يحمل الغذامي الشعر العربي السبب في ظهور عيوب الشخصية العربية (الجزيرة نت)

حاوره: أحمد الشريقي

يتجاوز العرب العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين، حاملين معهم إخفاقات تمتد أكثر من مائة عام لنهضة لم تتحقق، فيما بقيت طوال قرن فائت أسئلة النهضويين الأوائل حول رفع الاستبداد وتحقيق والحرية والتقدم معلقة.

وإذا كانت الشعوب في أكثر من بلد عربي أعلنت ثوراتها ضد الاستبداد وحققت النجاحات في تونس ومصر، فإن قائمة طويلة من البلاد العربية لا تزال تتطلع إلى تحقيق آمالها بالتخلص من المستبدين والطغاة وتحقيق نهضتها.

بيد أن النهضة حسب المفكر والناقد السعودي د.عبد الله الغذامي ليست سؤالا نخبويا، بل هي هاجس الشارع، لأنه المعني أكثر بتحققها، فإنجازها ببساطة ينعكس على معيشته وأحواله.

ويحمل الغذامي الشعر العربي السبب في ظهور عيوب الشخصية العربية، معتبرا أن شخصية الفرد المتوحد، ذي الأنا المتضخمة هي من السمات المترسخة في الخطاب الشعري ما ربى صورة الطاغية الأوحد "فحل الفحول".

ميزة الفكر أنه غير محدود، وبالتالي المفكر لا يحدد سقفا لفكره، وللناس أن تأخذ منه وتترك، أو تحاوره بالبحث عن بديل آخر
ويخلص الكاتب السعودي في كتابه "النقد الثقافي" إلى أن النماذج الشعرية العربية القديمة لعبت دورا كبيرا في تزييف الخطاب، وإفساد القيم وتأبيد الرمز المستبد.

والغذامي يعمل أستاذا للنقد والنظرية في كلية الآداب بجامعة الملك سعود، وصدر له من المؤلفات "الخطيئة والتكفير" و"النقد الثقافي"، والعديد من الكتب النقدية.

الجزيرة نت التقت الدكتور الغذامي لدى مشاركته في إحدى الفعاليات في الدوحة وكان معه هذا الحوار:

مر أكثر من قرن والعرب يبحثون عن نهضتهم متى ترى أنها ستتحقق؟

الغذامي: يجب ألا نسمح لأنفسنا أن نكون تحت ضغط للوقت، وأن نتحدث عن الزمن، وكأننا ندخل في سباق ماراثون. وبدلا من أن نتطلع إلى تجاوز السباق، ننهمك في إحصاء الأمتار المقطوعة والأخرى المتبقية.

وبرأيي فإن النهضة هي سؤال إنجاز بالدرجة الأولى، وليس هناك مرادف علمي لهذه الكلمة سوى (الإنجاز)، وفي حديثنا عن نهضة اليابان أو أميركا والصين، فإننا نتكلم عن إنجازاتها في السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا.

في المقابل عندما تتحدث عن العرب تبدأ الشكوك في أنه تم إنجاز شيء ما، ولكن أيضا دعني أقول إنه يمكن أن يحصل الإنجاز الثقافي دون أن يرافقه إنجاز تكنولوجي كما حدث في أثينا القديمة.

المنجز والنظرية

ثمة من يعزو حالة الانشطار والانفصام إلى تضخم معرفي وأيديولوجي لدينا، في حين أننا نعاني في الجهة الأخرى أنيميا سياسية؟

الغذامي: أخشى أن يكون هذا الكلام تبسيطا شديدا لمجمل الأحوال التي نعاني منها في العالم العربي، لأنه ببساطة ليس للثقافة والفكر والمعرفة حد يمكن الوقوف عنده، ومجرد القول بفكرة التضخم الفكري، فهذا معناه أننا لا نعطي مفاهيمية الفكر حقها الأصلي، وإلا فسنقول إن "سقراط" كان يعاني تضخما فكريا، وإن "أثينا" كانت معذورة بإعدامه.

