة التواطؤ، ونصف الكلام والتحريف!

كأنما حين كتبَ شهادته هذه، إذا ما أردنا النظر إليها الآن، بعد ما يقرب من عشرين عاما، إنما يقوم بدر الديب بالتحريض على ضرورة تصويب التاريخ وإنصاف "المختنق المظلوم في الأسفل" تحت أثقال "المتسيّد المستبدّ في الأعلى"!

ابن الغد
وإذا كان للمَثَل الشائع والقائل إن "الطيور على أشكالها تقع" أن يَصْدُق، فإنّ مكان نشر هذه الشهادة أوّل مرّة خير ما يمكننا الاستشهاد به. فـ"الأربعائيون" لم تكن مجرد مجلة تصدر في الإسكندريّة المهمشّة أوائل التسعينيات (1992)، مطبوعة بالتصوير الاستنساخي الفقير، توقفت بعد أربعة أعداد وحسب، بل هي صوت فئة الذين تحركوا حينذاك على هامش المتن الثقافي المصري. زمرة من شعراء ومثقفي وكتّاب الإسكندرية أسسوا جماعتهم الأدبيّة: الشاعر عبد العظيم ناجي، والشاعر ناصر فرغلي، والدكتور أحمد الشيخ، والأخضر فلوس، وعلاء عبد الرحمن، ومهاب نصر، وحميدة عبد الله، وحامد نفادي، ومحمود عبد الصمد، وعلي عوض الله كرار، وشهدان، والدكتور محمد زكي العشماوي، والدكتور أنس داود، والدكتور فوزي عيسى، وأحمد عبد الفضيل. وكان منهم أن ثبّتوا في عدد المجلة الأوّل ما يُحيل، بالضرورة، على رؤيتهم للعالم ولماذا هُم يحضرون، إذ أوردوا مقولة نيتشه: "هل ينبغي عليَّ أن أجرَّ ورائي ذاكرة حافلة كالقربة، حتى تكون كل أسبابي حاضرة لديّ؟ أنا ابن اليوم وابن الماضي، لكن في ذاتي ما ينتسبُ إلى غد وبعد غد وما يستقبل من الزمان".

ما عاينه الشعب المصري من مظاهر التدهور في معالجة جوانب الحياة الثقافية خلال أكثر من أربعة عقود، وما عانته قطاعات الجامعيين والمثقفين.. إنما يقع في قلب أزمة الاحتقان وصميم حالات الانقطاع والتشرذم التي آلت، في خاتمة المطاف، إلى هذا الانفجار العام بحيث تحوّل ليكون ثورة جامعة
في العدد الثاني من "الأربعائيون" نُشرت شهادة بدر الديب هذه، مسبوقة بدراسة لافتة لإدوار الخراط عنوانها: (على هامش "أوراق زمردة أيوب"، هل هي طقس اعتراف؟) وكدأبه المتصل في الانتباه للقيّم من النتاج الأدبي المتميّز والتنبيه إليه، قدّم الخراط في دراسته من الأسباب الفنيّة والأدبيّة ما يكفي للتدليل على أن رواية بدر الديب تستحق، وبكامل الجدارة، الاحتفاء والعناية بها، مثلما يجدر الاحتفاء بصاحبها أيضاً. (وجديرٌ بي في هذا السياق الإشارة إلى أن قراءة هذه الرواية تحديدا ستكشف لقارئها ماهيّة الخراب الذي طفق بنخر القيم والأخلاق بسبب من السلطة ذات البعد التوجيهي المستندة في بقائها إلى قاعدة الولاء أولاً وأخيرا). وما كان لي أن أعرف الرجل ونتاجه الغزير في الرواية والشعر والترجمة لولا حرص إدوار الخراط نفسه على تزويدي بكلٍ من الشهادة (العدد الثاني) والرواية وبنماذج من شعر بدر الديب الطليعي.

الهامش والمتون
وهكذا، وبسببٍ من خطوات يجترحها الهامش النائي عن المتون، يصير لنا أن نكتشفَ ما يطمرهُ السائد عادةً، وعادةً ما يكون هو الأجدر! وبهذا الخصوص يقول كريم عبد السلام: "كان لا بد أن يموت بدر الديب حتى نلتفت إلى تفرد إنجازه الإبداعي والنقدي والفكري. فثقافتنا ثقافة أمة في مرحلة انحطاط وذوي". ومن جانبه، يلفتُ منتصر القفاش إلى خصوصيّة الرجل: "بدر الديب من أهم الذين استطاعوا إقامة حوار بين الأسئلة الفلسفيّة ونصوصه الشعرية والسرديّة دون أن يكون البُعد الفلسفي عبئاً على النص الإبداعي".

كأنما ما صنعه الخراط معي، وبكتابته كذلك، إنما هو النموذج العملي لوصيّة بدر الديب (1926-2005) المنادية بإعادة النظر الدائمة لما نقرأ ولِمن نقرأ وكيف نقرأ.

وإني أشير إلى أن كلّ ما سَلَف كان دافعي لإعادة نشر شهادة بدر الديب "جروح الروح"، عسى أن لا تُصاب أرواحٌ أُخرى بالجروح نفسها.. أو بما يماثلها. وعسى أن تصلَ إلى كل مَن يصبو لإعادة قراءة الواقع الثقافي لمصر كخطوة باتجاه تصويبه وتغييره ليكون لائقا بهذه الثورة الهادفة خلق حياة "نظيفة" مبرأة من كل فساد.

المصدر : الجزيرة