تشونغ: الإسلام دين سلام والمسلمون يحبون السلام (الجزيرة نت)

حاورته في أبو ظبي: شرين يونس

 

عرف العربَ من قصص ألف ليلة وليلة التي استمع إليها في طفولته، فتخيلها بلادا للسحر والجمال، وفي مراهقته تأثر بالأحداث السياسية في مصر ومقاومة المصريين للعدوان الثلاثي عام 1956، فقرر تعلّم العربية.

 

إنه المستعرب الصيني تشونغ جي كون شيخ المترجمين الصينيين، الأستاذ بكلية اللغة العربية بمعهد اللغات الأجنبية التابع لجامعة بكين، ورئيس جمعية بحوث الآداب العربية، الذي اضطلع طوال خمسين عاما بترجمة الأدب العربي.

 

الجزيرة نت التقت تشونغ في أبو ظبي التي يزورها لتسلم جائزة الشيخ زايد للكتاب لفرع شخصية العام الثقافية التي فاز بها خلال دورتها الحالية، وتحدث حول ذكرياته عن مصر التي زارها عدة مرات، كانت آخرها يوم 25 يناير/كانون الثاني الماضي بداية الثورة الشعبية في مصر والتي قال بأنها كانت ضرورة طلبا للتغيير والتطوير، واصفا ما حدث بالقانون التاريخي.

 

ورغم تفاؤله بمستقبل مصر، فيرى أنه لا تزال هناك مخاوف، وأن التطور لن يحدث بين يوم وليلة، بل يحتاج إلى جهد كبير.

 

وفي ما يلي نص الحوار الذي تحدث فيه تشونغ حول العربية وعلاقته بالعرب والمسلمين:


لماذا اخترت تعلم العربية رغم
صعوباتها؟

 

- منذ نعومة أظافري، ارتبطت معرفتي بالعرب بقصص ألف ليلة وليلة، وتصوّرت أرض العرب بأنها الجنة على الأرض، وأنها أرض السحر والعجب.

 

وعندما دخلت الجامعة عام 1956 اتخذت قرارا بتعلم العربية، بعد ما شهده هذا العام من قرار الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، ونجاح المصريين في مقاومة العدوان الثلاثي، وخروج المظاهرات المؤيدة للموقف المصري في بكين، فكانت أولى الجمل العربية التي أجدتها "نؤيد مصر" و"يسقط الاستعمار".

 

هل كان الأمر صعبا عليك؟

 

- بالتأكيد، فالعربية مثل اللغة الصينية، كلتاهما تعتبر أصعب اللغات في العالم، والدليل على ذلك أنه قديما كان في أوروبا الشرقية تقليد متبع، فالدبلوماسيون الذين كانوا يلمّون بلغة أجنبية يزيد راتبهم بمعدل العُشر، أما من يجيد العربية أو الصينية فيزيد المعدل إلى الضعف.

 

البعض يطلق على المترجمين والدارسين للعربية من غير أهلها مصطلح المستشرق رغم ما لهذا المصطلح وما عليه، فهل ترى حرجا في هذا المصطلح؟

- نعم، فأنا أرى فيه مصطلحا نابعا من مركزية غربية ولا أفضله، فبداية أنا أنتمي أيضا إلى الحضارات الشرقية، لذلك لا أراه اسما صحيحا، ناهيك عن أن بعض المستشرقين -وليس جميعهم- لعبوا دورا في تشويه الشرقيين وشيطنة الإسلام، وإظهار المسلمين كأنهم إرهابيون، لذا فأنا أفضل مصطلح "المستعرب" باعتباره الأكثر دقة.

 

تشونغ: عندما كان الغرب يعيش في ظلام
كانت الحضارة العربية في أوجها

تبادل ثقافي

هل تجد أن هناك تلاقيا بين الحضارتين الصينية والعربية؟


- أرى أن هناك تشابها كبيرا بينهما،
فالحضارتان تعتبران من أقدم المجموعات الحضارية، وبدأ التلاقي بينهما على المستوي السياسي والتجاري والثقافي منذ القدم.

 

فقبل الإسلام، لم يكن الصينيون يعرفون الكثير عن العرب بشكل مباشر، وكان وسطاؤهم هم الفرس، فأطلق الصينيون على العرب لفظ "الطاج" وهو النطق الفارسي لكلمة "طيء" القبيلة العربية التي ينتسب إليها حاتم الطائي الشهير.