غلاف كتاب "النقد الثقافي" (الجزيرة نت)
ميزة الفكر أنه غير محدود، وبالتالي فالمفكر لا يحدد سقفا لفكره، وللناس أن تأخذ منه وتترك، أو تحاوره بالبحث عن بديل آخر.

واحدة من الإشكاليات التي دأب المثقفون على تناولها خلال القرن المنصرم، هي إشكالية المثقف والسلطة، والمثقف والسياسي، أي أفق للعلاقة تراها، وهل الإشكالية كانت حقيقية أصلا؟

الغذامي: أميز بين السياسي والسلطوي، فالأول لدي ينتمي إلى المعجم الديمقراطي الذي يكون فيه السياسي منتخبا ومتداولا بين المعارضة والحكومة، بينما مفهوم السلطة ليس مفهوما سياسيا، وان كانت السلطة تدعي ممارستها السياسة، لأن السلطة هي أخذ بالقوة ، كذلك ينسحب مفهوم السلطة من الحاكم إلى المثقف، وكل منهما عنده جرعة من السلطة.

سرت مقولة في توصيف علاقة الثقافة مع السلطة على أنها ذيلية وعلاقة تبعية، كيف تراها أنت؟

الغذامي: المثقف يكون ذيليا بالقدر الذي يسمح هو نفسه أن يكون كذلك، وغالبية الناس يريدون أن يكونوا من فئات القطعان التي تدار، هم يرضون بهذا الدور والانقياد، لأنه بحسبهم الأسلوب الأكثر أمانا للحياة.

ثمة مشكلة في الخطاب الإعلامي العربي، فهو يقدم المثقف باعتباره حالة متقدمة وراقية على مستوى الناس العاديين، فيما أرى أن العامي على المستوى الأخلاقي أعلى شأنا من المثقف، لأنه أكثر تواضعا في الوقوف عند حدود معرفته، ولا يضيره الاعتراف بجهله. أما المثقف فلديه إحساس بأنه مختلف عن بني جلدته، ويغذيه الخطاب الذي يحيل كل شيء إلى المثقف، كما كنا نحيل كل شيء إلى الشاعر في الخطاب الثقافي التراثي.

ثمة مشكلة في الخطاب الإعلامي العربي، فهو يقدم المثقف باعتباره حالة متقدمة وراقية على مستوى الناس العاديين، فيما أرى أن العامي على المستوى الأخلاقي أعلى شأنا من المثقف لأنه أكثر تواضعا
المثقف لدينا هو شاعر القبيلة، والإعلامي كذلك، وهذا أخطر، فهو يتماهى مع السلطة كما كان يفعل الشاعر.

صعود الشعبوي

موضوع الإعلامي يقودنا إلى موضوع بروز الشعبوي، هل ترى في الإعلامي الجديد لعبة من السلطة لإزاحة المثقف العميق وإحلاله بالإعلامي؟

الغذامي: السلطة ليست لها مثل هذه القوة، وهي ليست بهذا الذكاء، عموما ما حدث هو تغير معرفي وبروز ما أسميته بثقافة الصورة، وليس هناك قرار من السلطة بالإزاحة فهي ليست بهذا المستوى من التدبير العقلي، وإنجازها في البطش اليدوي، وما حدث هو تغير على مستوى الثقافة الكونية، وهذا التغير حدث في المجتمعات الغربية وانتقل إلينا، وبالتالي فهو ليس من مبتكراتنا.

وفي التمييز بين موقف المثقفين هناك نوعان، أحدهما مداهن يماثل الشاعر القديم ويلبي شرط السلطة وتلبي هي شرطه، وهذا الموقف انتقل من الشاعر القديم في ثقافتنا إلى الإعلامي الحديث، وهكذا استمر هذا الدور، وهناك المثقف المعارض والسلطة تتصرف مع النوعين فتقرب هذا وتبطش بذاك.

