المفكر السويسري من أصل مصري طارق رمضان في مناظرة تلفزيونية (الأوروبية- أرشيف)

عماد فؤاد-بروكسل
 
صدرت مؤخرا الترجمة الهولندية لكتاب المفكر الإسلامي المصري السويسري طارق رمضان "إصلاح جذري.. الأخلاق الإسلامية والتحرير -Radicale hervorming, Islamitische ethiek en bevrijding" عن دار نشر "فان خِنِب" بالعاصمة الهولندية أمستردام.

ويناقش الكتاب الذي جاء في 446 صفحة، عدة محاور لعل من أهمها مدى حاجة المسلمين اليوم إلى تغيير أنفسهم ومجتمعاتهم وأفكارهم لمعايشة التطور العلمي والمجتمعي والفكري، أو بطريقة أخرى، كيف يحيا المسلم في العالم المعاصر، وما هي التحديات الواجب عليه مواجهتها ليطوّر من أفكاره ووعيه الديني، بحيث يستطيع مواءمة مفاهيمه الدينية للعيش في عالم علماني أو داخل منظومة القيم العالمية الراهنة.

يعتبر طارق رمضان أحد أشهر المفكرين المسلمين المعاصرين في الوقت الحاضر، حيث ينظر إليه في الغرب باعتباره مفكرا منتجا. ويكفي أن نقول إن كتابه "إصلاح جذري" هو التاسع عشر في ستة عشر عامًا، وقبل شهور صدر كتابه العشرون باللغة الفرنسية الذي يتناول فيه رؤية أخرى جديدة للإصلاح الإسلامي.

يمكن إذن تلخيص سعي هذا المفكر بقولنا إنه يسعى إلى أن يحاول المجتمع الإسلامي اللحاق بالعالم الغربي الراهن، وأن تتطور المفاهيم الإسلامية لتكون قادرة على أن تساهم بدورها في مناقشة القيم الأخلاقية العالمية الراهنة.

غلاف "إصلاح جذري.. الأخلاق الإسلامية والتحرير" في ترجمته الهولندية (الجزيرة نت)
في كتابه يعلن طارق رمضان صراحة منذ البداية وقوفه على الضد من علماء الإسلام الراهنين، إذ يقول "منظومة الأخلاق الإسلامية الراهنة منظومة دفاعية، سلبية، ومن ثم تصبح بهذا الشكل معزولة ومبعدة ومتقوقعة على نفسها وغير قادرة بأي شكل من الأشكال على التفاعل مع المتطلبات العصرية لأي وعي ديني أو إنساني، وبهذا المعنى تقف هذه المنظومة الإسلامية للأخلاق على النقيض التام من أخلاق الفلسفة الإنسانية".

هذه إذن هي النبرة ذاتها التي سبق أن لمحناها في كتب رمضان السابقة، وها هو يعيدها من جديد في كتابه الأحدث، ولكن باستفاضة أكبر.

من هو طارق رمضان؟
هذا هو السؤال الذي يشغل كل من يتناول فكر طارق رمضان اليوم في الغرب، فهو في نظر البعض مجرد إسلامي متعصّب يتخفّى في سمت المصلح الديني الذي يريد للمسلمين التعايش مع المجتمع الغربي العلماني، لكنه في حقيقة الأمر لا يختلف عن المسلمين الذين ينادون بإقامة الدول الإسلامية.

في حين ينظر إليه آخرون باعتباره مفكرا إسلاميا معاصرا يحاول تقريب وجهات النظر بين الغرب والإسلام، معتمدا في ذلك على رؤيته التجديدية للإسلام التي يطرحها من خلال كتبه ومؤلفاته العديدة.

تحول طارق رمضان إلى نجم كبير في الإعلام الغربي بعد مناظرات حية جمعته بكثير من المفكرين الغربيين الذين يقفون في صراع سياسي وفكري واضح مع الإسلام.

 ففي نوفمبر/ تشرين الثاني 2003 حقق رمضان شعبية كبيرة في أوروبا بعد مناظرة جمعت بينه وبين وزير الداخلية الفرنسي آنذاك نيكولا ساركوزي حول الحجاب، كما دخل في مناظرة قوية مع عدد من المثقفين اليهود الفرنسيين واتهمهم فيها بدعمهم المطلق للسياسة الإسرائيلية في الشرق الأوسط، وهو ما اعتبره "رمضان" انحيازًا مطلقًا للجانب الإسرائيلي.

في عام 2008 ظهر اسم طارق رمضان في استفتاء صحيفتين أميركية وإنجليزية باعتباره ثامن أعظم مفكري العالم، واعتبرته صحيفة "تايمز" المجدد الأكثر أهمية في القرن الـ21، كما منحته الـ"واشنطن بوست" لقب "مارتن لوثر الإسلام".

