معرض "حالات ذهنية" بنيويورك يستعيد الواقعية المصطنعة للفنان جورج كوندو (الجزيرة نت) 

أنطوان جوكي– نيويورك
 
يعد الفنان الأميركي جورج كوندو (54 عاما) أحد الفنانين النيويوركيين الذين طبعوا بعمقٍ فن الرسم الأميركي والفن المعاصر بشكلٍ عام. فبعد عمله داخل محترف أندي وارهول في بداية الثمانينيات، فرض نفسه ضمن أبرز وجوه هذا العقد، إلى جانب صديقيه الشهيرين جان ميشال باسكيا وكيث هارينغ.

وبمناسبة انطلاق معرضه الاستعادي الضخم في "المتحف الجديد" بنيويورك تحت عنوان "حالات ذهنية"، نتوقف بسرعة عند خصوصيات فنه الذي أطلق عليه بنفسه صفة "الواقعية المصطنعة".

وللتعريف بفنّ كوندو، صقل الناقد ويلفريد ديكوف مفهوم "التجريد التصويري" الذي يبدو لنا، عند الوهلة الأولى، ملتبسًا ومفاجئًا نظرًا إلى اندراج أسلوب هذا الفنان، في ظاهره، ضمن الفن التصويري وارتكازه بقوة في مراجعه على تاريخ فن الرسم.

لكن التجريد في عمل كوندو، الذي درس الموسيقى بموازاة الفن التشكيلي، هو قبل أي شيء صفة موسيقية، وهدفه تجسيد مقطعٍ موسيقي مجرّد في طبيعته. ولتفسير مسعاه قال الفنان "حين نحوّل شكلاً يسهل التعرف عليه (وجه، طاولة، زجاجة...) إلى صورةٍ مجرّدة، يبقى هذا الشكل في مكانٍ ما داخل الصورة. بينما حين نحاول إسقاط تجريدٍ ما (الموسيقى) داخل شكل معروف، يبقى هذا الشكل كناية عن لغة تجريدية".
 
الموسيقى والرسم
لكن ما هو سر ذلك الرابط الضروري بين الموسيقى والرسم في لوحات كوندو؟

ملكة بريطانيا كما يراها كوندو
(الأوروبية- أرشيف)
قبل الإجابة عن هذا السؤال، لا بد من الإشارة إلى أن النقّاد، لدى كتابتهم عن فن كوندو، لاحظوا تأثيرات تعود إلى فنانين كثر مثل سلفادور دالي، روبرتو ماتا، بيكاسو، أونوري دوميي، أرشيمبولدو، أرشيل غوركي، خوان ميرو، بول كلي... وحين يرسم الفنان، نجده يعمل كمؤدٍّ (interprète) أمام نص موسيقي.
 
والمعروف أن كل حقبة تملك أسلوبًا خاصًّا في تأدية الأعمال الموسيقية، أي أسلوبًا أكثر حيوية أو أكثر كلاسيكية أو أكثر حساسية... وفي هذا السياق، يستخدم كوندو التيارات والأساليب الفنية التي تأثّر بها كمؤّدٍ يكشف داخل معزوفةٍ ما عن طاقاتٍ ما زالت مجهولة. بعبارةٍ أوضح، ينتزع الفنان من التكعيبية أو التعبيرية افتراضيات لم يستثمرها أحد قبله.

وكوندو ليس هو الفنان الأول الذي عمل في هذا الاتجاه، فبيكابيا ودو كيريكو استحضرا قبله تاريخ فن الرسم في لوحاتهما، الأول بطريقةٍ كاريكاتيرية والثاني بطريقةٍ تقليدية داخل أعماله الأخيرة. لكن ميزة أسلوب كوندو هي في كونه فنانا بصريا بقدر ما هو تصوّري (conceptuel). ففي الكثير من لوحاته، يعالج الوجه البشري على طريقة فرانز هولس، لكنه يُخضع هذا الوجه لالتواءاتٍ تكعيبية، بينما تستحضر خلفية هذه اللوحات ذات الألوان المشبّعة أسلوب فرنسيس بايكون.

السؤال الذي يطرحه فن كوندو علينا هو: كيف يمكن إشراك ميول تكعيبية وتعبيرية وكلاسيكية والأسلوب الخاص بالرسوم المتحرّكة داخل لوحةٍ واحدة، وما هو الهدف من ذلك؟
 
عبثية العالم
للإجابة عن هذا السؤال، يذكّرنا الفنان بأن شخصياته هي فقط وسيلة لبلوغ صورةٍ مجرّدة لها، عبر تشييد عناصرها ثم تفكيكها بطريقةٍ تعكس عبثية عالمنا الاصطناعي. وهذا ما يُفسّر سلسلة لوحاته التي تحمل عنوان "التجريد المظهري" أو الفيزيونومي.

من أعمال الفنان جورج كوندو
فبالنسبة إليه، يحمل البشر في شكلهم صدى أو ظل روحهم من خلال مزايا فيزيائية كملامح الوجه. ولا عجب في ذلك، فعلماء المظهر يعتبرون أن ثمّة علاقة بين ملامح الوجه وشخصية صاحبه. وبالتالي، يصف كوندو في بورتريهاته حالاتٍ ذهنية أو نفسية، على طريقة الكاتبين بلزاك ولافاتر.

والملاحظ أيضا في عمل كوندو هو التواصل بين لوحاته القديمة ولوحاته الجديدة على قاعدة التحوّل الذي يفرضه الحاضر. ويمكن تقريب فكرة هذا التحوّل الضروري من عملٍ إلى آخر مما كتبه أندريه مالرو عن تحوّلات الفن.
 
فالأعمال الفنية التي تصلنا من حقباتٍ سابقة يتغيّر معناها وطريقة النظر إليها بفعل مرور الزمن وتطوّر العقليات. وعلى هذا الأساس، تمنح لوحات كوندو صاحبها إمكانية وصف صورٍ مباغتة من زمنٍ آخر تتشكّل من مساهمة الماضي وانبجاس الحاضر.

وهذا ما يقودنا إلى مفهومٍ جوهري في عمله، أي صيرورة الوجوه والأشكال، وهو مفهومٌ استكشفه مطوّلاً الفيلسوفان جيل دولوز وفيليكس غواتاري.
والصيرورة هي جوهرٌ في حركةٍ نحو جوهرٍ آخر. وتحمل معظم شخصيات كوندو في داخلها صيرورات مختلفة تعبرها، كالمرأة التي تتحوّل إلى فروة أو قطّةٍ أو زجاجةٍ شّفافة.

وحتى الوجوه الكاريكاتيرية المكشّرة أو الساخرة أو المضحكة التي تشكّل ثوابت في لوحات الفنان، بدلاً من أن تعكس مجرّد موقفٍ كلبي، هي في الحقيقة تجلّيات لوقتية الأشكال الممثَّلة وحيوية القوى الباطنة والفاعلة فيها.

المصدر : الجزيرة