جمال الغيطاني وصف نظام مبارك بأنه عصابة وقال إن أسسه بدأت أيام السادات (الجزيرة نت)

حاوره في القاهرة: بدر محمد بدر
 
الأديب جمال الغيطاني هو كاتب مصري صاحب مشروع روائي فريد، استلهم فيه التراث المصري والعربي، ليخلق عالما روائيا يعد من أكثر التجارب الروائية نضجا. ولعب تأثره بصديقه وأستاذه الأديب الراحل نجيب محفوظ دورا أساسيا في بلوغه هذه المرحلة، وساهم في إحياء الكثير من النصوص العربية، وإعادة اكتشاف الأدب العربي القديم بنظرة معاصرة.

ولد الغيطاني عام 1945 في قرية جهينة بمحافظة سوهاج بصعيد مصر، ونشأ في حي الجمالية بالقاهرة الفاطمية، الذي أمضى فيه ثلاثين عاما، وانضم في بداية حياته إلى أحد التنظيمات الماركسية، وعمل في الصحافة حتى أصبح محررا أدبيا لجريدة الأخبار، ثم رئيسا لتحرير "أخبار الأدب"، ونال عدة جوائز أدبية منها: جائزة الدولة التشجيعية للرواية عام 1980، كما حصل على جائزة الدولة التقديرية عام 2007.

"الجزيرة نت" حاورته حول مصر وشعبها قبل وبعد الثورة الشعبية المصرية التي أطاحت برئيس الدولة، فإلى تفاصيل الحوار:

 بداية كيف تصف لنا ملامح المرحلة الماضية من تاريخ مصر قبل ثورة 25 يناير؟

الغيطاني: من خلال خبرتي بالتاريخ المصري، الذي قرأته وألممت به، يمكن القول إن هذه الفترة من أغرب الفترات التي مرت بمصر في تاريخها، فخلالها تكونت طبقة متوحشة كانت أشبه بالعصابة التي اختطفت وطنا، وجرت عملية تدمير منظم للوطن والإنسان، ولكل ما يوجد على أرض مصر، بحيث تحولت مصر إلى بلد طارد لأهله، وأنا أرى أن النظام الذي سقط يوم الجمعة (11/2) يشبه المافيا، وللأسف الشديد فإن ما شجع على استمرار هذا النظام هي أصوله التي بدأت في عهد السادات.

"
فترة مبارك من أغرب الفترات التي مرت بمصر، فخلالها تكونت طبقة متوحشة كانت أشبه بالعصابة التي اختطفت وطنا، وجرت عملية تدمير منظم للوطن والإنسان، ولكل ما يوجد على أرض مصر، بحيث تحولت مصر إلى بلد طارد لأهله
"
الغيطاني
زعيم المافيا
ومن الإنصاف القول إنه على الرغم من وضع السادات لأصول الفساد، فإنه لم يمارس "البزنس"، وكنت أظن أنه لن يأتي وضع أسوأ من الوضع في عهد السادات، لكن زمن مبارك لم يعد الأسوأ فقط، بل ليس له مثيل في أي فترة من فترات تاريخنا، لأن الرئيس نفسه -الذي كان قائدا كبيرا في الواقع- تحول للأسف مع الزمن إلى زعيم لهذه المافيا.
 
 
 كيف تصف ملامح الشعب المصري قبل ثورة 25 يناير؟
 
الغيطاني: الشعب المصري فاجأ الجميع، بمن فيهم جيلي أنا، فقد كنت أردد دائما لأصدقائي أنني أخشى أن أفارق الحياة وهذا الوضع مستمر، وأحيانا كنت أمزح وأقول إنني أتمنى أن أعيش يوما واحدا بعد سقوط النظام، وقد سقط والحمد لله، وآمل أن يمتد بي العمر حتى أرى ازدهار مستقبل مصر، ولدي ثقة كبيرة في هذا الشعب رغم المشكلات التي تبدو على السطح الآن.

الشعب المصري دائما ما يساء فهمه، ويظلم حتى من أبنائه، فبعض الكتاب وصفوه بالخنوع والبلادة، وأنه غير ثوري ويستمرئ العبودية، وأنا شخصيا لم أصدق هذا الكلام، وكنت أعرف سمات الشعب المصري الحقيقية، فهو يتسم بخصوصية الحركة، بمعنى أن المصريين يثورون عندما لا يتوقع أحد، ويسكتون عندما يتصور كثيرون أنهم لابد من أن يثوروا.