رمضان يعرض جوازه وعليه ختم أميركي بمنعه من دخول أميركا بحجة دعمه العنف (الأوروبية- أرشيف)
المدهش في كل هذا هو الخلفية الفكرية والأسرية التي تربى في كنفها رمضان، والتي يعتبرها كثيرون مؤثرة بشكل أو بآخر في تكوين رؤيته الراهنة للإسلام المعاصر، فهو حفيد حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر.
 
الأثر السياسي الذي خلفه الإعلان عن تكوين جماعة الإخوان المسلمين هو ما دفع والد رمضان إلى الهرب مبكرًا من مصر إلى سويسرا، حيث أنشأ هناك مركزًا إسلاميا في مدينة جنيف، وولد "طارق رمضان" بسويسرا سنة 1962 ليدرس بعد ذلك علوم الإسلام ويحصل على درجة الدكتوراه في التخصص ذاته، لتتوالى فيما بعد مؤلفاته التي أثارت الكثير من المناقشات الفكرية حول الإسلام المعاصر في الغرب.

الشريعة والبرقع
تناولت الصحف البلجيكية والهولندية الكتاب الجديد "إصلاح جذري.. الأخلاق الإسلامية والتحرير" بكثير من التحليلات والمتابعات، بعضها اعتبر أن هذا الكتاب الجديد يؤكد أن رمضان يظهر كما لو كان يهدهد أوروبا كلها كي تبقى في غفوتها الهانئة حتى يكتسح الإسلام المتطرف أوروبا بالشريعة والبرقع.

لكن بعض المتابعات ذهب إلى أن رمضان في كتابه الجديد لا يزال يفكر بالمنطق اللاهوتي للدين، ولكن بشكل معاصر يتسامح مع الغرب العلماني مقابل أن يقبل هذا الغرب الإسلام "المُحدَّث" الذي ينادي به رمضان في كتابه الجديد.

الاستيعاب الغربي
"إصلاح جذري.. الأخلاق الإسلامية والتحرير" يقوم على فكرة رئيسية يحاول طارق رمضان من خلالها دفع الاستيعاب الغربي للإسلام إلى درجة أكثر تقدمًا، وفي الآن نفسه يحاول جعل المسلمين الراهنين يعيدون مراجعة كثير من المفاهيم التي تربّوا عليها دينيًّا.

هذه الفكرة المحورية في كتابه الجديد تقول إن الله عز وجل لم يخلق الإنسان ويحمّله أمانة واحدة كما قد يتصور الكثيرون، بل حمل الله الإنسان أمانتين، الأمانة الأولى هي القرآن والسُّنة، والثانية هي محتوى الحياة كلها، قوانين الطبيعة وتخليصات العلم والنشاط الإنساني العقلي والفكري.

"
يقول رمضان في إحدى فقرات الكتاب "لا يمكن لنا اليوم أن نسمح لمثل هؤلاء الفقهاء الرجعيين بالتحكم في تشكيل حياتنا المعاصرة.. لأنهم مازالوا يتنفسون هواء السنين الأولى لظهور الإسلام"

"
ويؤكد رمضان على أن الأمانة الثانية تقف موقف الند من الأمانة الأولى، فكلاهما على حد سواء من الأهمية بالنسبة للخالق عز وجل، معنى هذا -بحسب رمضان– أن كل نتيجة يثبتها العلم هي جزء من الحكمة الإلهية، ولا يمكن لعلماء الإسلام اليوم تجاهل منجزات العلم وهم يصدرون الفتاوى التي تبدو في أحيان كثيرة وكأنها موجهة لمسلمي القرون الماضية.
 
على الهامش
يشن رمضان في كتابه حربًا شديدة على فقهاء الإسلام المعاصرين ويتهم أغلبيتهم بالعيش على الهامش من منجزات العلم المعاصر، فهم في رأيه يعيشون في عالم آخر غير الذي نحيا فيه، ويعتقدون أنهم أفضل في فهمهم للإسلام من غيرهم، في حين أنهم يفتقدون أي فهم عصري للحياة الراهنة، ذلك لأنهم ما زالوا يتناولون الفهم الديني كما كان يتم تناوله من قبل مئات السنين، وكأن كل منجزات العلم الحديث لم تغير شيئًا.

في هذا الإطار يبدأ رمضان في كتابه تناول مسائل عديدة يغض كثير من الفقهاء المسلمين أعينهم عنها ويتمسكون حيالها بفتاوى عفا عليها الزمن، مثل قضايا مشروعية الإجهاض والموت الرحيم وحقوق المرأة وغيرها من المسائل الشائكة.

يقول رمضان في إحدى فقرات الكتاب "لا يمكن لنا اليوم أن نسمح لمثل هؤلاء الفقهاء الرجعيين بالتحكم في تشكيل حياتنا المعاصرة، من خلال تحديدهم لمعايير تعاملاتنا وسلوكياتنا في القضايا الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية اليوم، فهؤلاء الفقهاء لا يملكون سوى معرفة سطحية بهذه القضايا المعقدة، لأنهم ما زالوا يتنفسون هواء السنين الأولى لظهور الإسلام".

المصدر : الجزيرة