د. فيصل دراج

الأحداث الكبيرة الجارية في العالم العربي، كما تجلّت في تونس ومصر وليبيا، تطرح في علاقتها بالمثقف العربي أسئلة ثلاثة على الأقل: هل كان للمثقف دور بارز في هذه الأحداث؟ وما هي الأسباب التي جعلت دوره محدودًا؟ وهل يشكل المثقف العربي اليوم امتدادًا للمثقف النقدي الذي ولد مع بداية القرن العشرين؟

قد يكون في التحولات الاجتماعية والسياسية ما نقل، موضوعيا، المثقف من وضع إلى آخر، دون أن يمنع ذلك من طرح الأسئلة السابقة، ذلك أن أحلام النهضة العربية ظلّت صحيحة ومشروعة، من ناحية، وبقيت خارج مجال التحقق من ناحية أخرى، بل إن ما جرى في العالم العربي يخالف كليًّا أحلام النهضويين، الذين قالوا بالتقدم والحرية والمساواة والالتحاق بالحضارة الكونية.

جاء المثقف العربي الحديث، الذي انفتح على الشأن العام وتطلع إلى مستقبل أفضل، من صراعه مع "الكاتب التقليدي"، الذي يمتثل لمطالب السلطة، ويعمل على تثبيت وتسويغ زمنها، الذي يلقي بالزمن الاجتماعية خارجًا.

ولهذا دعا رفاعة الطهطاوي إلى العدالة وتعليم البنات وقال بحقوق المواطنة، محافظًا على تمسك نزيه بالتعاليم الإسلامية. وندّد عبد الرحمن الكواكبي في كتابه الشهير "طبائع الاستبداد" بالحاكم المتسلّط، الذي يحوّل الشعب إلى رعية صاغرة، ليس لها من الحقوق إلاّ الانصياع لمشيئة الحاكم والتصفيق لكلماته، التي تدّعي الحق وليس فيها من الحق شيء. ورفض الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية، تهمة التكفير، معترفًا بالإنسان وبعقله، وبحقه في الاجتهاد والاختلاف والانفتاح على ثقافة غير المسلمين.

مع ظهور طه حسين أخذ المثقف العربي المستنير شكله الأكثر وضوحا وطموحا، فلم يكتفِ بالدعوة إلى مبادئ الحرية وتناول الماضي البعيد بمنظور نقدي، بل قدّم اقتراحا لإعادة صياغة المجتمع والدولة، بما يقلّل من المسافة الشاسعة بين المجتمع العربي والمجتمعات المتقدمة
إعادة صياغة
ومع ظهور طه حسين أخذ المثقف العربي المستنير شكله الأكثر وضوحًا وطموحًا، فلم يكتفِ بالدعوة إلى مبادئ الحرية وتناول الماضي البعيد بمنظور نقدي، بل قدّم اقتراحًا لإعادة صياغة المجتمع والدولة، بما يقلّل من المسافة الشاسعة بين المجتمع العربي والمجتمعات المتقدمة. وواقع الأمر أن طه حسين ومجايليه لم يقعوا في التبشير المجرد، فقد تعاملوا مع المجتمع في حاجاته المشخصة، التي تضمنت المدرسة وقضايا المرأة ودولة القانون والانتقال من المجتمع الزراعي إلى المجتمع الصناعي... تحدث المثقف المستنير، في أطيافه المختلفة، عن التقدم وضرورته، لكنه تحدّث أولاً عن الوسائل الموضوعية التي تستولد التقدم، ولو بقدر.

غير أن التحولات العالمية، كما عمّقت التخلّف العربي ربما، أوجدت مثقفا آخر، أفقر بصيرة وأوسع طموحا، يمكن أن يدعى: المثقف الأيديولوجي الذي استعاض عن مفهوم التقدم بكلمة الثورة، وبالغ في حماسه واندفاعه، فرأى المستقبل قبل أن يعترف بالحاضر. لم يكن ذلك المثقف الجديد، الذي تأبّط بدوره قيم التنوير، إلا المثقف الحالم بقومية عربية منجزة تحقّق، سريعًا، الوحدة العربية وتنشر أضواء الحضارة العربية الموعودة في كل مكان.

