جيل جديد في مصر يستعيد الكرامة (الأوروبية)

فاتنة الغرة
 
"مصر يمة يا بهية يا أم طرحة وجلابية" أغنية الشيخ إمام التي يحفظها المثقفون العرب من المحيط إلى الخليج والتي يرددونها الآن وقلوبهم تتجه إلى مصر وكأنها القِبلة التي تحمل الأمل بالنسبة لهم. الجزيرة نت استطلعت آراء كتاب وكاتبات المهجر حول الثورة الجارية والمتغيرات المتتابعة هناك.

"أخشى، والأصدقاء المصريون والمتظاهرون ما زالوا في ميدان التحرير يتساقطون جرحى وقتلى بين أقدام البلطجية وسائسي الجمال والبغال والمتنكّرين مدنيّين من رجال الشرطة، والأوضاعُ ما زالت حرجة وإن تأكّد أنه بات مستحيلاً التقدّم رجوعاً وإيقاف حركة التاريخ ـ أخشى أن أهلّل فرحةً بما جرى أمس في تونس، ويجري اليوم في مصر، وسيجري غدًا في بلداننا العربية المتبارية أنظمتها في ابتداع قوانين القهر والظلم".

هذا ما قالته الروائية اللبنانية نجوى بركات المقيمة في باريس، والتي ترى وهي مسمّرة أمام تلفازها تتابع تحرّكات شعوب لم تتوانَ يوماً عن اتهامها بالقصر والجهل والخنوع، وقد رأتها اليوم تصحو كما في حكاية "الجميلة النائمة" وقد طبع الموتُ قبلتَه على شفاهها، فنهضت بهيّة، حكيمة، جسورة، تتوسّل حفنةً من كلامٍ متواضعٍ لتطالب بالحقّ.

وأضافت "ترتعش الحياة في بلداننا، فتفاجئنا، ليس أكثر من هذا"، وتعترف بذلك وتخجل من استخدام ضمير الجمع ومما تتضمنّه قواميسُ الثقافة ومجلّداتُ النضال السياسيّ، حيث تخشى الكلام الحزبيّ والتحليل والتعليق. فهي اليوم لا تريد سماع الثائرين وهم ينشدون ويرقصون ويضحكون ويقعون حتى،" فليكن الموتُ موتَهم والميدانُ ميدانَهم والثورةُ ثورتَهم، هم الذين حُرموا الهواء لقرون".
 
الروائية اللبنانية نجوى بركات: نحن الآن أحياء (الجزيرة نت)
وراء الصمت
فالروائية بركات لا تريد اليوم أن تتذكّر إلا كلام أبيها، معطوفاً على كلام أبناء يخيطون أرضًا يقفون عليها ويهتفون. فتقول "فلنصغِ إليهم ولنتسابق في جرينا وراء الصمت. لنمدد سواعدَنا لكي نحملهم إذا وقعوا، ونلتقفهم إذا تعثّروا، ونحميهم إذا هوجموا. ولننظر إلى أنفسنا لا كأبرياء، لا كقضاة، وإنما كأننا الحلقة العاثرة ما بين زمنين وجيلين، كأننا أصحاب اللعنات، اللاعنون والملعونون معا".

عبر الشاشة الصغيرة تتفرج نجوى بركات على أهل تونس ومصر والجزائر واليمن، وتبكي غبطة وخوفا واضطرابا، وتقول "أكاد لا أصدّق أني أشهد ما خلته لن يحدث قبل قرون، معجزة يهدوننا إياها بتواضع ودونما ادّعاء، من دون ثرثرة ولا تفخيم ولا إطناب، بلا خطب ووعيد وتهديد وتصفيق، ببضعة حروف، بكلام قليل، بحفنة من الكلمات لا أكثر، يعيدوننا إلى قلب الزمن وقلب التاريخ".

ثم توجه رسالتها في نهاية حديثها إلى الثائرين "أيها الأصدقاء، أيها الأهل، أيها الأحباب، أفكّر في الذين رحلوا فما عرفوا وما فرحوا، في صديق لي غادر تونس وعاد إليها كسيرًا، فما رأى ما كان لَحَمَ حتمًا كسورَ قلبه وغسل شتاءَ عينيه، أرسل إلى مصر رسائل هاتفية، على الفايسبوك.. إزيّك؟ إزيّكم؟ أعرف أن خطوط الهاتف والإنترنت مقطوعة، لا بأس، سيصلهم أني أفكّر بهم، قلبي يرسل ذبذبات في الهواء".

