عبد الحليم مطرب الثورتين
آخر تحديث: 2011/2/15 الساعة 13:49 (مكة المكرمة) الموافق 1432/3/13 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/2/15 الساعة 13:49 (مكة المكرمة) الموافق 1432/3/13 هـ

عبد الحليم مطرب الثورتين

 
                                                                   كريم حسين

على مدى ثمانية عشر يوما تسمرت الجماهير العربية  أمام شاشات التلفزة لمتابعة الثورة التي فجرها شباب مصر في ميدان التحرير وسط القاهرة والميادين الأخرى في جميع أرجاء البلاد للإطاحة بالرئيس حسني مبارك الجاثم على صدورهم منذ ثلاثة عقود.

ومن البعيد كان يتردد إلى أسماعنا أثناء متابعة مجريات هذه الثورة في ميدان التحرير صوت الراحل عبد الحليم حافظ (والذي يسميه محبوه العندليب) وهو يصدح بأغانيه الوطنية التي ألهبت حماس أجيال عدة.

وقد لفت هذا الأمر أحد مراسلي قناة الجزيرة بالقاهرة فأشار إليه بالقول إن شباب الثورة يرددون أغاني مطربهم المفضل، وهم يحفظونها عن ظهر قلب رغم أن الرجل رحل عن الدنيا قبل أن يولد الكثير منهم.

وعبد الحليم كما هو معروف مطرب ثورة عام 1952 التي قادها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر والتي تزامن حدوثها آنذاك مع انطلاقة العندليب الصاروخية في عالم الفن ليقف بعد ذلك بمصاف عمالقة الغناء العربي.



"
قادة شباب مصر الذين فجروا ثورتهم في الخامس والعشرين من يناير 2011 وظفوا أغاني عبد الحليم في تعبئة جماهيرهم وشد أزرهم لمواصلة النضال حتى إسقاط الرئيس مبارك
"

أغان سابقة لعصرها
ولا تزال الأجيال التي عاشت تلك الفترة وحتى حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973 وبعدها بقليل تتذكر أغاني العندليب الوطنية المعبرة والمؤثرة مثل "فدائي" و"صورة" و"ذكريات" و"عدى النهار" و"حكاية شعب" و"السد العالي" و"حبيب الملايين" و"خلي السلاح صاحي" وغيرها، والتي كان عبد الحليم يؤديها بصوته القوي وإحساسه المرهف، وهي أغان سبقت عصرها، وفق الكثير من النقاد.

ويبدو أن أولئك النقاد كانوا على حق، فهاهم قادة شباب مصر الذين فجروا ثورتهم في الخامس والعشرين من يناير/ كانون الثاني 2011 يوظفون تلك الأغاني لاسيما "صورة" و"فدائي" و"أحلف بسماها وترابها" في تعبئة جماهيرهم وشد أزرهم لمواصلة النضال حتى إسقاط الرئيس مبارك.

وهكذا رددت الجماهير العربية مع شباب مصر رائعة العندليب "فدائي" التي كتبها الشاعر عبد الرحمن الأبنودي للترحم على شهداء الثورة والإشادة بدورهم والتضامن مع أهاليهم:

"لو مت يا أمي متبكيش

راح أموت علشان بلدي تعيش

أفرحي يُمه وزفيني
وفي يوم النصر افتكريني..

وإن طالت يُمه السنين

خلي أخواتي الصغيرين

يكونوا زي فدائيين..."

ورائعة صلاح جاهين "صورة"  لتحفيز الجماهير ليظهروا في صورة النصر والكرامة التي يسطرها أبطال الثورة:

"صورة صورة صورة كلنا كدة عايزين صورة
صورة صورة صورة تحت الراية المنصورة
صورة صورة صورة كلنا كدة عايزين صورة
صورة للشعب الفرحان تحت الراية المنصورة
يا زمان صورنا صورنا يا زمان
حنقرب من بعض كمان
واللي حا يبعد م الميدان
عمره ما حيبان في الصورة"



"
ثوار مصر أبوا إلا أن يمنحوا عبد الحليم لقب مطرب ثورة الغضب المصري رغم غيابه عنهم جسدا بعد أن رفضوا إضفاء هذه الصفة على مطربين آخرين من جيلهم، بل حتى طردوا بعضهم من الميدان
"

أيقونة الثوار
عبد الحليم كان معبراً عن مرحلة بالغة الحساسية والأهمية في التاريخ العربي في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، فقد نفض تراب اليأس من قلوب المصريين ومن ورائهم الجماهير العربية بعد نكسة حزيران عام 1967 برائعة "عدى النهار".

كما أنه شد من أزر الجيش المصري البطل في حرب أكتوبر المجيدة عام 1973 برائعة "خلي السلاح صاحي" قبل أن يرحل عنا جسدا عام 1977.

من كان يصدق أنه سيعود مجددا بصوته وبأغانيه الحماسية الثائرة إلى ميدان التحرير عام 2011 ليُلهم  الثوار الشجعان الرابضين هناك والذين أبوا إلا أن يتوجوه مطربا لثورتهم رغم غيابه عنهم جسدا بعد أن رفضوا إضفاء هذه الصفة على مطربين آخرين من جيلهم، بل حتى طردوا بعضهم من الميدان، وهم بالتأكيد لم يفعلوا ذلك إلا اعترافا منهم بقيمة عبد الحليم الفنية الكبيرة وباعتباره رمزا من رموز مصر الخالدة.

ولا ريب بعد كل ذلك أن نشبه العندليب الراحل بطائر العنقاء الذي نهض من بين الرماد ليبعث الأمل من جديد في نفوس شبان الثورة المصرية الحالمين بغد أفضل بعد ثلاثة عقود من الاستبداد والطغيان.

المصدر : الجزيرة

التعليقات