أمجد ناصر 
 
صدقت نبوءة العقيد. فقد قال للزعماء العرب في قمة دمشق (وهو يتطلع كعادته إلى رفرفة أجنحة الإلهام الغامضة في السماء): إنكم ستلاقون مصير صدام حسين!

فعلا لاقى بعضهم مصير صدام حسين.. ليس على مشنقة أميركية، ليس مقتولا، كلا (حتى الآن) بل إطاحة على أيدي شعوبهم.

بدأت نبوءة العقيد المزمن بجاره زين العابدين بن علي الذي فر من شعبه في ليلة ليس فيها قمر، طار بن علي في السماء يبحث عن مكان يحط فيه على الأرض، فكانت السعودية ملجأه الآمن.. إلى حين، ثم قفزت نبوءة العقيد عن طرابلس، على شكل قوس من الغضب، وحطت في القاهرة فطار جاره الثاني إلى شرم الشيخ، حيث "المطار والبحر والقوات المتعددة الجنسيات وإسرائيل"، على حد تعبير هيكل.

في المرتين اللتين طار فيهما جاراه طلع القذافي بوجه شمعي لا تتحرك فيه عضلة واحدة سوى شفتين تذكران بحركة الدمى وقال للتونسيين: ستندمون على "الزين"، أما في الثانية فقال إن حسني مبارك لا يملك سوى "هدومه" التي يشتريها هو له!

قطعت نبوءة العقيد بحارا وجبالا وجزرا وحلقت فوق شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام ولم تحط على الأرض، ولكن يبدو أنها عادت، في الأثناء، سريعا إلى من أطلق تلك النبوءة التي تقشعر لها أبدان الحكام العرب بلا استثناء.

ها هي نبوءة العقيد، الذي لن يجد من يكاتبه أو يواسيه أو يقول عنه ما قاله في رفيقيه في الاستحقاق نفسه، تحط على رأسه تماما.

"
قطعت نبوءة العقيد بحارا وجبالا وجزرا وحلقت فوق شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام ولم تحط على الأرض، ولكن يبدو أنها عادت، في الأثناء، سريعا إلى من أطلق تلك النبوءة التي تقشعر لها أبدان الحكام العرب بلا استثناء
"
المهرج الأكبر
العقيد القذافي حالة فريدة في سيرك حكامنا الذي ينعقد سامره في القمم العربية. ستغيب وجوه كثيرة عن القمة العربية القادمة (لا ندري متى وأين ستنعقد بعد أن تستقر عاصفة الثورات العربية المتتابعة) ولكن أغرب وجه سيغيب عنها، على ما تؤكد وقائع أيام الجمر الليبية، هو أقدم حاكم عربي: القذافي، فالقمة العربية التي لا يحضرها القذافي مملة كوجوه الحكام العرب.
 
إنه مهرجها الأكبر. كل شيء فيه مغاير للسائد: شعر رأسه، قبعته، ثيابه المزركشة، حارساته المدججات باللحم والسلاح، جمله المتقطعة التي لا يربط بينها رابط، حسه النرجسي بالكاميرا. تلك "الطرافة"، أو غرابة الأطوار، كانت موجهة للكاميرا وليس لليبيين الذين لم يروا منه سوى البطش والترويع والاحتقار. لم يحتقر حاكم شعبه كما فعل القذافي. عاملهم كقطيع من الأغنام.
 
جرب عليهم كل أصناف الجنون الفكري، فكك كل المكونات التي يمكن أن تشكل دولة أو مجتمعا مدنيا. بدد أي تراكم من أي نوع، حبسهم في مختبر تجاربه الفنتازية، وصبروا، صبر الشعب الليبي المسالم طويلا، صبر كما لم يصبر أي مجتمع عربي آخر، بل أي مجتمع في الكون، ولكن، كما تقول الأغنية القديمة، للصبر حدود. اثنتان وأربعون سنة من الصبر تكفي. اثنتان وأربعون سنة من مختبر التجارب الفرانكشتاينية وصلت إلى نهايتها المحتومة. لا صبر بعد اليوم أيها العقيد.

لقد انكسر القيد وخرج شعبك من وراء أسوار سجنك الكبير.

غرابة ملطخة بالدم
ولكن يأبى العقيد، حتى وهو في أشد لحظات ترنحه، إلا أن يواصل غرابته الملطخة بالدم. يدفع بابنه، "الإصلاحي"، "المنفتح" إلى شاشة التلفزيون بعد أيام من قتل شعبه وترويعه. يظن الناس أن "رمز الإصلاح" سيعمد إلى التهدئة.
 
سيقول كلاما معسولا، سيقدم تنازلات لاحتواء الغضب المتفجر على امتداد رقعة البلاد، لكن الابن "الإصلاحي"، "المختلف" عن أبيه، وإخوته المسعورين، طلع ابن أبيه. إنه صورة مصغرة من العقيد. وبدل أن يمتص الغضب، أو يقدم حلا للأزمة أو يعتذر عن الدم الذي سال، قبض يده اليمنى وفرد سبابته وهزها كعصا في وجه الليبيين متوعدا بمزيد من الدم، مزيد من الرصاص.