المصريون شعب صبور، مرت عليه كل أنواع الظلم والاحتلال والاضطهاد والأوبئة. لقد تحمل كثيرا، و30 سنة تعد لا شيء في عمر شعب عمره آلاف السنين، بينما على المستوى الفردي يصبح الأمر مأساة، فثلاثون سنة هي نصف عمري راح في عهد مبارك.

وفي لحظة من اللحظات التاريخية اندفع الشعب المصري يوم 25 يناير، وبدأ بوقفات احتجاجية تشبه ما اعتدنا عليه، لكن التحول بالنسبة لي، وأدركت أن الأمر ليس شيئا عاديا، حين نزلت ميدانيا ورأيت الثورة وصدام الشرطة بالشارع في ميدان التحرير، ونزلت عدة مرات، حيث كان لابد من أن أرى بعيني، وآخرها كانت يوم الجمعة (11/2) وكنت حينها عند قصر العروبة.
 
 
وماذا تغير في الشعب المصري بعد 25 يناير؟

"
الشعب المصري فاجأ الجميع، بمن فيهم جيلي أنا، فقد كنت أردد دائما لأصدقائي أنني أخشى أن أفارق الحياة وهذا الوضع مستمر، وأحيانا كنت أمزح وأقول إنني أتمنى أن أعيش يوما واحدا بعد سقوط النظام
"
الغيطاني
الغيطاني: بعد يوم 25 يناير كان الأمر يتحول يوما بعد يوم، وأدركت أننا أمام حدث كبير وليس مسألة عابرة، وما حدث اخترق بالفعل حاجز الأسطورة، وحدث في نفس الوقت ما تحقق في الأدب الفرعوني القديم "الكل في واحد"، فالشعب المصري انصهر في واحد، وهو الشعب المصري نفسه، وخرج منه أجمل ما فيه، وعلم العالم درسا في الثورة لا مثيل له.

ثورة شعب
رأيت بعيني ثورة شعب، فيها قناصة وقنابل الغاز ورصاص حي وعربات تدهس المواطنين، وأمهات يحملن أطفالهن الرضع، وأناس تحضر بطعام وأغطية يتركونها للثوار، إنها تفاصيل كثيرة، رأيت إنسانا فقيرا يقتسم بيضة مع آخر، ورأيت الغني بجوار الفقير، والمتنقبة مع غير المحجبة، والمسلمون يصلون ويحرسهم مسيحيون.

مشهد يفوق ما نحلم به، هذا هو الشعب المصري، وأعظم شيء هو الإصرار على بلوغ النهاية، وهي خلع الرئيس السابق من الحكم وبداية خلع نظامه، وما كنت أخشاه أن يحدث صدام بين الشعب والقوات المسلحة لكن قادة القوات المسلحة رأوا إصرار الشعب، وأدركوا أن مصر تتفكك وتنهار، فتقدموا في اللحظة المناسبة لاقتلاع الدكتاتور، الذي رحل رغما عنه، وأنقذوا مصر حين انحازوا للشعب.

 
هل تعتقد أن مصر كانت حبلى بمظاهر ومقدمات الثورة؟
 
الغيطاني: نعم.. رصدت عدة ظواهر، ومنها الوقفات الاحتجاجية السياسية والاعتصامات، ولكن لم أتصور أن تؤدي إلى هذه النتيجة العظيمة، ورصدت الأدب المصري الذي كتب عن الفساد، مثل أدب صنع الله إبراهيم ويوسف القعيد وغيرهما، وأشعار عبد الرحمن الأبنودي وأحمد فؤاد نجم، وكنت أتلقى التهديد بالقتل بسبب رواية "حكايات المؤسسة" التي كتبتها سنة 1996، ومصر كانت تقاوم، ولكنها في نفس الوقت تحتضر، لأن العصابة كانت تنهش فيها، وتمتص دمها، وهي عصابة بلا رحمة، وبعض رجال الأعمال حرضوا على الطلبة في ميدان التحرير يوم "غزوة الجمل".

ومن مقدمات الثورة أيضا: المظاهرات والاحتجاجات وشبكة الإنترنت وفيسبوك، رغم أني لم أتعامل معه، لكن تأتيني على بريدي الإلكتروني
"
لابد من تصفية النظام القديم بحزم، وأن نعطي القوات المسلحة المنحازة للشعب فرصة لتصفية مراكز الفساد، فهل من المعقول أن نجد رئيس تحرير جريدة كبرى ينظر من مكتبه إلى شباب الثورة، ويقول "هيخلصوا عليهم" (سيقضون عليهم)، ثم نجد له بعد ذلك عنوانا يؤيد الثورة؟!
"
الغيطاني
رسائل سخرية وفضائح، ولم أكن أتصور أن هذا في النهاية سوف يؤدي إلى خروج الشعب المصري كله بكل أطيافه، في ثورة سلمية بيضاء لا مثيل لها، وأتصور أنه سيكون لها تأثير بعيد المدى لعشرات السنين مثل ثورة 1919.
 