 

وبعد الإسلام، أرسلت البعثات العربية الدعوية إلى الصين، وكانت هناك أيضا العلاقات التجارية عن طريق الحرير برا وبحرا، بالإضافة إلى اتساع بقعة الحضارة الإسلامية التي تأثرت بغيرها من حضارات النيل والرافدين والساحل الشرقي للبحر الأبيض، ثم بالحضارة الرومانية والهندية والفارسية والصينية، لأن الخلفاء المسلمين اتبعوا سياسة متسامحة وثقافة التخيير لشعوب البلاد التي فتحوها.

 

ومن ناحية أخرى، وفي القرون الوسطى وعندما كان الغرب يعيش في ظلام حالك، كانت الحضارة الصينية والعربية في أوجها، فكانتا بمثابة المنارتين الحضاريتين في العالم، وكان الأوروبيون يرسلون بعثاتهم، وبعد الحملات الصينية، حملوا أيضا العلوم والثقافة العربية إلى أوروبا، وكان الطلاب الأوروبيون يدرسون الثقافة العربية ويتفاخرون بمعرفتهم بها، والمستشرقون الأوروبيون المنصفون يعترفون بفضل العرب ويسلمون بذلك.

 

نعم هذا قديما فيما يخص العلاقات العربية الصينية، ماذا عن الوقت المعاصر؟


- بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية،
كانت مصر أول من اعترف ببلدنا من أفريقيا والدول العربية في أوائل الخمسينيات، وبعدها توالى اعتراف الدول العربية بنا، وتأسست وتعززت الصداقة بين الجمهورية الصينية والشعوب العربية، ويظهر ذلك في التأييد العربي لعودة مقعدنا الشرعي بالأمم المتحدة، وأيضا تأييد الصين لنضال الشعوب العربية للاستقلال.

 

أي أنه حدث تغير في شكل العلاقات العربية الصينية، فقديما كانت الثقافة والتجارة محورها الأساسي، وحديثا كانت السياسة لها الكلمة العليا.

- نعم، ورغم ذلك كان هناك تبادل ثقافي، ولكنه لم يكن كافيا، والدليل على ذلك أنه عندما ظهر أول منهج ومجلد صيني حول كل الآداب الصينية والأجنبية في الصين عام 1927، والذي يقع في أكثر من ألفي صفحة، كانت صفحات الأدب العربي لا تتعدى 25 صفحة فقط.

 

ولكن منذ الخمسينيات، ظهر جيل من المستعربين الصينيين الذين درسوا في جامعة الأزهر بالقاهرة، ومنهم أستاذي محمد مكين الذي أنشأ قسم اللغة العربية بجامعة بكين، ووضع أول ترجمة نموذجية للقرآن الكريم عام 1981، وهي نموذجية لأنها سبقتها نحو عشر ترجمات من العربية واللغات الأجنبية إلى الصينية، فكانت ترجمة مكين أفضلها وقد نقلها من العربية مباشرة، حتى أنها تنشر الآن في الرياض.

 

"
عندنا في الصين حاليا نحو ثلاثين مدرسة عليا فيها أقسام للغة العربية، فضلا عن بعض المدارس الخاصة للمسلمين في الصين تدرس بالعربية
"

والآن كيف حال هذا التبادل الثقافي؟


- أستطيع القول إنه بفضل هذا الجيل
من المستعربين الصينيين تمت ترجمة العديد من روائع الأدب العربي، أكثر من مائتي رواية ومجموعة قصصية عربية، فللأديب نجيب محفوظ ترجمت نحو 25 رواية ومجموعة قصصية، وأيضا ثلاث مجموعات كاملة لجبران خليل جبران، وأيضا ترجمات لبعض قصص ألف ليلة وليلة.

 

وعلى المستوى الشخصي، نشرت لي مختارات للشعر العربي القديم تشتمل على أكثر من 400 قصيدة ومقطوعة شعرية لأكثر من 130 شاعرا قديما، وتشمل أيضا بعض معلقات امرئ القيس وزهير بن أبي سلمى وكذلك أعمالا لأبي العلاء المعري والمتنبي وأبي فراس الحمداني.

 

من الواضح أنك تميل إلى الأدب والشعر العربي القديم، رغم أنه الأكثر صعوبة لغويا وفهما؟


- نعم، أحب الشعر العربي وخاصة
القديم لأنه "ديوان العرب"، وأردت بترجمته -سواء القديم منه والحديث- تعريف أبناء الصين بجمال الأدب العربي. وبشكل عام أميل إلى الشعر، لأنه كما يقول العرب "ما قل ودل"، فالشعر يدل على الحكمة والفلسفة، فربما قصيدة أو حتى بضعة أبيات تشتمل على معان ترويها روايات متعددة.

