لوحة للفنان الفرنسي تيوفيل ستاينلين وهي معروضة في معرض قصر النور

أنطوان جوكي-باريس
 
يستضيف "قصر النور" في مدينة إيفيان الفرنسية معرضا تحت عنوان "هونوري دوميي، تيوفيل ستاينلين وتولوز لوتريك – الحياة يوميا" يهدف إلى كشف الروابط التي تجمع بين هؤلاء الفنانين الثلاثة الذين شكلوا، في القرن التاسع عشر، شهودا على مجتمعهم فسعوا، كل حسب طريقته، إلى تصوير الحياة اليومية في باريس داخل صحافة زمنهم.

ولهذه الغاية، استحضر عشرات الأعمال الفنية (لوحات زيتية ورسوم ومحفورات) من متحفي مونمارت وكارنافالي الباريسيين ومن متحف سان دوني، وعدد كبير من الصحف والمجلات والملصقات من المكتبة الوطنية ومركز الملصق في مدينة تولوز.

وتكمن أهمية المعرض في كونه المرة الأولى التي تجمع فيها أعمال دوميي وستاينلين وتولوز لوتريك داخل فضاء واحد وضمن مقابلة تتجلى فيها خصوصيات كل واحدٍ منهم ومساهمته في وصف إيقاع الحياة الباريسية وآدابها وشيمها في تلك الفترة المجيدة من تاريخ المدينة.

فكان دوميي (١٨٠٨-١٨٧٩) مثلا قد رسم تحولات مجتمعه وظروف اختلاط الطبقات الاجتماعية داخل الفضاء المديني العام، خصوصا الشارع الذي اختبره وعاشر ناسه عن قرب. وكان يتابع الأحداث السياسية والاجتماعية ويعلق عليها برسمٍ يومي في صحيفتي "شاريفاري" و"الكاريكاتير" كاشفا عيوب معاصريه أو بؤسهم.

لوحة للفنان الفرنسي هونوري دوميي
لكن الثورة التي أحدثها بهذه الرسوم لا تكمن في المواضيع التي عالجها بقدر ما تكمن في أسلوب معالجتها، وبالتالي في أبحاثه الجمالية، فمحبته للناس واهتمامه بقدرهم قاداه إلى تصويرهم بتعبير رسامي خاص ومتناقض.
 
كاريكاتير الآداب
وبينما كان الفنانون المعاصرون له يمارسون، كمن سبقهم، "النوع الفني الكبير"، أي فن الرسم التاريخي (peinture d''histoire)، دشن دوميي بشكلٍ حاسم "كاريكاتير الآداب"- وفق تعبير شارل بودلير- وتحول بفضل حس السخرية لديه رائد فن الكاريكاتير دون منازع فترك أثرا بالغا على الأجيال الفنية اللاحقة، وتحديدا على ستاينلين وتولوز لوتريك.

ودوميي هو واحد بين فنانين كثر في القرن التاسع عشر اهتموا بحياة معاصريهم اليومية، لكنه دون شك هو الفنان الذي برهن على أكبر قدرة فطرية على تفهم الشخصيات التي رسمها. والسبب؟ عيشه بحدة وعمق كل فعل أو سلوك أراد نقله، واختباره كل إحساس رغب في التعبير عنه.

وبدلا من تحويل فضاء أعماله إلى مكان للتعبير عن ثورة اجتماعية أو لنقل أحداث معركة ما، سعى وروج لعدالة تقوم على المحبة والاحترام والتسامح، ولا تحمل السلاح ولا تحاول إقناع الآخرين بالقوة.

ولهذا اكتفى بمنح معاصريه مرآة للعالم وبوضعهم وجها لوجه مع صورتهم مراهنا على إدراكهم بأنهم هم المقصودون في أعماله. وبالتالي خلف الابتسامة التي رغب في إثارتها بهذه الأعمال، ثمة أيضا توجه تربوي واضح غايته تحسين المجتمع الذي عاش الفنان فيه بسعادة كبيرة وسعى إلى عدم إيقاف سيرورة تحولاته.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى ستاينلين (١٨٥٩-١٩٢٣) الذي اهتم عن قرب بالمجتمع الباريسي وراقب عن كثب الحياة البوهيمية والشعبية في العاصمة الفرنسية في الفترة الأخيرة من القرن التاسع عشر فتحول بسرعة إلى رسام "الشعب البائس" فاضحا الظلم الاجتماعي وظروف عيش الفقراء.

