من العروض التي استضافتها مؤسسة ليئال دو سكاربيك في بلجيكا (الجزيرة نت-أرشيف)

عواد علي

رغم عراقة فن المسرح وعلاقته الوطيدة بجمهوره، لم تركز النظريات المسرحية والنقدية اهتمامها على طبيعة وقع العرض المسرحي وشدة أثره في المتلقي، أو على كيفية استقباله (استجابته) للظاهرة المسرحية، بالمستوى نفسه الذي ركزت به نظريات النقد وتياراته اهتمامها على طبيعة وقع الأدب وشدة أثره في القارئ، ودوره المتحرر من سطوة المؤلف والنص.

وإذا كانت منزلة المتلقي قد شهدت تغيرات عديدة منذ ظهور المسرح اليوناني قبل الميلاد، فإن التوجه الجاد إلى تقديم نظريات متطورة حول جمالية التلقي في المسرح لم يبرز إلا في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي حينما انتقلت بؤرة الاهتمام، بشكل لافت، إلى المتلقي، انطلاقا من أن وجوده حيوي بوصفه عنصرا نوعيا في سيرورة إنتاج العرض المسرحي وتأويله من خلال علاقة حوارية بينهما، كما هو حيوي وجود المؤلف المسرحي والممثل والمخرج، كي يوجد المسرح.

وقد تمثّل هذا التوجه بظهور مجموعة من الكتب والدراسات التي اهتمت بعملية التلقي وجمالياته، وعلاقة المتلقي بالعرض، وآلية عمله في المسرح، وتواصله مع المؤدين، والأدوار التي يقوم بها، وأنواع اللذة التي يحصل عليها من ممارسته لتلك الأدوار، وقراءة النصوص الدرامية، والعروض المسرحية بهدف تلمس إستراتيجيات التلقي الضمنية.

ومن أشهر تلك الكتب: مبادئ سوسيولوجيا الفرجة لريشار دو مارسي 1973، وكتاب: الدراما خشبة المسرح والجمهور لجون ل. ستاين 1975، ودراسة: سيميوطيقا العرض المسرحي لأمبرتو إيكو 1977، وكتاب: عالم المسرح لمؤلفيه الثلاثة جيرار وأوليه وريجول، وكتاب: مدرسة المتفرج لآن أو برسفيلد 1981، وكتاب: العرض والمسرحة لجوزيت فيرال 1982، ودراستا: تلقي النص، والعرض المسرحي 1982، والإرسال والتلقي في المسرح 1983 لباتريس بافيس، وكتاب: المسافة في المسرح.. جماليات استجابة الجمهور لدافنا بن تشايم 1984.

مشهد من إحدى المسرحيات المشاركة في  المهرجان الثالث للمسرح العربي في بيروت
(الجزيرة نت-أرشيف)
كتب نقدية
وكذلك كتاب: المتفرج في الدراما.. الدراما في المتفرج لأون شودهيري 1984، ودراسة: الانفعال والتأويل في تجربة المتفرج مع المسرح لماركو دي مارينيز 1987، وكتاب: المتفرج النسوي بوصفه ناقدا لجيل دولان 1988، وكتاب: جمهور المسرح.. نظرية الإنتاج والتلقي لسوزان بينيت، ودراسة: جماليات التلقي في المسرح لدينيس كالاندرا 1993، ودراسة: المؤدي والجمهور لجوليان هلتون 1993، وكتاب: الجمهور والإصرار لنانسي ماسون برادبوري 1997، وكتاب: شكسبير وتشيخوف في الإنتاج والتلقي لجون توللوتش 2005.

وظهرت، إلى جانب هذه الكتب والدراسات، مؤلفات عديدة بحثت في موضوع جمهور المسرح في إطار تاريخي، منها: جمهور المسرح الباريسي في القرنين السابع عشر والثامن عشر لجون لو 1972، والمسرح والدراما والجمهور في ألمانيا خلال عهد غوته لوالتر هوراس بروفورد، والمسارح والجمهور في القرن الثامن عشر لألردايس نيكول، وسايبل ماريون رانسفيلد 1985، وجمهور مسارح لندن من بوكنغهام إلى شريدان 1982، والمسرح الروماني وجمهوره لريتشارد سي. بياتشان 1992، ودراسات في مسؤولية الجمهور الأليزابيثي تجاه المسرح لهنك جراس 1993، والمسرح والأوبرا والجمهور في باريس الثورية لإيميت كيندي وآخرين 1996، والمرأة في المسرح الأميركي: الممثلات والجمهور: 1790-1870 لفايي ئي. دودن 1997.

