من أمسية نقدية يحضرها كتاب ونقاد أردنيون في عمان (الجزيرة نت-أرشيف)

محمود منير-عمّان
 
بقي الأردن المعاصر مادة معرفية مخاتلة لدى الروائيين الأردنيين كما هي لدى المؤرخين، لأسباب عدة أساسها الاختلاف بشأن نشأة الكيان السياسي للدولة الأردنية، أو الاختلاف في قراءة اللجوء الفلسطيني إلى الأردن بسبب الاحتلال الإسرائيلي، وهو الاحتلال الذي ساهم في تكريس وجهات نظر "ملتبسة" بشأن مستقبل العلاقات بين أطراف النسيج الواحد الأردني.

"الحدث السياسي" كان شبه مغيّب عن الرواية الأردنية التي لم تشر مرة واحدة إلى الحسين، ملك البلاد التي حكمها 47 عاماً، ولا إلى توريثه الحكم لابنه الملك عبد الله بعد تعيينه أخيه الحسن وليا للعهد أكثر من ثلاثة عقود، وهي لم تلتفت قبل ذلك كلّه إلى أحداث أيلول في العام 1970 بين الجيش الأردني والمنظمات الفدائية الفلسطينية، أو إلى خلق قراءة تاريخية موازية لانعكاس نكسة حزيران على المجتمع الأردني، وغيرها من الأحداث الكبرى.

"لا أظن أن الحدث السياسي غائب تماما من النص السردي الأردني، لكنه غائم ولا يتمتع بالوضوح الذي تتوفر عليه روايات عربية تدخل الأحداث السياسية في بلادها ضمن نسيجها السردي" يقول الناقد فخري صالح.

ويحيل صالح السبب فيما أسماه "عدم الوضوح" إلى "غياب" جرأة الكاتب الأردني، أحياناً، في تناول الأحداث السياسية وكذلك الشخصيات، لأنه تعوّد أن يقول الأشياء بصورة "مواربة"، حتى لا يتحمل "تبعات" كتابته الأدبية.
 
فخري صالح: عدم الوضوح في تناول
الأحداث سببه عدم جرأة الكاتب (الجزيرة نت)
الحريات العامة
وإشارة إلى تلك "التبعات"، يربط الروائي والقاص جمال ناجي الموضوع بمسألة الحريات العامة في الأردن في فترة سابقة، لافتا إلى أنه تم تناول الحياة السياسية الأردنية بـ"حذر بالغ" وبـ"حساسية مفرطة" بسبب الفاعلية العالية للرقيب السياسي حينئذ، وللتغلب على هذه المشكلة، لجأ الكتّاب إلى استخدام الرموز والإيحاءات، ربما ضماناً لنشر أعمالهم وربما حفاظا على سلامتهم الشخصية بما يعنيه هذا من تفاصيل معيشية وأسرية وأمنية ومهنية.

ناجي لا يعتقد أن هذه الاعتبارات ما زالت قائمة، مؤكداً أنه من الطبيعي أن يكتب الروائيون عن التاريخ السياسي في الأردن وغير ذلك من القضايا التي تستحق الكتابة.

من جهتها تقر الروائية ليلى الأطرش أن القضايا السياسية الشائكة لا تزال بعيدة عن المؤرخين ناهيك عن الكتّاب. وترى أن الكتابة الروائية عن الراهن السياسي أكثر صعوبة، لأن الكاتب يلهث وراء استيعاب الحدث في تسارع المتغيرات السياسية ويحتاج الوقت لهضمها، خاصة أن الحقائق والمعلومات محجوبة، ولا يمكن للباحث الوصول إليها حتى بعد سنوات، ووضع الأردن السياسي والجغرافي و"معادلة وجوده" و"الحفاظ على أمنه" فيها كثير مما يغيب عن السياسيين والمحللين ناهيك عن الكتّاب.

الحالة الفلسطينية
الروائي والقاص إلياس فركوح لا يجد إجابة سهلة حاسمة أو واثقة تماماً للإحاطة بسؤالٍ مركَّب عن "الحدث السياسي" في الرواية الأردنية، معللاً "لأنّ الأمر يتعلّق بأفرادٍ يكتبون ولكّل واحد منهم محفزّاته الخاصة به، ولكّل جيل (إنْ جازَ لي هذا التعبير) سياقه الظرفي ضمن مرحلةٍ في تاريخ الأردن المعاصر كان، ولا يزال، يخضع لشروط تلك المرحلة".

