يوسف ضمرة 
 
مع هبوب رياح الثورات والاحتجاجات الشعبية على امتداد مناطق واسعة من العالم العربي، صار لزاما علينا أن نحاول قراءة بعض التفاصيل المتعلقة بالثقافة المحركة، والهوية، والعنف، وما إلى ذلك.

فالأوليغارشية (حكم الأقلية بحسب التعريف التقليدي) ليست حكرا على سلطة بيد حفنة قليلة من الحكام وذوي رأس المال، تدير دولة كاملة وتتحكم فيها وفي مصائر أبنائها، وإنما هي ثقافة تمتد لتشمل الأحزاب والطوائف والعرقيات والإثنيات والمذاهب والأديان والقوميات.

وبهذا المفهوم، فإن الثقافة الأوليغارشية هي ثقافة فوقية، تقوم على تنحية الهويات الجوهرية لمجموعات من الناس، وإعلاء هويات أخرى للقيام بوظيفة واحدة، تتمثل في خدمة الفئة الأوليغارشية الصغيرة.

ويقول الكاتب أمارتيا صن -في كتابه "الهوية والعنف"- إن التحريض على العنف يحدث بفرض هويات مفردة انعزالية وعدوانية، يناصرها ويؤيدها محترفون بارعون لإرهاب أناس بسطاء وساذجين.

يتم اختزال الهويات المتعددة في المجتمع، لصالح هويات لها مخزون عاطفي دفين وقوي، يمكن استنهاضه بسهولة باستغلال حدث أو أحداث ووقائع عادية تحدث في كل مكان، ولكن الأوليغارشية قادرة على استغلال هذه الوقائع -بصرف النظر عن تقييمها سلبا أو إيجابا- لإذكاء الهوية الدينية أو العرقية أو المذهبية.
 
"
الثقافة الأوليغارشية هي ثقافة فوقية، تقوم على تنحية الهويات الجوهرية لمجموعات من الناس، وإعلاء هويات أخرى للقيام بوظيفة واحدة تتمثل في خدمة الفئة الأوليغارشية الصغيرة
"
صورة العدو
وبالعودة إلى الكاتب أمارتيا صن فقد أورد أمثلة من رواندا ويوغسلافيا، حيث صارت "التوتسية والهوتية" انتماءً أكثر أهمية من الانتماء الجمعي، حيث الكيان الكلي يجمع القبيلتين. وكذلك الحال في يوغسلافيا، حيث أصبح هنالك من يقول إنه صربي، وآخر بوسني وما إلى ذلك. ويتطلب الأمر تصوير كل ما عداك عدوا.
 
وتسويق هذه الصورة بوصفها صورة نقية ولها جذور أصيلة راسخة. ولكي تحافظ على هويتك التي يجري تضخيمها وتعظيمها، فإن السلطة الأوليغارشية مضطرة للاستعانة برموز ملائمة في الجماعة، كرجال الدين والفكر والفن. وينطبق الأمر في الوقت نفسه على الطرف الآخر. الأمر الذي لا بد من أنه سيؤدي إلى إذكاء روح العنف والحقد.

لقد مررنا في العالم العربي -ولا نزال حتى اليوم- بما يسمى اختزال الهويات. فعلى سبيل المثال، نجد في بلد مثل لبنان أكثر الناس فقرا وانسحاقا يقدمون أنفسهم وقودا لزعماء الطوائف والمذاهب، القابضين على مقاليد الطائفة ذاتها من جهة، والمزودين بهذه الهوية الطائفية للوصول إلى الحكم وفرض النفوذ والهيمنة، بالتعاون مع قلة من ذوي رأس المال.

وفي ظل تصعيد هذه الهويات الطائفية والمذهبية، تتراجع الهويات الحقيقية لهؤلاء الناس، لأنها هويات عابرة للطوائف في الأصل، حيث هنالك الهوية الطبقية والمهنية والتعليمية وما إلى ذلك.

