إلياس فركوح
 
أن يُلقي بجائزة مبارك للآداب بعيداً عنه الآن مزيحاً إيّاها عن تاريخه، كأنما هي لطخة عار أو رداء مدمى، وبحسب كلماته: "بعد أن أهدر نظام مبارك دماء المصريين الطاهرة"، يكون بهاء طاهر قد سجّل شهادةً جديدةً على انسجامه مع ذاك التاريخ غير الملوث بأيّ ضربٍ من الانتهازيّة، والسقوط في الهوة العميقة الكائنة بين كتابات تدّعي التنوير المناقض للاستبداد والتسلط من جهة، والقفز العملي لكُتّابها باتجاه السلطات المستبدة والمتسلطة على شعوبها من جهة أخرى.
 
ما فعله بهاء طاهر مِثالٌ على التصالح مع الذات وتسويّة تناقضاتها دون أن يخسرها، برهنها لمكاسب هشّة وزائلة هي بمثابة فتات الفتات يمنحها الطاغوت. وما فعله، أيضاً، يجبر كل مثقف عربيّ على إقامة المقارنة الفوريّة بالمقابل مع ما فعله د. جابر عصفور.
 
فالوطن واحد، واللحظة الزمنيّة واحدة، وصوت الشارع الصريح كل الصراحة أكثر من مدو ومزلزل في آذان العالم بأجمعه، وداخل كافة بيوت المدن والأرياف والبوادي العربيّة.

غير أن الأوّل (بهاء طاهر) اختار انحيازه الجوهري واصطفافه غير الملتبس إلى جانب الشارع وصوته. أما الثاني (جابر عصفور)، بقبوله منصب وزارة الثقافة في حكومة ارتُجِلَت أثناء الدقائق الأخيرة في الوقت الضائع لنظام الارتهان، والفساد، وتجويع الشعب وترويعه، إنما يكونُ قد حسمَ تناقضاته لصالح مَن استباحوا كرامةَ الوطن بكامله (أراد ذلك أم لم يرد).

وها هم الآن يستبيحون دمه بالسلاح الأبيض ومرتزقة رجال الأعمال والحزب الواحد الأحد، لتكتمل بذلك عناصر الجريمة بحجّة المحافظة على "كرامة وكياسة" رحيل "السيد الرئيس".
 

"
بدلاً من أن يقف جابر عصفور ليكون شاهداً على جريمة بداية هذا القرن بوصفه وصفته المعممة: "المثقف التنويري"، الناقد للسلطات بداهةً، نراه يدخل بإرادته وخياره الفرديّ لينضمّ إلى جماعة الجريمة

"

شاهد على جريمة
بدلاً من أن يقف د. جابر عصفور ليكون شاهداً على جريمة بداية هذا القرن الملتهب في بلده، مديناً لها ولمرتكبيها، بوصفه وصفته المعممة "المثقف التنويري"، الناقد للسلطات بداهةً، نراه يدخل بإرادته وخياره الفرديّ لينضمّ إلى جماعة الجريمة واحداً وسط تركيبة النظام الساقط المتشبث بالسلطة وامتيازاتها حتى الرمق الأخير لشعبه.

وحتى آخر قطرة دم ينزفها الإنسان المصري على أرصفة مدنه وميادينه. نراه يتنكّر لمبدأ التنوير الأوّل المتمثّل بالنقد العقلي غير المتسامح مع نصف الأشياء، لأنها تعني التشوّه والنقصان المريب. كما يعني بتفعيله لهذا النقد فتح الشرفات على الحريّة.
 
