زوار في أحد معارض باريس (الأوروبية- أرشيف)

بوعلام رمضاني- باريس
 
رياح التغيير التي تعصف بالوطن العربي، كانت حاضرة في معرض مغرب الكتب في دورته السابعة عشرة في باريس، وأسئلة الجزيرة نت لاقت أجوبة مستفيضة لدى كتّاب مغاربة وفرنسيين، معلنين تضامنهم مع الثورات العربية، ومقاربين دور المثقف حيال السلطة.

الروائي والشاعر التونسي طاهر بكري، الذي اعتقل إبان حكم الراحل بورقيبة، كان أول من تحدث للجزيرة نت، مبديا سعادته لطلوع فجر حرية الشعوب العربية من بلده.

بكري أدان المثقفين العرب الذين دعموا أنظمة القهر باسم محاربة التطرف الإسلامي، مؤكدًا أن ثورتي تونس ومصر دليل هزيمتهم التاريخية، مقابل مثقفين آخرين دفعوا حياتهم وقضوا فترة طويلة في سجون مبارك وبن علي والحسن الثاني.

"مبارك وبلطجية الحزب الوطني شوهوا الإسلاميين بغرض الحفاظ على السلطة، فأسقطهم الشارع المصري، كما أسقط المثقفين المتاجرين بـ"وهم" الخطر الإسلامي على طريقة السياسيين الانتهازيين".

فضيلة مرابط: المثقفون والإعلاميون الغربيون يتحملون مسؤولية دعم الدكتاتوريين العرب (الجزيرة نت)
الفجر العربي

بكري ذكر بموقف الممثلة التونسية الكبيرة جليلة بكار حينما رفضت منصب وزيرة الثقافة في حكومة بن علي خلافا لجابر عصفور الذي يمثل نموذجًا لانبطاح المثقفين أمام السلطة الجائرة والفاسدة.
 
لكن طاهر بكري رأى أن الفجر العربي الجديد يشكل أيضا محكا للإسلاميين الذين تجاوزتهم الأحداث تحت وطأة شارع ثوري عربي يطالب بالحرية الكاملة ويرفض تطبيق "إيديولوجية" بعينها.

واستعار وجهة نظر الروائي والمناضل المغربي عبد اللطيف اللعبي الذي سجن ثماني سنوات في عهد الحسن الثاني، التي تنحاز لـ"الإسلام السياسي" عندما يتعلق الأمر بالحرية، إذ يجب احترام جميع الاتجاهات السياسية، غير أن الحذر يكمن في عدم ثقته في أي جماعة تحمل شعارات تتناقض مع الديمقراطية.

الروائية فضيلة مرابط قالت للجزيرة نت "ناهضت في كل كتبي الأفكار المسبقة التي تروج في الغرب عن الإسلام باعتباره دينا يتناقض مع الديمقراطية والوعي الجماهيري في العالم العربي والإسلامي بغض النظر عن ما يمكن أن يقال عن الذين يدعون تمثيله".

ولفتت إلى أن الثورة التي حدثت في تونس ومصر تجاوزت توقعات وتحليلات الغربيين والمثقفين العرب المستلبين لأطروحة التخلف الفكري والحضاري في العالم العربي والإسلامي وعدم نضج شعوبه وتقبلها للديمقراطية وحقوق الإنسان.
 
مسؤولية الغرب
فضيلة مرابط حملت المثقفين والإعلاميين الغربيين مسؤولية دعم قادة من أمثال مبارك وبن علي ودكتاتوريين آخرين سيأتي دورهم في القريب العاجل، منوّهة إلى مقولات عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو قبل أن يرحل في مواجهته الفيلسوف هنري ليفي زعيم قبيلة الرجعيين الجدد، على حد تعبيرها.

 سليم: إذا خيرت بين مافيات الأنظمة العربية وبين الإسلاميين، فإنني أفضل الإسلاميين (الجزيرة نت)
"زعامة الرجعية" تُبطن إشارة فضيلة مرابط للحملة التي يقودها ليفي للتشهير بإسلاميين من شأنهم تهديد مستقبل العالم العربي و"إسرائيل"، ويؤيده في هذه الطروحات ألكسندر أدلر وفينكلكروت وغيرهما.

الرسام الكاريكاتيري الجزائري سليم، الذي دأب على حضور معرض مغرب الكتب، كان من بين الذين لم يترددوا في الاعتراف بهزيمة مثقفين غربيين وعرب على طريقته الخاصة باعتباره فنانًا.

الجزائر كما تناولها سليم في رسوماته الكاريكاتيرية تعرّي فضيحة المثقفين الذين كرّسوا الفساد والظلم وكل أنواع المحاباة باسم محاربة الإسلاميين، والذين وظفوا لإطالة الحكم المتسلط في الجزائر.
 
مثقفو البلاط
سليم أكد أن نهاية مبارك تشكل عارًا لمثقفي البلاط من أمثال فاروق حسني بالأمس وجابر عصفور اليوم، مشيرًا إلى انخراط مثقفين وأدباء "شرفاء" في الثورة المصرية مكرسين كتاباتهم وإبداعاتهم للكشف عن مواطن فساد حكم يلفظ أنفاسه الأخيرة.