لوحة للفنان الفرنسي تولوز لوتريك
مكان الحياة الحقيقية
والمتأمل لأعمال ستاينلين يستشف بسرعة كبيرة مع الشارع الباريسي يمكن أن نطلق عليها العبارة التي ابتكرها فيكتور هوغو  لوصف شخصية غافروش "كان يدخل إلى الخارج".
 
ولا عجب في ذلك، فالفنان اعتبر الشارع مكان الحياة الحقيقية، ولهذا نجده يغوص بنا في عالم الشابات المتسكعات وبائعات الزهور أو الهوى والنادلات والسكارى. لكن خلف اهتمامه بهذه الشخصيات، نلاحظ أيضا سعيه إلى كشف تشوه الأجساد تحت تأثير العمل المضني أو الفقر وإلى فضح الاتجار بها.

وفعلا تظهر شخصيات ستاينلين داخل أفق مشبع بالديكور المديني وفي حالة حركة دائمة يمليها إيقاع عملها أو فرارها من خطر داهم. فكثيرة هي أعماله التي نشاهد فيها فتاة تهرب من رجل أو من قواد يلاحقها.

وهدف الفنان من ذلك ليس الاحتفاء بهذه الشخصيات أو رد اعتبارها بل جعلها مرئية، لاقتناعه بفكرة دوميي التي تقول بأن تأمّل ذاتنا كما لو أننا أمام المرآة يؤدي حتما إلى حالة الوعي المرجوة. ويعكس هذا التوجه التزام ستاينلين الاجتماعي وتبجيله لإرث الثورة الفرنسية واقترابه بأفكاره من الحركة الفوضوية.
 
الاهتمام بالهامشيين
أما تولوز لوتريك (١٨٦٤-١٩٠١) فيعد اليوم أحد أشهر الفنانين في العالم ووجه رئيسي من وجوه "العصر الجميل"، وبالتالي أكثر من مجرد شاهد ألقى نظرة حميمة وفجة على حقبته، إذ جسد هذا الفنان شخصية نموذجية وملهمة لتلك الحقبة، ولم يكتف بدور الرسام الناشط داخل محترفه بل ملأ جدران المدينة بملصقاته وأنجز رسوما للصحف والمجلات وأخرى زين بها الأسطوانات والبرامج المسرحية وأغلفة الكتب وحتى قائمات الطعام لبعض المطاعم.

"
أبعد من إنجازاتهم التشكيلية، نعثر لدى الثلاثة: دوميي وستاينلين ولوتريك على الاهتمام نفسه بمعاصريهم وعلى رقة وإنسانية كبيرتين ضمن سعي ثابت خلف الحقيقة
"
والمثير في هذا العملاق هو اهتمامه الحصري بالهامشيين وتمضية معظم وقته في الحفلات الشعبية والسيرك والحانات المشبوهة وبيوت الغانيات، بدافع الرسم أو اللهو، إلى جانب هزئه الثابت من البورجوازيين وعدم تطلعه إلى أي شهرة أو اعتراف بفنه إلا من قبل الشارع وفتياته.

باختصار، منحنا دوميي وستاينلين وتولوز لوتريك بورتريه شرس وحاز للإنسان لا يزال محافظا على كل قيمته ونكهته. وأبعد من إنجازاتهم التشكيلية، نعثر لدى الثلاثة على الاهتمام ذاته بمعاصريهم وعلى رقّة وإنسانية كبيرتين ضمن سعي ثابت خلف الحقيقة.
 
ومن خلال أعمالهم المعروضة حاليا يتجلى لنا بقوة نجاحهم في تحويل أشخاص مجهولين التقوا بهم في الشارع إلى أيقونات حديثة تشهد على حقبتها، وبالتالي تمكنهم من التعبير عن الشامل داخل المألوف.

المصدر : الجزيرة