القذافي كاتبا.. القسوة وتحقير البشر
آخر تحديث: 2011/3/2 الساعة 13:56 (مكة المكرمة) الموافق 1432/3/28 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/3/2 الساعة 13:56 (مكة المكرمة) الموافق 1432/3/28 هـ

القذافي كاتبا.. القسوة وتحقير البشر

غلاف المجموعة القصصية للقذافي "القرية القرية، الأرض الأرض، وانتحار رائد الفضاء"
 (الجزيرة نت)

محمود منير
 
هجاء القذافي للمدينة وأدوات سلطتها المعرفية والمادية في المجموعة القصصية اليتيمة "القرية القرية، الأرض الأرض، وانتحار رائد الفضاء"، التي صدرت عن دار الريس عام 1995، يستند إلى مقولة واحدة: أنا البدويّ الأمّي مخلصكم الأوحد.

"الفرار إلى جهنم"، إحدى أبرز قصص المجموعة، تبتدئ بتعبيرات مباشرة تنتقد "قسوة البشر عندما يطغون جماعياً"، وتشير إلى أن "طغيان الفرد" هو أهون أنواع الطغيان، إذ "تزيله الجماعة، ويزيله حتى فرد تافه بوسيلة ما"، وكأن العقيد الليبي يقرأ نهايته بعد حكم دام 42 سنة.

غير أن تهويمات القذافي تعبر عن مخاوفه التي لا تنتهي، عندما يرى الجموع تصفق له، فهو يراها -في الوقت نفسه- تطرق في وجهه بغضب، مستذكراً طغاة وزعماء منذ "هانيبال" وحتى "نيكسون" عطفت عليهم جماهيرهم، ثم عادت وتخلصت منهم، فكيف له وهو "البدوي الفقير التائه" أن يطمع بـ"مدينة عصرية مجنونة".

وخوفاً من أن تنهشه تلك المدينة فضّل عليها "اللا نظام" الذي بشّر به، لكن مخاوف جديدة تنامت لديه فقرر "الفرار" إلى جهنم.

يشكو القذافي مطالب "البدو" الذين يحكمهم، في نصّه، فهم يريدون أن "يرصف طريقاً في البحر"، و"يزرع حديقة"، و"يصطاد حوتاً"، و"يعقد القران"، و"يقتل الكلاب"، و"يشتري القطط".
 
القذافي توعد بمطاردة مناوئيه بيتا بيتا  (الجزيرة)
البدو والعصا
وفي وصفه للبدو -الذين ينتمي إليهم لكنه يختلف عنهم لأنه "امتلك عصا موسى" ويستطيع عمل المنجزات- يبدي تعاليا واضحاً تجاههم، لكنه لا يمكنه تجاهل "البشارة" التي أوتي بها ليخلّصهم، بوصفه "فاعل خير قادما من الصحراء".

مرة أخرى، تتأكد فرضية "المخلّص" عندما ينظر القذافي، في سرده، إلى كل الأفعال والسلوكيات التي تعجبه لدى بعض الشخصيات لكونها "مؤامرة" تحاك ضده، وهو الذي أفنى حياته من أجل هؤلاء المتآمرين، في مقابلة واضحة مع خطاباته التي ألقاها منذ اندلاع ثورة 17 فبراير.

ثم يروي القذافي في مجموعته القصصية فراره إلى جهنم، التي زارها مرتين، مؤكداً أنها قصة واقعية وليست من صنع الخيال، وأن جهنمه أحلى من "المدينة"، غير أنه عاتب على من رده إلى المدينة، في إشارة إلى عدم قدرة شعبها على التخلي عنه.

استعارة جهنم في قصته الشهيرة، تشبه الرسالة الافتراضية في نهاية "متخيلة" لحياته، بالعودة إلى مسقط رأسه وهي قرية تدعى "جهنم" قرب مدينة سرت، فالقذافي عبّر عن رغبته في الخلاص مما طرأ عليه من "تشوّهات المدينة"، غير أن إصرار الشعب على الرجوع عن قراره هو ما يجعله يرضى بـ"حكمهم".