لكننا رأيناه يستبدل هذا المبدأ بالانحياز للظلمة والنظام الظالم. أيّ مفارقة هذه؟ أيّ حالة انشراخ وتشرُّخ هذه؟ كيف بدا له الأمر حين فكّر واتخذ قراره معلناً إيّاه موقفاً مواجهاً ومتحدياً شوارع ومدن وميادين وشعب وطنه، بالغالبيّة الساحقة لمثقفيه وكُتّابه؟

أكان هنا يفصحُ عن اختلال ميزان المعايير الدفينة فيه فأخرجَ مخبوءَ "طموحه" الذي وصل هذه الحدود المحرمة على كلّ مثقفٍ تنويريّ حقيقيّ، فحللها لنفسه كأنما هي الغنيمة؟ أم تراه أُصيب بعمى التحليل النقدي لنصِّ حياة طالعة من جوف الظلام الدامس؟ لا يمكن، ولا يجوز، لأي إنسان عاديّ أن يخطئ في قراءة كتابها الجديد. فما بالنا برجل كجابر عصفور؟

إنها لحظة السقوط المريع: سقوط الأنظمة الخائنة لشعوبها والمتآمرة على مستقبل أجيالها، وسقوط المثقف الخائن لنفسه أولاً لتلتقي، بالتالي، بخيانتها لأبناء وطنها، حتّى وإنْ لم تكن "نواياه" هكذا. فالنوايا هذه اللحظات ليست المعيار في وزن المواقف.

إنها لحظة لا نتفجّع فيها على تلك الأنظمة البائسة، لكنها اللحظة نفسها التي تُفجعنا بمثقفٍ عربيّ مصريّ عَلَم صاحب تأثيرٍ وأثر لا ننكره عليه، وخاصةً انفتاحه على المثقفين العرب بعد حقبة السادات التي أغلقت مصرَ على أهلها وأغلقتها، في الوقت نفسه، على العرب.
 
"
ما فعله بهاء طاهر مِثالٌ على التصالح مع الذات وتسويّة تناقضاتها دون أن يخسرها، برهنها لمكاسب هشّة وزائلة هي بمثابة فتات الفتات يمنحها الطاغوت. وما فعله، أيضاً، يجبر كل مثقف عربيّ على إقامة المقارنة الفوريّة بالمقابل مع ما فعله د. جابر عصفور.

"
باعَ روحه للشيطان
ولعلّ هذا ما يسبب لنا الشعور بفجيعتنا به. إنّه، في قبوله الانضمام وزيراً في حكومة اللحظات الأخيرة لنظامٍ يتهاوى بإرادة الشعب المصري، يكون قد راهنَ على أنفاس الوحش الأخيرة، وباعَ روحه للشيطان، وبلا طائل (وإني لأعتذر لنفسي أولاً ولجميع مَن يقرأ استخدامي كلمة "باعَ"؛ إذ لم يخطر لي يوماً أن ألجأ إليها بينما أكتب عن د. جابر عصفور).
 
أعتذرُ وآسف وأتألم بعمق صادق، غير أن هكذا فِعْل لا يتيح لي، أو لغيري، سوى مواجهته بصفته الوحيدة.

بدأتُ بموقف بهاء طاهر وقارنته بموقف جابر عصفور بتلقائيّة وعفوية الصدمة المتأتية في اللحظة الواحدة. وما كان لي إلاّ أن أخرجَ بالاستنتاج المفيد: إنّ اللحظات الساخنة والفاصلة بين مرحلتين، هي ذاتها اللحظات الفارزة لرجلين كلُّ واحد منهما يمثّلُ انحيازاً واضحاً بلا لبس، ورؤيتين لماهيّة حسم التناقضات داخل الفرد المثقف.
 
فإذا كان السياق المرحلي بارداً أو خاملاً أو مرتخياً بحيث يوّفرُ للمثقف مجال وإمكانيّة "تعويم" موقفه وبسطه على أكثر من تفسير وتأويل، فإنّ اللحظات الملتهبة والمتسارعة التي تعيشها مصر الآن كفيلة بإجباره على الانحياز، وإشهار موقفه بالتالي من دون ظلالٍ تتيحُ الفرصة لأكثر من قراءة واحدة.

ولقد انحاز الرجلان فعلاً، وأشهرا موقفيهما على نحو لا يحتمل سوى قراءة واحدة ووحيدة.

ومع زعمي اقترابي من الإجابة، إلاّ أني أعودُ لأسألَ وأنا مفجوعٌ حقاً: "لماذا يا دكتور؟ لماذا قبلتَ رداء الدم الذي نزعه بهاء طاهر عنه كونه لطخة عار، لماذا؟".

المصدر : الجزيرة