 
 ما هي في تقديرك الأولويات الملحة لمصر في المرحلة المقبلة؟
 
الغيطاني: لابد من تصفية النظام القديم بحزم، وأن نعطي القوات المسلحة المنحازة للشعب فرصة لتصفية مراكز الفساد، فهل من المعقول أن نجد رئيس تحرير جريدة كبرى ينظر من مكتبه إلى شباب الثورة، ويقول "هيخلصوا عليهم" (سيقضون عليهم)، ثم نجد له بعد ذلك عنوانا يؤيد الثورة؟!.
لابد من تغيير ومحاسبة رجال الأعمال الفاسدين، لا بد من تصفية رؤوس الفساد في الاقتصاد والإعلام والثقافة وغيرها، وأن نعطي انطلاقة جديدة ومختلفة لمصر.
 
 
كيف تلقيت نبأ تنحي الرئيس؟ وبماذا تحلم لمصر؟

الغيطاني: تلقيته وأنا في الشارع، وكنت حينها عند قصر العروبة بمصر الجديدة، وكانت لحظة أسطورية نسيت حينها المرض والتعب والعطش، وأتمنى أن تنهض مصر وهي بلد كبير، يمتلك إمكانيات وفيرة كانت مكبلة ومخطوفة، وأحلم بتعليم جيد، وفرص عمل للشباب، وأحلم ببناء اقتصاد حقيقي، وأعتقد أن اختفاء مبارك من المشهد أنقذ مصر.
 
 
وبماذا تحلم لمصر في مجال الثقافة والإبداع؟
 
الغيطاني: الثقافة هي جزء من مرحلة انطلاق مصر، وأنا أتوقع توهج الإبداع في كل مجالات المعرفة والأدب والفن، وأرى أنه لابد من إلغاء وزارة الثقافة، لأن مصر صنعت مجدها الثقافي بدونها.
 
وأقترح أن تقوم مجموعة مؤسسات ثقافية موضوعية ونزيهة بدلا منها، وكذلك لابد من إلغاء وزارة الإعلام، وتصبح محلهما هيئات تخطط للحياة الثقافية، وليست وزارة منحازة لمثقفين بعينهم وتقف ضد آخرين، وتعكف على تنمية ثروات المسؤولين عنها، وأنا عانيت ولم يتم إقصائي، بل كنت فاعلا ومقاوما بقلمي، ليس فقط في مجال الثقافة، بل كنت أحارب في كل المجالات، عبر كتاباتي في جريدة "أخبار الأدب".
 
وماذا عن تأثير الثورة في العالم العربي والإسلامي؟
 
الغيطاني:
"
أتمنى أن تسير عملية الإصلاح السياسي بخطى أسرع في اتجاه الإصلاح الشامل وتصفية الفساد وبناء أركان الدولة الديمقراطية
"
الغيطاني
العالم العربي والإسلامي قضية كبيرة، وتأثير مصر فيه مهم، وحين تصح مصر الكل يصح، فمصر لها تأثير بالإيجاب والسلب، وإذا صحت صح العالم العربي والإسلامي وأفريقيا أيضا، وإن تعبت مثل أيام مبارك فإن الكل ينهار، وما يهمني الآن بالدرجة الأولى هو أن تنطلق مصر، وتقدم نموذجا إيجابيا للعالم أجمع.

 
هل أنت متفائل أم متخوف، فيما يخص المرحلة المقبلة؟
 
الغيطاني: على المدى البعيد أنا مستبشر خيرا، وعلى المدى القصير من الطبيعي أن تحدث توابع للزلزال، مثل ما نراه من متظاهرين بمطالب فئوية للأسف، وهي مطالب لا بد أن تنحصر، وليفهم الجميع أننا نمر بظروف تشبه أيام حرب أكتوبر 73، لذا لابد من توحيد الهدف وتركيزه، وهناك مؤامرات من أنصار النظام السابق، فلا بد من اليقظة، حيث يتم تحويل الأموال المنهوبة إلى الخارج، ويتم حرق مستندات الفساد في أماكن كثيرة.

 
وما هي رؤيتك لمسار عملية الإصلاح الآن؟
 
الغيطاني: الحركة الآن تسير، ولكن أتمنى أن تسير عملية الإصلاح السياسي بخطى أسرع من ذلك، في اتجاه الإصلاح الشامل وتصفية الفساد وبناء أركان الدولة الديمقراطية. 

المصدر : الجزيرة