"إجابة" فركوح جاءت بمثابة الاقتراح، أو الظَّن، ولا تتعدّاه إلى الحسم والإمساك بـ"الحقيقة"، مشيراً إلى أن "الحداثة النسبيّة" لنشأة الأردن قد تكون، بالمفهوم السياسي كدولة صغيرة تشكّلت تدريجيّاً بالاتساق مع نمو مجتمعٍ بسيط، رعويّ فَلاّحيّ أشبه بالمدينيّ، أحد الأسباب في تأخر ظهور الكتابة السرديّة الناضجة بحسب شرطها الفني أوّلاً.

ليلى الأطرش: يبقى على الكاتب التخلص
من الرقيب الذاتي (الجزيرة نت)
مقولة فركوح يُنتجها التفاتاً إلى قصائد شاعر الأردن الأشهر مصطفى وهبي التل "عرار" (1899- 1949) ونماذج من شعره الحامل لِبُعْدٍ سياسيّ أكيد. ففي ذلك الوقت لم يكن للقصة القصيرة أو الرواية حضورهما في الحياة الأدبية بما يكفي (كَمّاً وكيفاً) لنعاينَ أثر السياسة في نصوصهما، على حد وصفه.

"زلزال" النكبة الفلسطينية، وما تبع ذلك من هجرة كبيرة للأردن، أحدثَ نقلةً في الحياة الأدبية والثقافيّة، تماماً مثلما أحدثَ تنويعاً عميقاً داخل المجتمع، كما يقول فركوح، مضيفاً "ضمن الشعور الواحد بالمصير المشترك لدى المكّونيَن الأساسيين للحياة الأردنيّة، بدأ السرد النامي ينشغل بمسألة الاحتلال والتهجير والحق المسلوب والأرض المغتصبة، في البعدين: الاجتماعي والسياسي في قصص محمود سيف الدين الإيراني، ومحمود شقير، وخليل السواحري، ورواية عيسى الناعوري الأولى".

ويستطرد "لربما كانت المسألة الفلسطينيّة وحدها، حتّى حزيران 1967 واحتلال الضفة الغربيّة، تشكّل المركز أو الفضاء الذي تبلوّرت فيه الأفكار السياسيّة داخل ما كُتب من سرد".

فلسطين، من دون كثير من قضايا المجتمع، بما تعني سياسة أيضا في جانب منها، بحسب فركوح، كانت الرافعة لجميع الطروحات الناشئة في السرد الأردني المتحليّة بوجهة نظر سياسية.

ولربما استمر الأمر على هذا النحو، إثر حزيران 1967، لكنّ تغيراً أصابَ النصوص التالية على ذلك التاريخ تمثّل في ضَفْر مسألتيْ النضال المسلّح والمعاناة الطبقيّة في بوتقة واحدة، وكُتّابها قانعون بأنهم هكذا "يلتزمون" بالحياة في عمقها السياسي.

التغير السياسي
صالح يعزو "عدم وضوح" الحدث السياسي في السرد الأردني إلى عدم نضج التجربة السردية الأردنية إلاّ في السنوات الأخيرة، فهذه التجربة، وبالأخص النوع الروائي، لم تتبلور إلاّ بوصفها كتابة تجريبية على يد تيسير السبول في روايته "أنت منذ اليوم"، التي عبّرت عن هزيمة 1967 من خلال الكتابة التجريبية.

جمال ناجي: "حالة الحيرة" في
طريقها للانقشاع (الجزيرة نت)
ويقرّ الناقد صالح أن المشكلة الأساسية التي يواجهها النص السردي الأردني تتمثل بالفعل في هروب الكاتب من التعبير بنوع من القراءة التاريخية الموازية، التي تقع عليها في أعمال روائيين عرب.

أما فركوح  فيؤكد على "هروب" الكاتب الأردني، مشيراً إلى أنّ الحياة السياسيّة الملجومة والمقموعة في تنظيماتها وأحزابها السياسيّة، وأنظمة وقوانين الأحكام العُرفيّة الممتدة طويلاً والمتحكمة بحركة المجتمع، بما رافقها من رقابات ومنع ومضايقات وتضييق للحريات بحجة الأمن وصلت حدّ الاعتقال لأي نشاطٍ سياسيّ، وحظر السفر واختيار سُبُل العيش، كل ذلك كان أن خَيَّمَ على الجو العام مؤثراً، على نحوٍ سلبي بالتأكيد، طال الأدب مثلما طال غيره من الأنشطة العامة.

ويستدرك بالحديث عن المحفزّات الشخصيّة لكل كاتبٍ بصفته فرداً له انشغالاته الخاصّة. وهذا لوحده بحاجة إلى بحثٍ وتنقيب في النصوص. فالأردن ما زال، لدى عدد من الكتّاب، مسألة قيد التساؤل لم تُحْسَم بعد، إنّ "حالة الحيرة" هذه لا بُدّ من أن تتركَ ملامحها (الحاضرة أو الغائبة) على النصوص وفي داخلها.