تنفي مقولة الأنا والآخر ولا تراها شرطا لتحقيق الهوية، ألا ترى أن ذلك نسف لكثير من المقولات التي نهضت على تحدد الهوية بوجود الآخر وأحيانا بنفيه؟

الغذامي: نحن أمام ضبابية في تحديد الهوية، ونستبطن عشرات الهويات، وأرى أن الهوية ليست أي شيء سوى رد فعل، وعند الاستفزاز تتحول الهوية من كامن إلى متوتر، ومن غير ردة الفعل لا تظهر.

المؤكد أن الهوية ضبابية، وأتفق أنه عند الحديث عنها لا بد من العودة إلى ثنائية (الأنا والهم)، الأنا والنحن يساوي حوار، كالعلاقة مع الغرب، وأنا وهم يساوي تغييب، ذلك علاقتنا مع "إسرائيل"، ونحن دائما نقول إنه ليس بيننا وبين اليهود مشكلة، ولكننا في المقابل نقول إن "إسرائيل" تهدد كياننا كأمة وكوجود وهم بالضرورة ينظرون إلينا بنفس المنظار.

ثمة من يعارض في وضع إسرائيل في سلة الآخر باعتبارها عدوا!

الخطيئة والتكفير
الغذامي: الآخر سلم من المفاهيم يبدأ من القريب، والى المختلف والمتفق معك في كل شيء، ويختلف عنك في اللغة وينسحب إلى المرأة، وأيضا للذي بينك وبينه باب موارب، وإلى العدو وهذا (إسرائيل). وأنا لا أرى ان نخرج إسرائيل من مصطلح الآخر، لأن الآخر سلم دلالي، والمشكلة كما أشرت تنبع من استخدام كلمة الآخر، فعندما تقول الآخر لا تصبح قادرا على ضبط مصطلحك ضمن حدود الخطاب الذي تطرحه، لأن القراء سيفسرون الآخر حسب محمولاتهم الذهنية.

المشهد الشعري

رأيت في كتابك "النقد الثقافي" أن التلقي ساهم كثيرا في صياغة الشاعر كيف تقرأ المشهد الشعري العربي الراهن؟

الغذامي: الزمن لم يعد زمن الشعر، ويمكنني القول إن موت محمود درويش ختم الحقبة الشعرية العربية، وكان آخر الرمق في ثقافتنا الشعرية، مع أنني لا أصنفه على تصنيف خاص بالشعر، وقد عبرت عن ذلك في مقالة أسميتها درويش ناثر وليس شاعرا، وبرأيي فانه يكتب نوعا من الخطاب الذي هو فوق شروط الشعر والنثر، خطابا ثقافيا معرفيا والناس الذين كانوا يذهبون لسماعه ليسوا هم جمهور الشعر ولا هم جمهور المتعة والموسيقى، إنه جمهور كان يذهب إليه ليدخل في تجربة روحية ونفسية خاصة.

أدونيس مجرد حرفنة شعر، وهو منذ ظهر اسما في الثقافة العربية وهو يكتب شعرا بالعيوب إياها
أعتقد أننا نقلل كثيرا من شأن درويش حين نقول إنه شاعر، لأننا نوازن بينه وبين أدونيس وسميح القاسم والجواهري، ودرويش لا يوازن مع كل هؤلاء، يظلمون هم، ونخطئ نحن في تصنيفه، فهو ظاهرة ثقافية خاصة بذاتها.

ماذا عن أدونيس؟

الغذامي: أدونيس مجرد حرفنة شعر، وهو منذ ظهر اسما في الثقافة العربية وهو يكتب شعرا بالعيوب إياها، الشاعر الفحل القديم، لكنه جاء فقط بصيغ شكلية سواء في قصائده النثرية أو شعر التفعيلة، ومنذ مهيار الدمشقي إلى آخر ما كتبه وهو يكرس صورة الشاعر الفحل التقليدي الذي لبس لبسا حداثيا.

المصدر : الجزيرة