"
صارت الإطلالات الثلاث مقياسا لسقوط الطغاة العرب حتى الآن. لقد استغرق زين العابدين ثلاث إطلالات وحسني مبارك ثلاثا أيضا. وها هو القذافي يستهلك رصيده من الإطلالات بأقل من أسبوع. لا إطلالة أخرى لـ "الأخ القائد" على ما يبدو
"
ثم عندما لم يفلح صاحب "ليبيا الغد" في إقناع طفل واحد في بلاده، طلع الوالد العقيد في مشهد المظلة المثير للشفقة. هل هي كوميديا سوداء؟ يتساءل الناس عن تلك الإطلالة المقتضبة لأقدم حاكم عربي يفرد مظلة بيضاء فوق رأسه (لم تكن هناك حاجة لها، فقد كان يحتمي بسقف سيارة رياضية). لتلك الإطلالة المقتضبة هدف واحد: أنا في طرابلس أيتها الكلاب الضالة (التعبير الأثير للعقيد عمَّن يخالفه الرأي) ولست في كراكاس!

لكن تلك اللمحة الكوميدية السوداء الخاطفة لم تخطف الأنظار والأسماع عن عمليات القتل التي يقودها أبناؤه المسعورون في طرابلس ومناطق أخرى لم تسقط من يد العقيد. رغم ستارة التعتيم الكثيفة (المظلة السوداء الكبيرة التي فردها فوق سماء ليبيا) كانت أصوات المنتفضين تصل بالهواتف الى كل مكان في العالم، وكانت أنباء سقوط قلاعه تتوالى، فكان على العقيد أن يلبس هذه المرة جلد النمر، كان عليه أن يخرج أنيابه بلا مواربة، بلا مسرحيات هزلية.
 
أيها الجرذان والقطط والكلاب السائبة والمخدرون، يقول لشعبه الذي قرر أن يكسر القيد مرة واحدة وإلى الأبد، سأطهر البلاد منكم بيتا بيتا، زقاقا زقاقا، فردا فردا، إن كنتم تظنون أنني استخدمت القوة حتى الآن فأنتم مخطئون. لم تروا شيئا من قوتي وبطشي بعد!

هذه هي رسالة القذافي في إطلالته الثالثة (بحساب إطلالة ابنه سيف). صارت الإطلالات الثلاث مقياسا لسقوط الطغاة العرب حتى الآن، لقد استغرق زين العابدين ثلاث إطلالات وحسني مبارك ثلاثا أيضا. وها هو القذافي يستهلك رصيده من الإطلالات بأقل من أسبوع. لا إطلالة أخرى لـ"الأخ القائد" على ما يبدو.. إلا على صورة لم نرها له من قبل.

الطغيان والركاكة
لم تنته معركة ليبيا مع الطغيان والركاكة، والفوضى المدبرة، وغياب القوانين، وتكميم الأفواه. هناك شوط أخير يريده العقيد أن يليق بتاريخه الدموي مع شعبه. فلن يفر "قائد الثورة" من بلاده في ليلة بلا قمر، كما فعل زين العابدين، ولن يتنحى، بمعونة جيشه ويستريح في منتجع سياحي، كما فعل حسني مبارك.
 
"
شعب ليبيا سينتصر، هذا أمر محتوم. ولكننا لا نريد أن يكون ثمن هذا الانتصار باهظا. شعب ليبيا سينتصر هذا مكتوب على جباه رجالها ونسائها الشجعان. والدور قادم على الذين يسيجون قصورهم بالحرس
"
لن يفعل العقيد شيئا من ذلك على ما يقول المقربون منه. يريد أن يكتب نهايته بالرصاص. بالنجيع. فإن صدق كلام الذين يعرفونه علينا أن نتوقع، للأسف، دما غزيرا. رصاصا كثيفا. نهاية تراجيدية، وهذا، بالطبع، ما لا يريده أحد لشعب ليبيا، لسكان طرابلس الذين أحاطهم بما تبقى من كتائبه الأمنية ومرتزقته.

على العالم، الذي كنا نظن أنه يكره العقيد أن يسارع إلى فعل شيء ما. على أوباما الذي أطل على الشعب المصري أكثر مما فعل حسني مبارك وطالبه بالتنحي، أن يفعل شيئا لتفادي المذبحة التي يمكن أن تحدث في طرابلس. على مجلس الأمن البائس الذي أمطر صدام حسين بـ100 قرار تحت البند السابع أن يفعل ما يرقى إلى الوضع الخطير الذي تعرفه طرابلس الآن. هذا العالم الذي تقوده أميركا بعقيدة "حقوق الإنسان" عليه أن ينتصر، حقا، ولمرة واحدة، لهذه العقيدة وألا يكيل بمكيالين.

شعب ليبيا سينتصر، هذا أمر محتوم. ولكننا لا نريد أن يكون ثمن هذا الانتصار باهظا. شعب ليبيا سينتصر هذا مكتوب على جباه رجالها ونسائها الشجعان. والدور قادم على الذين يسيجون قصورهم بالحرس. لا مفر لأحد بعد اليوم من طوفان الناس. لا مفر ولا منجاة، خصوصا، لمن يتلطون وراء الجملة القومية "الممانعة" ويظنونها كافية لرد الاستحقاق المتأخر كثيرا عنهم.
 
الموجة عالية، ولا أحد بمقدوره أن ينأى بنفسه عنها. فلن ينفعهم الحزب الحاكم أو العائلة الحاكمة ولا الكتائب الأمنية، لن يستطيعوا القول لسنا تونس. لسنا مصر. لسنا ليبيا. فكل بلاد العرب، على نحو أو آخر، تونس ومصر وليبيا.

المصدر : الجزيرة