 

وما نصيب الأدب الحديث من ترجماتك؟


- لقد ترجمت للعديد من أدباء العصر الحديث، فلإحسان ع
بد القدوس ترجمت "في بيتنا رجل" وبعض قصصه القصيرة، وترجمت مختارات لميخائيل نعيمة وأيضا لجبران خليل جبران، مثل "دمعة وابتسامة" و"أرباب الأرض". كما ترجمت لنجيب محفوظ، وبعض الشعر الغزلي لنزار قباني، وقصائد لصلاح عبد الصبور وأيضا لعبد الوهاب البياتي.

 

كيف تجد تقبّل الصينيين للأدب العربي، هل يفضلون القديم منه أم الحديث؟


- كليهما، فهم يقرؤون لجبران و
محفوظ وقباني، كما أن هناك تشابها بين الشعر العربي والصيني من حيث الالتزام بالعروض الدقيقة والقافية، وظهر في الصين -كما عند العرب- الشعر الحر وشعر الرمز الغامض. أما أنا فأحب كليهما.

 

"
الأدب العربي الحديث ليس أقل شأنا من الأدب الغربي وليس أقل من الانفتاح الأدبي في أميركا اللاتينية، ولكن هناك معايير واتجاهات سياسية لجائزة نوبل
"

هل ترى أن التبادل الثقافي العربي الصيني بلغ المستوى المأمول؟


- هناك العديد من المدارس العليا
والأقسام والمعاهد لتعليم اللغتين في كلتا الثقافتين، ففي مصر هناك كلية الألسن وبها قسم للغة الصينية، وأيضا -وبحسب علمي- يوجد نحو خمس مدارس عليا وجامعات أنشأت أقساما للغة الصينية، بالإضافة إلى دول عربية أخرى بها معاهد تدرس أيضا اللغة الصينية وتقوم بترجمة الأدب الصيني.

 

وعندنا في الصين حاليا نحو ثلاثين مدرسة عليا فيها أقسام للغة العربية، فضلا عن بعض المدارس الخاصة للمسلمين في الصين تدرس بالعربية في المناطق الغربية الشمالية التي ينتشر فيها السكان المسلمون.

 

ولكن رغم ذلك أرى أن هذه المجهودات غير كافية، ومن هنا اقترحت في جلساتي أثناء زيارتي لأبو ظبي مشروعا لترجمة الأعمال الكلاسيكية سواء في الأدب العربي أو الصيني، وقدمت بالفعل قائمة بأسماء أعمال صينية، وأرى ضرورة وجود منظمة تتولى مثل هذا التنسيق والحوار الثقافي، إضافة بطبيعة الحال إلى أهمية تقديم الدعم المعنوي والمادي.

 

كيف تختار وتنتقي ما تترجم؟


- أختار ما يعجبني أولا ويؤثر فيّ
وما أنفعل به، وأترجم في النهاية أيضا للتعريف بالأدب العربي.

 

ومن أكثر الأدباء قربا إلى قلبك؟


- أحبهم إليّ أبو العلاء المعري، الذي
أراه شاعر الفلاسفة، وأحب أيضا الشاعر العراقي معروف الرصافي والبارودي وحافظ إبراهيم وأحمد شوقي أمير الشعراء، ونزار قباني، وأيضا أدونيس.

 

ومن الأدباء، نجيب محفوظ وجمال الغيطاني وحنا مينة السوري الذي اعتبره نجيب محفوظ سوريًّا.

 

بعض المترجمين يتجهون إلى التخصص، سواء في مجال معين أو في الترجمة لأحد الأدباء، فهل تميل أنت إلى ذلك؟

- في الحقيقة كوني رئيسا لجمعية بحوث الأدب العربي، أجدني مهتما في المقام الأول بالتعريف بالأدب العربي لدى الصينيين، سواء الروائيين منهم أو الشعراء، القدماء منهم والمعاصرين دون تخصص، رغم محبتي وتفضيلي لبعضهم.

