محمود منير

في عزلته الأخيرة، يضمه بيت صغير، وأصدقاء لا يتجاوزون عدد اليد الواحدة يلتقيهم في أوقات متباعدة، يعيش الشاعر العراقي مظفر النواب مريضا في بيته الكائن في مشروع دمر إحدى ضواحي العاصمة السورية.

لم تكن السنوات الثماني الماضية سهلة على مظفر النواب في منفاه، إذ أبدى تأييده لسقوط نظام صدام حسين على يد قوات التحالف الدولي بزعامة أميركية، ما اضطر كثيرين لمقارنة موقفه بموقف الشاعر العراقي سعدي يوسف الذي أعلن تأييده للمقاومة العراقية رغم معارضته للنظام العراقي السابق أيضا.

"الديكتاتور" الذي استحوذ على حياة الشاعر وهواجسه أربك النواب بسقوطه، سواء بتوقيته أو كيفيته، حال النواب وهو من يمتلك روح طفل سريعة الاشتعال نزقا أو فرحا، فأعلن تأييده لسقوط "الطاغية".

وظهر على شاشات الفضائيات العراقية والعالمية، وهو يدلي بصوته في الانتخابات العراقية، وأعاد التأكيد على موقفه المناصر للعملية السياسية في "عراق ما بعد الاحتلال".

وقال في إحدى مقابلاته الصحفية "أنا مع الانتخابات العراقية الأخيرة، ومن عنده طريقة أخرى فلينصحنا بها، أما أن نطلب من العراقيين حمل السلاح في هذا الوقت بالذات فهذا أمر مضحك، إن المقاومة في مثل هذه الظروف هي ضرب من الخيال، لا بد أن نحرص على سلامة كل العراقيين وأن لا نقدّمهم إلى "المفرمة" بتعلة المقاومة".

غلاف الأعمال الكاملة لمظفر النواب
عرض رسمي
وبدأت وسائل الإعلام العراقية "تطبل" و"تزمر" لعودته إلى وطنه بعد غياب دام أكثر من نصف قرن، مشيرة إلى قرب عودته حتى إنهم نسبوا له قصائد شعبية تتحدث عن حنينه ورغبته في العودة إلى وطنه، وتضمنت تلك الأشعار مقارنة بين "البقلاوة" السورية و"البقلاوة" البغدادية، حيث قال "شقد ذقت بقلاوة مال الشام.. مثلك يا شغل بغداد ما لقيت".

لكن صاحب "وتريات ليلية" لم يستقر على حاله، فأعلن رفضه العودة إلى بلده المحتل، حيث نشرت صحيفة "القدس العربي" اللندنية، قبل أقل من سنتين، تصريحات نسبت إليه يرفض فيها عرضا من رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بمغادرة دمشق والرجوع إلى العراق على متن طائرة خاصة, مؤكدا ارتياحه بالإقامة في دمشق.

ولفت أصدقاء مقربون من الشاعر إلى أنه لم يوافق على عرض من الرئاسة العراقية بمنحه جواز سفر عراقيا دبلوماسيا، معترضا نيله وثيقة تصدرها سلطة تعيش تحت الاحتلال، رغم تقدمه بالسن، وهو الذي جاوز الـ77 من عمره، وعدم قدرته على عيشه بمفرده، إذ يساعده طالب جامعي سوري قرر الإقامة معه والإشراف على رعايته.

عزلة الشاعر
50 عاما من المنافي، تفرض الأسئلة في اتجاهين، الأول حول زهد النواب وعدم اكتراثه بتكريس حضوره الشعري والشخصي، بعد أن ضاع كثير من شعره بسبب عدم تدوينه، وعدم اعتراف الموسوعات والأنطولوجيات الشعرية العربية بتجربته الاستثنائية، واعتراضه الدائم لتخليد سيرة حياته في فيلم سينمائي، حيث لم يلب مؤخرا رغبة الشاعر والمخرج السوري علي سفر والكاتب السوري إبراهيم الجبين بإنتاج شريط وثائقي حول تجربته، وكان قد رفض عرضا مماثلا من القناة الفرنسية الخامسة قبل عشر سنوات.

صاحب "وطني علمني كل الأشياء" ارتضى أن يراكم عزلة على عزلة، وأن تظل قصيدته "رحيل" معنى صريحا لخلاصة تجربته، إذ يقول فيها: "مضت السنين بدون معنى/ يا ضياعي/ تعصف الصحرا وقد ضل الدليل/ لم يبق لي من صحب قافلتي سوى ظلي/ وأخشى أن يفارقني/ وإن بقي القليل/ هل كان عدلا أن يطول بي السُّرى/ وتظلُّ تنأى أيها الوطن الرحيل/ كأن قصدي المستحيل".