ناجي -الذي يؤمن أن "حالة الحيرة" في طريقها للانقشاع- يرى أن التاريخ الأردني المعاصر يزخر بالكثير مما يمكن كتابته وتوظيفه في الأعمال الروائية، خصوصا بعد الانفتاح المعلوماتي الذي سمح بالكثير مما كان متعذرا فيما مضى.

ويعتقد بأنه تحرر من "الحذر" في روايته الأخيرة "عندما تشيخ الذئاب" التي تناولت البناء السياسي والاجتماعي المعاصر في الأردن بوضوح وبمنأى عن التورية.

الأطرش تشير أيضاً إلى الانفراج النسبي متمثلاً بالتغير في تعامل أجهزة الأمن مع المثقفين منذ عام 89، فظهرت بعض الروايات التي تمس بحذر شديد قضايا سياسية. فلجأ بعض الكتّاب للهذيان أو الفانتازيا للتحايل على الرقابة، وكان بعضهم أكثر جرأة في التناول المباشر للسياسة مع بروز الرقابة الذاتية بدرجات متفاوتة خوف القمع أو المنع.

شذرات وفصول
صالح لا يغفل شذرات وفصولا في روايات أردنية عديدة تناولت الأحداث السياسية الكبرى، التي أثرت في حياة الأردنيين منذ نكبة 1948 وحتى الآن، لكنه لم يقرأ حتى هذه اللحظة رواية كبيرة تعمل على كتابة تاريخ موازٍ لهذه الأحداث الكبرى من خلال تخليق الشخوص، وإعادة تركيب الأحداث رغم أن عدداً من الروائيين الأردنيين يقولون إنهم كرّسوا عملهم الروائي لكتابة تاريخ عمّان وربما تاريخ الأردن كذلك، ومع ذلك فإن هناك روايات جيّدة قدّمت وجهاً من وجوه التاريخ في معالجتها السردية.

إلياس فركوح يعترف بالتقصير في تناول أحداث سياسية كبرى (الجزيرة نت)
ويعترف فركوح -بوصفه روائياً- بالتقصير في تناول أحداث سياسية كبرى أثرت على نحو بالغ في المجتمع الأردني، لكنه يردّ الأمر إلى مشروعه الروائي الذي اكتمل في رواياته الأخيرة  "أرض اليمبوس"، غير متناسٍ محطات هامة عديدة ومن أبرزها أحداث أيلول في العام 1970 التي تتقاطع مع كتابته سيرة عمّان، وسيفرد لها في إحدى أعماله القادمة قراءة مختلفة حولها.
 
بين "تقصير" إلياس فركوح وتأكيد فخري صالح على عدم "كتابة تاريخ موازٍ" للأحداث الكبرى في الأردن، تشير الأطرش إلى روايتها "وتشرق غربا" التي تحدّثت عن هبة التجنيد والتعبئة العامة دون استعداد لحرب حزيران، وهروب الجنود في ملابس مدنية، ووصف النقاشات الهامسة في المدارس، والاستماع إلى الإذاعات وراء الأبواب المغلقة.

وفي روايتها "امرأة للفصول الخمسة" وصفت الفساد الثوري، وكانت النتيجة حجب جائزة كبرى في الأردن عن الرواية بحجة أن منحها سيسيء للعلاقات الأردنية الفلسطينية، أما عملها "رغبات ذاك الخريف" فتناولت فيه بجرأة وحيادية أحداث أيلول، وهي من الخطوط الحمر حتى بعد أربعين عاماً من وقوعها، وكذلك عن "قصور" الأجهزة الأمنية في منع وقوع تفجيرات الفنادق و"إهمال" اعتراف أحد المتشددين أثناء محاكمته صباح التفجيرات أن فندق راديسون ساس مستهدف، والرواية هي الجهة الوحيدة التي ذكرت الواقعة، فلم تشر إليها أية وسيلة إعلامية.

وتلفت إلى أن صدور روايتها عن وزارة الثقافة، والسماح بدخول رواية "خارج الجسد" للكاتبة الأردنية عفاف البطاينة -التي تصف فساد بعض منتسبي المؤسسة العسكرية- يؤشر على انفراج كبير في حرية التعبير، لكنها تقول "يبقى على الكاتب التخلص من الرقيب الذاتي مع سهولة النشر في أي مكان آخر".

في الوقت الذي يكرر فيه الكتّاب الأردنيون مقولة "هامش الحرية" الذي يتمتعون به خلافاً لدول مجاورة، فإن قضايا عدة تتخفى وراء كتاباتهم، تاركين للقارئ مساحة للحلم أو التأمل بالانعكاسات الحقيقية لواقعه السياسي في عمل أدبي قد يصدر يوماً ما.

المصدر : الجزيرة