 

المجلد الأول من تاريخ الأدب العربي أحد إصدارات الأستاذ تشونغ

أدباء نوبل

لقد قرأت لأدباء كثيرين، برأيك لماذا لم يفز أديب عربي بعد نجيب محفوظ بجائزة نوبل؟

- في الحقيقة أرى أن الكثير من الأدباء العرب يستحقون نوبل، سواء قبل أو بعد نجيب محفوظ، قبله مثل طه حسين وجبران خليل جبران والعقاد وتوفيق الحكيم، وهناك الآن عبد الرحمن منيف وحنا مينة وجمال الغيطاني وبهاء طاهر، فالأدب العربي الحديث ليس أقل شأنا من الأدب الغربي وليس أقل من الانفتاح الأدبي في أميركا اللاتينية، ولكن هناك معايير واتجاهات سياسية لجائزة نوبل.

 

نعم ولكن الكثيرين قالوا إن محفوظ فاز بنوبل بعدما ترجمت أعماله وتداولتها الصحف والأفلام الغربية خاصة في فرنسا، أفلا تعتقد أن السبب هو تقصير المترجمين؟

- الترجمة مهمة، ولكنني أؤكد أنها ليست المسؤولة وحدها، فلجائزة نوبل سلطان سياسي يتحكم ويؤثر فيها، فهي لم تنصف الأدب العربي، كما لم تنصف الأدب الصيني.

 

هناك اتجاه يرى في العربية لغة تتجه إلى الانقراض، سواء بفعل العامية أو اللغات الأجنبية، فهل تؤيد هذا الاتجاه؟

- لا، فاللغة العربية لغة القرآن الكريم، وهي التي توحد الدول العربية ضمن أمة واحدة، وهي باقية، فهي ليست مثل اللاتينية التي ماتت وأصبحت مجرد مصطلحات طبية أو نباتية، وتفرعت عنها العديد من اللغات، أما العربية فهي لغة عظيمة، والعرب جميعهم يفهمون الفصحى.

 

"
علينا كمستعربين ومترجمين، واجب اختيار موقف منصف من الإسلام والمسلمين، لأن لكل أمة إيجابياتها وسلبياتها، فلا يمكن أن نعظم نقاط الخلل، بل لا بد للناس أن تعرف الإيجابيات والسلبيات
"

زرتَ دولا عربية كثيرة، فهل ترانا متمسكين بلغتنا العربية؟


- زرتُ ما يزيد عن عشر دول عربية،
وعملت سنوات في بعضها.. نعم أرى أن العامية منتشرة، حتى أن أساتذة الجامعات لا يلتزمون جميعهم بالفصحى في محاضراتهم، لكن على أية حال، فأنا أؤيد رأي توفيق الحكيم بضرورة تفصيح العامية وتبسيط الفصحى وإيجاد لغة عربية ثالثة تكون أسهل للتداول.

 

منذ أحداث 11 سبتمبر/أيول 2001 وما تلاها من أحداث، تنامت ظاهرة الإسلاموفوبيا واتهام المسلمين بالإرهاب، وبما أنك عرفت العرب والمسلمين عن قرب، كيف ترى هذا الهجوم الغربي على الإسلام والمسلمين؟

- أنا لست مسلما، ولكنني درست وعرفت ما معنى الإسلام والمسلمين، فالإسلام دين سلام، والمسلمون في الحقيقة يحبون السلام والوئام، على الأقل معظمهم، شأنهم شأن أي ديانة.. صحيح أن هناك بعض المتطرفين ولكن هذا شأن آخر، ففي رأيي المسلمون ليس لهم شأن بالإرهاب، وأظن أن هناك دعاية غربية مضادة وهيمنة مركزية غربية أوروبية يقويها إعلام غربي، بالتعاون مع بعض المستشرقين الغربيين الذين يلعبون دورا سلبيا وغير شريف في تقوية هذا الادعاء.

 

وعلينا نحن كمستعربين ومترجمين، واجب اختيار موقف منصف من الإسلام والمسلمين، لأن لكل أمة إيجابياتها وسلبياتها، فلا يمكن أن نعظم نقاط الخلل، بل لا بد للناس أن تعرف الإيجابيات والسلبيات.

 

فزتَ مؤخرا بجائزة شخصية العام الثقافية لجائزة زايد للكتاب، فكيف استقبلت هذا الفوز؟

- أعتبر هذه الجائزة تقديرا ليس لشخصي، وإنما لأعمالنا كمستعربين صينيين، يشجعنا على بذل أقصى جهودنا في أداء رسالتنا وواجبنا نحو تعزيز الجسور الثقافية بين الشعبين العربي والصيني.

المصدر : الجزيرة