وإلى جانب هذا المثقف كان هناك آخر لا يختلف عنه كثيرا هو المثقف الحالم بالثورة الاشتراكية والمبادئ الأممية، اعتمادًا على عقيدة تظن أنها تساوي العلم في دقته ولا مجال فيها للخطأ. ومع أنه من السهل الآن نقد هذين الشكلين من المثقفين، أي القومي والاشتراكي، نقدًا كاسحًا، فقد كان في أحلامهم الكثير من البراءة والصدق والنزاهة، مس ذلك المربي الكبير ساطع الحصري، أو مثقفا لبنانيا لامعًا مثل رئيف خوري.

وإذا كانت مأساة المثقف المستنير تعود إلى غياب الدولة الوطنية القادرة على ترجمة طموحه، فإن مأساة المثقف الأيديولوجي جاءت من ولادة "الدولة الوطنية"، التي نصّبت ذاتها مثقف وحيدا لا يحتاج إلى المثقفين وأفكارهم، ويرى فيهم وجودا متطاولاً جديرا بالاقتلاع والمطاردة. فقد نصر عبد الناصر الثقافة وهزم المثقفين، إلى أن جاءت هزيمة حزيران عام 1967 لتعلن عن نهاية المشروع التنويري، في أشكاله المختلفة، فاتحة الطريق لمشروع أيديولوجي جديد يتطيّر من كلمات الحرية والمستقبل والثقافة الكونية...

ولعل هزيمة التنوير العربي، في وجوهه كلها، هي التي أوْهنت مواقع المثقف النقدي، الذي رأى في الثقافة ملكية عامة، تنقد المجتمع وتقترح أفقا اجتماعيا، ومهّدت الطريق لظهور مثقف جديد: المثقف المختص، أو المثقف الاحترافي بلغة إدوارد سعيد، الذي عرف صعودا مدويا، ابتداء من منتصف سبعينيات القرن الماضي. انصرف القادم الجديد إلى قضايا "النص"، يشرحه من داخله ولا يضيف إليه شيئا، متجنّبًا السياسي ومحذارًا الاجتماعي ومبتعدًا البعد كله عمّا يمس السلطة السياسية وقضاياها.

"الحياد الأيديولوجي"
وإذا كان في هذا "الحياد الأيديولوجي"، الذي ليس حيادا، ما أعطى مثقف الاختصاص حرية واسعة، فقد كان لديه عنصران آخرن يوطدان موقعه : أولهما: القول بالعلم ورفض الأيديولوجيا، اعتمادا على كلمة كبيرة مستوردة هي: الأبستمولوجيا -رحم الله محمد عابد الجابري- وثانيهما اعتبار الفكر السابق عليهما فكرا تقليديا ولّى زمانه، أمام منظر علمي يغيّر تاريخ المعرفة.

أنجز المثقف الاحترافي، بأشكال متفاوتة، ثلاثة أمور، لا ينقصها الارتباك أحيانا، تمثلت في انسحاب المثقف من الشأن العام، ما دام منصرفًا إلى النص وإقامة الفرق بين العلم والأيديولوجيا، وتأكيد أن الثقافة ملكية خاصة، يستطيع صاحبها أن يتصرّف بها كما يشاء، بيعًا ومقايضة وتبادلاً، والقول بالنخبة الثقافية التي توازي النخبة السلطوية
أنجز المثقف الاحترافي، بأشكال متفاوتة، ثلاثة أمور، لا ينقصها الارتباك أحيانا، تمثلت في انسحاب المثقف من الشأن العام، ما دام منصرفا إلى النص وإقامة الفرق بين العلم والأيديولوجيا، وتأكيد أن الثقافة ملكية خاصة، يستطيع صاحبها أن يتصرّف فيها كما يشاء، بيعًا ومقايضة وتبادلاً، والقول بالنخبة الثقافية التي توازي النخبة السلطوية، سواء تقاطعت الأولى مع الثانية في أكثر من مناسبة، أو اكتفت بالحياء المفترض.

ولعل وَهْم التوازي بين النخبتين هو ما أطلق، ذات مرة، تعبيرًا لا يثير الإعجاب كثيرًا هو: سلطة الكلمة، الذي يعتبر صاحب الكلمة، ضمنًا، إنسانًا له سلطة خاصة به، وإن كانت سلطة ينقصها الحرس والجهاز الأمني وفرسان الرقابة.