وتراجع هذه الهويات يعني بالضرورة تنحية الصراع الطبقي مثلا في مجتمعات تعج بالمسحوقين والبرجوازيين والإقطاع. ومع هذا التراجع، تصبح سيطرة فئة قليلة على الحكم، متحالفة مع فئة قليلة أخرى من رؤوس الأموال، أكثر سهولة ويسرا.
 
تشويه الهويات
ولكي تحافظ هذه السلطة الأوليغارشية على وجودها وديمومتها، فإنها تظل معنية بتشويه الهويات واختزالها وتهميشها وتنمية بعضها، بما يخدم أكبر قدر ممكن من التصادم التحتي في المجتمع، أي بعيدا عن السلطة الفوقية، فتنشأ الصراعات الطائفية كما كانت عليه الحال في مصر بين المسلمين والأقباط، وكما هي الحال بين السنة والشيعة في لبنان، بالرغم من أن الهوية الطبقية أكثر فاعلية، وأقدر تحديدا لمصائر هذه الجماعات، من الهوية الدينية أو الطائفية والعرقية.
 
"
مع الإعلاء من شأن الهويات المضادة، تتفرغ السلطة الأوليغارشية لنهب ثروات الجماعات المخدوعة
"
ومع الإعلاء من شأن الهويات المضادة، تتفرغ السلطة الأوليغارشية لنهب ثروات هذه الجماعات المخدوعة. ولكن هذه السلطة لا تطمئن فقط إلى صراع الهوية المولد للعنف بين الجماعات، حيث تدرك أن الهوية الجوهرية والفاعلة في الجماعات، قد تطل برأسها من دون إنذار مسبق، ومن دون إذن، وفقا لعوامل موضوعية وذاتية.

هذا الإدراك من السلطة الأوليغارشية يدفعها إلى تكوين دوائر حماية تتوسع وفقا لابتعادها عن المركز. والدوائر الكبرى تتكون من الطبقة الوسطى وبعض المنتفعين من استقرار السلطة نفسها. وبمعنى آخر، فإن الأوليغارشية تعمل على توفير إجماع أو شبه إجماع وطني يمنحها شرعية البقاء في الحكم.
 
أمثلة عربية
فالنظام اللبناني كان ولا يزال منذ الاستقلال قائما على شبه إجماع وطني، توفره الهويات الطائفية والمذهبية. والنظام الجمهوري المصري ظل قائما على شبه إجماع وطني، وفرته الهوية الصهيونية المعادية إلى حين اغتيال السادات، ثم وفره الصراع القبطي الإسلامي بعد ذلك، من دون أن ننسى تكوين طبقة كبيرة من المنتفعين والمتنفذين، الذين كانت أجهزة الأمن واحدة من ركائزها الأساسية.

ولكن خطأ الأوليغارشية الدائم، يكمن في رؤيتها القاصرة لحركة التاريخ، وفي عدم تلمسها لدينامية التفاعل الاجتماعي، والحراك الداخلي العميق، وإن كان بطيئا في كثير من الأحيان.

وهذه الثقافة، القائمة على رؤية ضيقة أو قاصرة، لا تنتج في نهاية المطاف سوى ثقافة العنف بين الجماعات لفترة محددة. ولكن الهويات الجوهرية سرعان ما تبدأ العمل، وتعيد المجموعات البشرية إلى مواقعها، ليتحول العنف من عنف اجتماعي بين الجماعات والأفراد، إلى عنف أشد ضد السلطة الأوليغارشية، التي على مدار سنوات وجودها في الحكم، تظل تقترف الأخطاء وتراكمها، إلى أن تصبح سمة بارزة، يسهل الركون إليها للعودة إلى الهوية الحقيقية.

هذا ما حدث في مصر وتونس، وهو مرشح للحدوث في دول عربية أخرى، مع تفاوت في مستويات العنف، وفقا لعوامل أخرى، كالتحالفات الدولية والإقليمية، والمصالح الأجنبية والعائلية، وما إلى ذلك.

المصدر : الجزيرة