ثم تكرر نداءها قائلة "أيها الأصدقاء. أيها الأهل. أيها الأحباب. لسنا الآن لا تونسيين ولا مصريين ولا لبنانيين... نحن الآن نصغي ونتعظّ، نحن الآن أحياء"!
 
أمجد ناصر: رحيل هذا النظام المتفسخ بداية عهد جديد لمصر والعالم العربي (الجزيرة نت)
صفحة جديدة
من جانبه يرى الشاعر الأردني المقيم في لندن أمجد ناصر أن ما يحدث في مصر الآن هو واحد من أهم الأحداث التي شهدها العالم العربي منذ عقود طويلة.

وقال إنه إذا "قدّر لثورة المصريين الراهنة أن تحقق أهدافها في إسقاط نظام حسني مبارك (وهذا ما نأمله من كل قلوبنا)، نكون أمام صفحة جديدة في تاريخ العالم العربي".

هذا على الصعيد العربي، أما داخليا فيرى ناصر أن "ثورة المصريين قد تفتح أفقا كبيرا لبلادهم التي سد نظام حسني مبارك الأفق أمامها وشلها تماما، فحالة الركود غير المسبوقة التي عاشتها مصر على امتداد حكم مبارك خنقت المبادرات الإبداعية على كل الصعد وحاصرت الخيال والابتكار".

ويرى الشاعر الأردني أنه ليس غريبا أن حضور مصر في العالم العربي بل في عمقها الإستراتيجي الأفريقي لا يكاد يلحظ، ويضيف "هذه ليست مصر، فلمصر، بحكم عوامل عديدة، ثقلها وحضورها، وقد قزَّمت حقبة مبارك هذين الثقل والحضور، ورحيل هذا النظام الهرم والمتفسخ والمتخلف على كل الصعد هو بداية عهد جديد لمصر والمصريين والعالم العربي".

وعن قبول الناقد المصري جابر عصفور منصب وزير ثقافة، يرى ناصر أن هذا السلوك في نظام تلطخ بدم المصريين وفي ربع ساعته الأخيرة، هو أمر يتجاوز كل ما تكلمنا عنه من قبل بخصوص رخاوة المثقف العربي أمام إغراء السلطة، ويصل الى حد التساؤل عن مدى أهلية جابر عصفور العقلية. ثم يتساءل قائلا "هل يعقل أن يخذله الحد الأدنى من الذكاء والحسابات الصحيحة، ناهيك عن المواقف الأخلاقية والضميرية في لحظة فاصلة وحاسمة ودامية كهذه؟".
 
عبد المنعم شنتوف: الثورة تكتسب أهميتها التاريخية من ارتباطها بالقاعدة الشعبية (الجزيرة نت) 
الحرية قيمة
من جهته أعلن القاص والمترجم المغربي المقيم في بلجيكا عبد المنعم الشنتوف أن الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في تونس الخضراء وانتهت بإسقاط الرئيس زين العابدين بن علي أثبتت حقيقة مؤداها أن الحرية قيمة تعلو على إكراهات التاريخ والجغرافيا واختلاف الانتماءات اللغوية والعرقية".

ويوضح "بدأ الأمر فيما يشبه المعجزة في تونس ثم لم تلبث العدوى أن انتقلت إلى مصر، بعد أن انتهت سطوة الخوف لتعلن عن تحول رئيس في تاريخ الأمة العربية، التي شهدت ثورات أطاحت ببعض الأنظمة التي وصفت حينها بالمستبدة".

ويؤكد الشنتوف أن الثورة الشعبية في تونس ومصر تكتسب أهميتها التاريخية من ارتباطها بالقاعدة الشعبية، وتعاليها عن أي ارتباط بتنظيم سياسي أو توجيه أيديولوجي.

ويوضح أن تعرض محمد البوعزيزي للصفع والمعاملة المهينة من شرطية أدى لأشعال النار في جسده وإعلان بداية الثورة.

ويضيف أن الشأن نفسه بالنسبة للشعب المصري الذي ضاق ذرعا بعقود من سطوة التحالف الجهنمي بين السلطة والرأسمال، علاوة على العمالة المفضوحة للعدو الصهيوني، ويعتقد في هذا المقام أن هذه الثورة الشعبية المجيدة تمثل حدثا تاريخيا ينذر بقطيعة جذرية مع الماضي ويؤذن بمستقبل تسود فيه قيمة المواطنة واقتضاءاتها.

المصدر : الجزيرة