تمثال الزعيم الشعبي المصري عمر مكرم في وسط القاهرة (الجزيرة نت)

محمود جمعة–القاهرة
 
"لم يعرف فضله ولا كوفئ على جهاده، بل كان نصيبه النفي والحرمان والإقصاء من ميدان العمل، ونكران الجميل"، بهذه الكلمات وصف المؤرخ الرفاعي نقيب الأشراف الشيخ عمر مكرم (1750-1822)، الزعيم الشعبي الذي قاوم الاحتلال الفرنسي، ثم تنكر له الوالي محمد علي وأبعده إلى دمياط فطنطا حيث توفي فيها.

عمر مكرم بن حسين السيوطي -الذي ولد بأسيوط، وتعلم بالأزهر، وقاد الحركة الشعبية والكفاح الشعبي ضد الحملة الفرنسية سنة 1798، وتزعم الثوار خلال ثورة القاهرة الأولى إبان الحملة الفرنسية- يشكو الآن من المصير ذاته بعد أن تم تجاهله كأحد شهود العيان على الثورة المصرية التي قام بها شباب مصر في 25 يناير/كانون الثاني الماضي، بعد مضي أكثر من مائتي عام من ثور مكرم.

حضر تمثال الزعيم الشعبي طوال 18 يوما هي الأيام التي قضاها شباب الثورة بجواره، وظل خلالها شاهدا وحارسا ومراقبا للحالة الحضارية التي شاهدها مستمتعا، ومتذكرا الثورة الأولى في تاريخ مصر الحديث، عندما قاد هو وشيوخ الأزهر ونقباء الطوائف والمهن والحرف ثورة الشعب ضد الحملة الفرنسية، إلى الحد الذي اضطر فيه الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت إلى التملق والمشاركة في بعض الطقوس الإسلامية لاسترضاء الشعب المصري آنذاك.

تنهد عمر مكرم طويلا وهو يشكو عدم الالتفات إليه أو استنطاقه كشاهد عيان على أحداث الثورة، ليس فقط من موقعه متوسطا ساحة ميدان التحرير، ولكن من خلال مسجده الأشهر الذي طالما فتحه كدار عزاء لعلية القوم وكبار رجالات الدولة، وخصصه خلال الثورة مأوى للمتظاهرين ومكانا يحتضن الفتيات والسيدات عندما يجن عليهن الليل، لينمن فيه سويعات تقويهن لمعاودة التظاهر في الصباح.

"
كنا نستخدم مسجد عمر مكرم للراحة ليلا ونفترش أرضية المسجد الذي كان يمتلئ بالفتيات والسيدات، بينما كان شباب المتظاهرين يقفون خارج أبواب المسجد لحمايتنا
"
سامية كريم

سواعد الشباب
على مقربة من تمثال الزعيم الشعبي عمر مكرم، وغداة المظاهرة المليونية التي نظمها شباب الثورة تحت شعار جمعة النصر، تجمع عدد من الشباب والفتيات في الصباح الباكر وأمسكوا بأدوات التنظيف لإزالة ما تبقى من أوراق وقمامة خلفتها مظاهرة الجمعة، وأخذوا في تنظيف الميدان بسواعدهم، في مشهد لفت أنظار المارة الذين وقفوا مشدوهين وفخورين بما يرونه، فيما راح بعضهم يلتقط صورا تذكارية معهم أو يسجل هذا الحدث عبر كاميراتهم الشخصية.

تقول رشا محمد -وهي طالبة في الجامعة الأميركية- "فضلنا ألا نترك ميدان التحرير بعد المظاهرة المليونية التي نظمناها بالأمس دون أن ننظفه، نحن نريد أن نؤكد أننا لا نخرب بل فقط نعبر عن حالة حضارية من خلال تظاهرنا السلمي للمطالبة بتحقيق بقية مطالب الثورة".

وأضافت رشا للجزيرة نت "أنا وزملائي انتظرنا حتى ينصرف المتظاهرون لكي نبدأ في عملية تنظيف الميدان لإعادته إلى أبهى صوره، حتى نؤكد أننا في كل مرة ندعو إلى مظاهرات في الميدان سنعقبها بتنظيف المكان... وهنا نحن ننظف كافة الحدائق والأرصفة ونقوم بغسل تمثال الزعيم عمر مكرم وننظف الساحة المحيطة به".

وبالقرب منها وقفت سامية كريم (19 عاما) وهي تحمل مكنسة يدوية وتضع قفازا في يديها وقد بدا عليها الإجهاد من طول فترة العمل، لكنها –مع ذلك– ابتسمت عندما اقتربنا منها وسألناها عن سر اختيار هذا المكان بجوار تمثال عمر مكرم، فقالت "نحن نحاول الاعتذار للزعيم عمر مكرم لأننا أزعجناه على مدى 18 يوما... ربما كنا ضيوفا غير مرغوب فيهم، فقد تحلقنا حول التمثال لنختبئ تحت ظله نهارا من الشمس، ونحتمي به ليلا من البرد".
 
وأضافت سامية "كنا نستخدم مسجد عمر مكرم للراحة ليلا ونفترش أرضية المسجد الذي كان يمتلئ بالفتيات والسيدات، بينما كان شباب المتظاهرين يقفون خارج أبواب المسجد لحمايتنا، وخاصة في الأيام التي ملئنا فيها رعبا بعد هجمات البلطجية يوم الجمعة 28 يناير... ولولا المسجد لأصبحنا في العراء".

المصدر : الجزيرة