"البرزخية" التي يحياها ابن "جهنم"، الذي قاد انقلاباً ضد الملك السنوسي عام 1969، تحتاج إلى دراسة نفسية لطفولته التي تروّج عنها الشائعات حول فرار أمه مع زوجها محمد منيار مع ابنها معمر الذي أنجبته من زوج آخر، ليحمل نسباً غير نسبه حتى آخر حياته، حسب ما يشاع.
 
"
قدرة القذافي الاستثنائية في الكشف عن سبب "تحقير" المستبدين للمستضعفين، تعكس اعتقاده بشخصيته كـ"منقذ"، ومقولته في النهاية هي نوع من التحريض، وهو ما مارسه طوال حياته أسلوباً في اجتذاب الجماهير لـ"ثورته"
"
التباس وهوية
"التباس" هوية معمر القذافي بين أبوين، إضافة إلى الشائعة التي تتحدث عن إخفائه لـ"يهوديته"، قد يرتبط بتشكل شخصيته بتعبيراتها المتعددة بوصفه: قائد ثورة، زعيماً، منظراً، وكاتباً، ثم "بدوياً أمياً مخلصاً".

عند هذه النقطة يمكن أن نفهم لماذا لم يستطع القذافي أن يرى حقيقة الثورة التي قام بها الليبيون ضده، بل إنه هو من يقود الثورة اليوم، كما قادها قبل 42 عاماً، لكن ثورته الأولى هي على "طغيان الفرد" ممثلاً بالسنوسي، كما رأى، والثانية على "طغيان الجموع" متجسدة بالشعب الليبي.

وفي قصة "ملعونة عائلة يعقوب، ومباركة أيتها القافلة"، يسرد القذافي الصفحات ليقول إن عائلة النبي يعقوب ملعونة بسبب تآمرها على النبي يوسف، وإن القافلة التي نجته من غياهب الجب مباركة!، وكأنه يقدّم قراءة جديدة حول "أبناء يعقوب"!.

بأسلوبه الخطابي الإنشائي، لم يترك القذافي في هذا الكتاب شتيمة إلاّ وضمنها في حديثه عن "إخوة يوسف"، وهو يعبر عن امتنانه للنص القرآني الذي كشف "الخديعة" التي وقع فيها الناس باحترام عائلة يعقوب.

ترميز القذافي بأن القافلة تمثل البشرية، بينما العائلة تجسد "دولة إسرائيل" -كما كتب أكاديميون ومثقفون في قراءاتهم التي لا تنتهي حول القصة- يبدو متناقضا تماماً مع دعوته بعد عقد من الزمن إلى دولة "إسراطين" في خطابه الشهير.

"دولة الحقراء"
كما في "الكتاب الأخضر"، لا يتخلى القذافي عن ضمير المتكلم في مجموعته القصصية وفي كتابه "تحيا دولة الحقراء"، غير راضٍ بـ"تعدد الأصوات" حتى فيما يسميه "إبداعاً".

"تحيا دولة الحقراء" نص طويل يرى فيه أن "الحقراء" حظوا بهذا الاسم لأنهم "فقراء.. ومساكين وسذج وبلهاء، لا يجيدون الرقص المؤجر والتمثيل والرياء، ولأنهم أجبروا -لكي يبقوا على قيد الحياة- على أن يرقصوا بلا حياء، وأن يغنوا كالببغاء، وأن يمثلوا دور الشياطين في ثياب الأتقياء".

إيمانه بـ"الحقراء" ينقلب في نهاية النص ليخاطبهم بقوله "كنتم ترتضون التحقير لأن مقاومته ليست من الأمور التي تسهل حياتكم مع محقريكم".

قدرة القذافي الاستثنائية في الكشف عن سبب "تحقير" المستبدين للمستضعفين، تعكس اعتقاده بشخصيته كـ"منقذ"، ومقولته في النهاية هي نوع من التحريض، وهو ما مارسه طوال حياته أسلوباً في اجتذاب الجماهير لـ"ثورته".
المصدر : الجزيرة

التعليقات