لفت أصدقاء مقربون من الشاعر أنه لم يوافق على عرض من الرئاسة العراقية بمنحه جواز سفر عراقيا دبلوماسيا، معترضا نيله وثيقة تصدرها سلطة تعيش تحت الاحتلال
غياب الجماهير بفعل يأسهم أو فرط غضبهم، ربما دفع إلى تغييب الشاعر بداعي "حرده" على مريديه أو بسبب إحساسه بالوحشة والبرد بسبب عزلته كما عبر ذات في يوم قصيدته "في الحانة القديمة" التي يقول فيها "أنا يقتلني نصف الدفء.. ونصف الموقف أكثر".

الغمز من قناته لم يتوقف، بعضهم أشار إلى أن النواب يتأثر بمجريات الأحداث ولا يستطيع التأثير فيها، حيث أقام عدة أمسيات أثناء الانتفاضة الفلسطينية الثانية يملؤه الحماس والإحساس بقرب التغيير، وألف قصائد خاصة بالانتفاضة، فرسم مشهد استشهاد الطفل الفلسطيني محمد الدرة قائلا "قد أذن الدم الذكي/ أن محمد الدرة من يؤمكم/ فيا رجال/ يا رجال/ وحدوا الصفوف خلفه/ حي على السلاح".

يضاف إلى ذلك ابتهاجه برحيل النظام العراقي، حيث أقام عدة أمسيات كان منها واحدة في مدينة أبو ظبي في العام 2005، وأشار بعض الكتّاب إلى حذف مظفر النوّاب بعض المقاطع من قصيدته "القدس عروس عروبتكم"، ما عدّوه تغييرا في مواقفه المعروفة.

محطة أخيرة
منذ اختياره دمشق للإقامة فيها نهاية التسعينيات من القرن الماضي، بدأت عزلة النواب تتسع، اكتفى بداية بالجلوس في مقهى الهافانا، بشارع 29 أيار، مرتين أو ثلاثا أسبوعيا، ثم أصبحت مرة يتيمة، ليعتزل منذ ثلاث سنوات وأكثر في بيته الذي لا يفارقه إلا ليلتقي القليل من الأصدقاء في أوقات متباعدة.

لم تتوقف الإشاعات حول تلك الإقامة المديدة، بعضهم قارنها بالإقامة العابرة للشاعر الراحل محمد مهدي الجواهري في الشام، مذكرين أن مليون دولار منحت له عن قصيدة واحدة امتدح فيها الرئيس الراحل حافظ الأسد، وعن إقامة فارهة لم تهيئ لصاحب "الرحلات القصيّة" الذي ارتضى المقام في منزل متواضع، واختلفت الأقاويل حول مخصصاته الشهرية من النظام السوري، إذ ألمح بعضهم أنها تقدر بستمائة دولار أميركي.

محبو النواب يعترضون على مقارنته بالجواهري، مؤكدين أنه لم يمنح مضيفيه أكثر مما قدّموه له، فهو لم ينظم قصائد مديح لـ"أصحاب الدار"، واكتفى بالظهور مرة يتيمة على الفضائية السورية ليرثي حافظ الأسد بعد رحيله، ونثر بضع كلمات تقديرا له.

غياب الجماهير بفعل يأسهم أو فرط غضبهم، ربما دفع إلى تغييب الشاعر بداعي "حرده" على مريديه أو بسبب إحساسه بالوحشة والبرد بسبب عزلته
أحد أساتذة جامعة دمشق، وهو مقرب من الرئيس السوري بشار الأسد، توسط للنواب للحصول على الجنسية السورية قبل أربع سنوات، كنوع من التقدير لشخصه إضافة لما أشيع حول المشاكل التي يتعرض لها كونه لا يحمل أي وثيقة سفر.

النواب الذي أبدى موافقته المبدئية سرعان ما عارض الأمر بمجرد نشر الخبر في إحدى الصحف العربية، إذ انطلقت موجة غضب عارم، على شبكة الإنترنت، قادها عراقيون رأوا في "تجنيس" شاعرهم إهانة وطنية لهم.

نزق قديم
لم يستسلم النواب لقدره "الدمشقي"، فحافظ على نزقه كما عهده بالجزائر قبل 30 عاما، حينما رفض عناية الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين به حد وضعه تحت "الإقامة الجبرية"، مفضلا الاشتباك مع الناس والنزول إلى أحياء الجزائر الشعبية.

حديث الجزائر يتصل بالشام، فأثناء حصار الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، أقيم قرب ساحة عرنوس في دمشق مهرجان لدعم الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وعندما أطل مظفر النواب بين جماهيره بدا غاضبا يطلق الشتائم على رجال الأمن الذين غيروا المكان قبل انطلاقة المهرجان بعدة ساعات واستبدلوا منه ساحة أخرى، ما أحدث التباسا لدى بعض الجماهير فلم يتمكنوا من الحضور، وهو موقف لا ينفصم عن رؤية الشاعر الذي أثقله المرض ولم يشف من تمرده بعد!

المصدر : الجزيرة