سليم لم يتردد أمام معجبيه في المعرض في القول "إذا خيرت بين مافيات الأنظمة العربية التي تتساقط هذه الأيام وبين الإسلاميين، فإنني أفضل الإسلاميين الذين لا أتقاطع معهم أبدًا، فالحركات الإسلامية اخترقتها الأنظمة العربية للقيام باغتيالات سياسية سعيًا لإضفاء الصورة غير الديمقراطية عليهم".

الروائي والشاعر المغربي المعروف عبد اللطيف اللعبي، المقيم في باريس منذ مطلع الثمانينيات، تحدث للجزيرة نت، قبل دقائق من اعتلائه منصة ندوة تكريمية لكل من الراحلين أدمون المالح وإبراهام السرفاتي، عن بيانه المشترك مع الشاعر السوري أدونيس تأييدا للثورتين التونسية والمصرية الذي جمعا عليه تواقيع مثقفين عرب وغربيين.

 العسكري: الثورة في بلاد العرب تجاوزت
كل التيارات النخبوية (الجزيرة نت)
اللعبي كان قد نشر قصيدة جديدة أشار خلالها إلى أن نجاح الثورة يكمن في رفض جيل الشباب لكل أنواع التسلط والأبوية ومطالبته بحرية كاملة وغير منقوصة تضمن الحقوق الفردية والجماعية بعيدا عن كل مساءلة عقائدية أو أيديولوجية.

وانتهز اللعبي الفرصة للتنديد بالنظام المغربي الفاسد الذي يشبه أنظمة عربية أخرى قد تهاوت هذه الأيام مركزا على فساد حكم ما سمّاه "المخزن".
يشار إلى أن عريضة المثقفين المؤيدين لثورتي الشعبين المصري والتونسي قد تضمنت دعوة مثقفي العالم إلى مساندة المد الثوري العربي الجديد، وتضمنت أكثر من مائة مثقفة ومثقف، وهي في ازدياد.

الشرعية الثورية
من جهته لم يتردد الصحفي والروائي يحيى العسكري في تأكيد هزيمة المثقفين الغربيين والعرب الذين سكتوا على الرعب والتنكيل باسم الشرعية الثورية، التي رفعتها الأنظمة العربية في وجه قلة قليلة من النخبة رفضت أن يتحول خطاب الشرعية الثورية إلى سجل تجاري في المزاد الأيديولوجي الرخيص.

العسكري قصد قادة الجزائر وغيرهم من قادة دول عربية أخرى، فهم عوض الاستماع إلى صوت شعوبهم المعذبة راحوا يدغدغون عواطفهم باسم وطنية مشكوك فيها، ولا أدل على ذلك من حزن إسرائيل على رحيل مبارك. 

وأكدّ أن ثورتي مصر وتونس وأخرى على الطريق سوف لن تترك أي مجال للاجتهاد الفارغ لأن الشعب البسيط المكون هو الذي انتفض، ولا فائدة فيما يفعله الإعلام الغربي من رفع راية الخطر الإسلامي ما دامت الثورة قد تجاوزت كل التيارات النخبوية.

غراميزون: ثورات العرب عرت المثقفين الذين اعتقدوا أن العرب ليسوا مؤهلين للديمقراطية  (الجزيرة نت)
أيدوا الطغاة
المؤرخ الفرنسي اليساري المعروف أوليفييه لاكورغراميزون، المتخصص في تاريخ الاستعمار الأوروبي، كان من بين المثقفين الفرنسيين القلائل الذين نددوا دائما بـ"قبيلة" المثقفين، الذين تاجروا بسجل محاربة الإرهاب الإسلامي من خلال مبدأ تفضيل مبارك وبن علي وآخرين على قادة إسلاميين.

غراميزون أكد أن التاريخ سيحتفظ بصفحة المثقفين الذين وقفوا إلى جانب طغاة من أمثال بن علي ومبارك، بعد أن منوا بهزيمة نكراء وغير مسبوقة نتيجة مواقف مغرضة وذاتية لا تعكس الالتزام الأخلاقي الذي يجب أن يتحلى به مثقف حقيقي يعالج الواقع استنادا لمعطيات ملموسة، وليس لتصورات وحسابات سياسية تجسد مكافيلية حكام مستبدين يضحون بكل معارض يقف في وجه سلطتهم إسلاميا كان أم غير إسلامي.

وأضاف "ثورتا مصر وتونس وضعتا حدًّا فاصلا لمسيرة مثقفين أوروبيين اعتقدوا دائما أن العرب ليسوا مؤهلين للديمقراطية، وتليق بهم دكتاتوريات مبارك وبن علي، علما بأن خلفية مواقفهم معروفة وتتعلق أساسا بأيديولوجية تكرس تبعية استعمارية وإمبريالية عبر عنها الرئيس الفرنسي ساركوزي حينما قال في (خطاب العار) بدكار إن الأفريقي لم يدخل التاريخ بعد وقصد بذلك العرب والمسلمين".

وأنهى حديثه بالقول "نظرة فرنسا للمهاجرين المسلمين والأفارقة في الضواحي الباريسية لا تنفصل عن  تصور قاصر لمثقفين روجوا دوما وأبدا لعالم أوروبي ثوري وحداثي وآخر عربي متخلف لا يفقه الديمقراطية ولا يعرف ممارستها". 

المصدر : الجزيرة