وينبغي الاعتراف بأن جمالية التلقي في المسرح ما كان لها أن تحتل الموقع الذي باتت تحتله الآن في حقل النقد المسرحي، والأبحاث الأكاديمية المتمحورة حول المسرح بشكل عام، لولا الانقلاب الجذري الذي أحدثته جمالية التلقي، أو نظرية التلقي، في حقل النقد الأدبي والدراسات الأدبية، وهي مقاربة نقدية تقترح تركيز الاهتمام على تلقي القارئ (الناقد أو القارئ العادي) للأدب، وتمرّسه بالنص الأدبي وتأثره به، لا على الأدب في حد ذاته (جمالية الإنتاج)، كما تفعل المقاربة المحايثة التي تغلق النص على نفسه وترفض إحالته على أي شيء آخر عدا اشتغاله الداخلي، أو في حد مرجعية الأدب أو تاريخيته، كما تفعل المقاربة الخارجية.

مشهد من مسرحية فوضى لفرقة المسرح الجزائري (الجزيرة نت-أرشيف)
أنواع التلقي
إن القارئ في منظور جمالية التلقي ليس عنصرا سلبيا يقتصر دوره على الانفعال بالأدب، بل يتعداه إلى تنمية طاقة تسهم في صنع التاريخ. لذلك لا يعقل أن يحيا العمل الأدبي في التاريخ دون الإسهام الفعلي للذين يتوجه إليهم.

ذلك أن تدخلهم هو الذي يدرج العمل ضمن الاستمرار المتحرك للتجربة الأدبية، هناك حيث لا يكف الأفق أفق انتظار القارئ عن التحول، وحيث يتم دائما الانتقال من التلقي السلبي إلى التلقي الإيجابي، من القراءة المحايدة إلى الفهم النقدي، من المعيار الجمالي المقرر إلى مجاوزته بإنتاج جديد.

ولا يكون العمل الأدبي موضوعا موجودا في ذاته، ولا يبدو بنفس الهيئة في كل الأزمنة، أي أثرا تذكاريا يكشف للمشاهد السلبي عن ماهيته اللازمنية، حسب النزعة الأفلاطونية، إنه على خلاف ذلك مرصود مثل التوليفة الموسيقية لأن يثير لدى كل قرائه صدى جديدا ينتزع النص من مادية الكلمات، ويفعل وجوده. وهذه هي الخصيصة الحوارية للعمل الأدبي التي تؤدي إلى انبثاق فهم جديد له في إطار علاقة تأويلية دائمة بينه وبين القارئ. وليست عملية الفهم هنا مجرد عملية تكرارية بل عملية إنتاجية.

وتشترك جمالية التلقي مع نظريات ما بعد البنيوية، التي طورها النقد الأدبي في فرنسا منذ 1968، في عدد من القضايا، كمفهوم "الأثر المفتوح"، ورفض مركزية العلم، ورد الاعتبار للذات، وإعادة تقييم النص الأدبي من خلال وظيفته كعامل تغيير اجتماعي. إلا أن النظريات الأدبية الألمانية تتميز عن مثيلاتها الفرنسية في كون هذه الأخيرة توحي بأن تكون المعنى لا ينشأ إلا من الإنتاجية العاكسة التي تمثلها عندها الكتابة، في حين تفسر الأولى التشكل الدائم للمعنى بالتبادل (أو التفاعل) بين نشاطي الإنتاج والتلقي الأدبيين.

ولا شك في أن اقتفاء البحث المسرحي أثر البحث الأدبي في مقاربة المسرح من منظور جمالية التلقي ممارسة لا تقلل من شأنه، أو تجعل منه خطابا نقديا تابعا للنقد الأدبي، فقد كان هذا في جميع المراحل ولا يزال حتى الآن، يستخدم المقاربات المنهجية (الخارجية والمحايثة) نفسها التي يستخدمها النقد الأدبي في إضاءة النصوص والعروض والظواهر المسرحية.

ورغم ذلك غالبا ظل يحتفظ بخصوصيته طبقا لخصوصية عمليتي الإرسال والتلقي في حقل المسرح اللتين تتسمان بكونهما أكثر تعقيدا من نظيرتيهما في حقل الأدب، ناهيك عن أن التفاعل والتثاقف والتداخل بين مناهج العلوم الإنسانية ومقولاتها قضية حتمية ومسوغة على الدوام.

المصدر : الجزيرة