وبما أن كل ما يتغيّر يزداد تغيّرًا، وفقًا للتحولات السياسية والاجتماعية، فقد كان على مثقف الاختصاص أن يدخل، لاحقًا، مرحلة جديدة هي: ثقافة السوق، حيث شأن المثقف مما يبيع ويشتري، أو سوق الثقافة، التي تأمر المثقف أن يستولد بضائع جديدة تلبي حاجات السوق المتغيّرة، مس ذلك الدين أو الجنس أو التراث، ما دام على "المتعلّم" أن ينصاع إلى "حكمة السوق" لا إلى فصاحة الكتب. وزاد الأمر اضطرابًا صعود طقوس الجوائز والمؤتمرات الكثيرة ولجان التحكيم، الجاد منها والفقير، وسطوة أجهزة الإعلام، التي تستولد النجومية أو تقضي بالاعتكاف والهامشية.

وإذا كان بعض أجهزة الإعلام، قد لعب دورًا نقديا وتحريضيا، يكشف عن الحقائق ويفضح الأباطيل، فقد كان في بعضها ما حوّل المثقف إلى سلعة، ذلك أن عليه أن يبدأ قوله بعد فاصل إعلاني، وأن يستكمله بعد إعلان تجاري وأن يكون قوله، أحيانا، شكلاً من أشكال الإعلان.

لا غرابة أن "تتنج ثقافة السوق"، التي تقول بالربح والمردود والريع شكلاً خاصًّا من "مثقفي الاختصاص"، لا يعنيه احتلال العراق في شيء، ولا يقترب أبدًا من نار القضية الفلسطينية، ولا يميّز بين نظام سياسي وآخر، بعد أن قرّر أن يكون: "خارج السلطات" جميعا، وأن ينصرف إلى "العلم المحض" المفترض، الذي يحوّل أميركا إلى جغرافيا والعراق إلى قصة قصيرة أو قصيدة، ولا يرى من فلسطين إلا محمود درويش، بعد أن يطبق عليه "قراءة بنيوية".

فرق شاسع
اتكاء على هذه التحويلات يبدو الفرق شاسعا، وشاسعا جدا، بين المثقف العربي النهضوي، الذي اقترح مشاريع اجتماعية وطنية متعددة، والمثقف العربي في نهاية القرن العشرين، الذي ابتعد عن هذه المشاريع جميعا واكتفى، بـ"نظريات القراءة"، أو بقول وسطي يرضي الحداثة والتراث، وتقبل به النخبة و"العوام"، ولا يضير السلطات الفاسدة والمستبدة في شيء.

وإذا كان المثقف العربي اليوم، كمثقف الأمس القريب، الذي صعد في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، يستطيع أن ينقد الفكر النهضوي كما يشاء، فإنه لن يستطيع أبدا، إن كان نزيها، إلا الاعتراف بأنَّ ما تطلع إليه التنوير العربي كان مشروعا وصحيحا، وأن الوضع العربي اليوم يقضي بفكر نهضوي جديد، يستلهم ما كان ويصححه، وينقد ما كان ويضيف إليه جديدا، أفصحت عنه تجارب المجتمعات العربية.

ربما يكون في الوقائع الجارية الآن في العالم العربي، مهما تكن آفاقها، ما يضيء "المآل الأخير" للمثقف العربي، باستثناء قلة محدودة، ذلك أن هذه الوقائع انبثقت من "المجتمع" وحده، وجاءت من حاجاته، بدءًا من الخبز ووصولاً إلى الشعور بالكرامة، وصدرت عن الغضب المتراكم فيه، وانفجرت مدفوعة بحرمان واسع متعدد الأبعاد. أظهرت هذه الوقائع أن على المثقف أن يتأمل الحاجات اليومية للمحرومين، بعيدًا عن النظريات المجردة والثقافة الكتبية، وأن عليه أن يتعلم من الشعب وأن يتخلى عن ذلك الوهم القديم الذي يفترض أن دور المثقف تعليم الشعب، وأنه قائده الذي يسير به إلى مواقع الأمان.

يحيل الأمر، في الحالات جميعا، إلى المسافة التقليدية، التي تضع المتعلّم فوق غير المتعلّم، وصاحب اللقب الأكاديمي فوق الذي لا يملكه، وتضع الناطق بلغة متماسكة مزخرفة فوق إنسان لا يحس إلا العامية. إن العمل على محو هذه المسافة، كالانطلاق من حاجات البشر لا من "فلسفة الكتب"، هو الذي يجعل المتعلّم مثقفا، ويجعل غير المتعلم مثقفا أيضا، طالما أن البشر جميعا يمتلكون حظوظا من العقل متساوية.

المصدر : الجزيرة