من أعمال الفنان أوسكار كوكوشكا المعروضة في المعرض (الجزيرة نت)

أنطوان جوكي- بال (سويسرا)
 
"فيينا ١٩٠٠" هو عنوان المعرض الضخم الذي تنظّمه حاليا مؤسسة باييلير الفنية في متحفها بمدينة بال في سويسرا، كاشفةً من خلاله دور مجموعتي "الانشقاق" و"المحترف الفييني" وبعض الشخصيات الفنية المستقلة في بلورة مفاهيم الحداثة في أوروبا وفي تحويل فيينا عند بداية القرن العشرين إلى أبرز ساحة فنية بعد باريس.

ولا بد من الإشارة إلى أن العاصمة النمساوية في مطلع القرن العشرين كانت مسرح تحوّلات عميقة سببها إرادة تحديث قوية لدى أبنائها تجلّت خصوصًا في إسقاط أسوار المدينة واعتماد هندسة "الفن الجديد" بشكلٍ واسع داخل فضائها المديني.

وبسرعة تحوّلت هذه المدينة إلى نقطة جذب لفنانين وعلماء كثر أتوها من مختلف أنحاء الإمبراطورية النمساوية الهنغارية لتشكيلها مختبرا فريدا ومهما في ميادين فنية وفكرية مختلفة كالفنون الجميلة والموسيقى والأدب والفنون التزيينية والهندسة.
 
ومن بين الوجوه التي ستعرف فيها شهرةً عالمية، لا نكاد نعثر على واحد ينتمي أصلاً إليها: سيغموند فرويد، فرانز كافكا، غوستاف مالر وكارل كراوس، كي لا نسمي غيرهم، وُلدوا جميعًا في مقاطعتي مورافيا أو بوهيميا.
 
"الانشقاق" و"المحترف الفييني"
وعلى المستوى التشكيلي، أطلق تأسيس مجموعة "الانشقاق" عام ١٨٩٧ على يد غوستاف كليمت وجوزيف هوفمان وجوزيف أولبريش وفنانين آخرين، مرحلة عشرين عامًا من الازدهار داخل الفنون الحرة والتطبيقية في فيينا تم خلالها رفض المفهوم التقليدي للفن وتطوير فكرة "العمل الفني الشامل" التي تتطلب تعاونًا متكافئًا لجميع الفنون من أجل تحقيق أي عمل فني، وبالتالي تفجير الحدود التي تفصل بين الأنواع الفنية.
 
من أعمال إيغون شيلي (الجزيرة نت)
وفي هذه المرحلة أيضا، على يد مجموعة "المحترف الفييني"، طُرحت وطُبقت للمرة الأولى فكرة إدخال الفن إلى كل مكان وجعله جزءًا من حياتنا اليومية، فكرةٌ خصبة رفعتها بعد ذلك جميع الحركات الطليعية الأوروبية، وخصوصا المستقبلية والدادائية والسوريالية.

وتغطي الأعمال الفنية التي يتألف منها المعرض الحالي الفترة الممتدة من عام ١٨٩٧ حتى عام ١٩١٨، أي السنة التي توفي فيها كليمت وإيغون شيلي وأوتو فاغنر وكولومان موزِر. أما طريقة توزيع هذه الأعمال التي تتألف من لوحات ورسوم ومنحوتات وتصاميم هندسية وأثاث وزجاجيات وملصقات، فتتّبع ترتيبين: زمني وموضوعي.

في بداية المعرض، نتعرّف على مجموعة "الانشقاق" وأفكارها من خلال عدد من الوثائق والصور والملصقات، ثم ننتقل إلى كليمت، مؤسس هذه المجموعة وأبرز وجه فيها المدافع بحماسة عن مفهوم "العمل الفني الشامل".
 
وهو ما يُفسّر تخصيص ثلاث صالات له تتضمن خمسين لوحة ورسما، بينها بعض "البورتريهات" النسائية الشهيرة التي أنجزها بأسلوب تزييني، مثل "جوديت ٢" (١٩٠٩) و"نيكسن" (١٨٩٩) و"السمكة الذهبية" (١٩٠١)، و"الراقصة" (١٩١٦-١٩١٨) التي تجسّد وحدها جوهر عمله ونبوغه.
 
فن تنبئي
فالتشكيل المسطح للوحة وطريقة التلوين والمناخ الجمالي الإيروسي والتجريد المحيط بالشخصية الماثلة وقوفًا، جميع هذه الأمور تستبق فن سنوات القرن العشرين اللاحقة وتتنبأ به.

ولا يُهمل المعرض اللوحات المشهدية التي حققها هذا الفنان قرب بحيرة أتيرسي بين عامَي ١٩٠٠ و١٩٠٧ نظرًا إلى أهمية تشكيلاتها اللونية شبه المجردة التي تبيِّن كم ذهب كليمت بعيدًا وبشكلٍ مبكِر في اتجاه الفن غير التصويري، كما تبرهن على طريقة تمثيلٍ مجدِّدة لفضاء اللوحة وسطحها.

لوحة للفنان غوستاف كليمت (الجزيرة نت)
وبالنسبة إلى إيغون شيلي وإلى كوكوشكا، لعب كليمت دور الموجِّه، مع العلم بأن الاثنين تابعا تطورًا فنيا مختلفًا عنه وكل منهما عن الآخر وتخلّيا عن فكرة "العمل الفني الشامل" لصالح تعبيريةٍ كانت لا تزال في بدايتها.

ونشاهد لهذا الفنان في المعرض عشرين لوحة كبرى (بورتريهات أو مشاهد) وعشرات الأعمال المهمة على ورق، وفي جميعها تتجلى مهارته في إخراج الذات (بالمعنى المسرحي) والاستبصار السيكولوجي وسخريته من طغيان المثال القديم في تمثيل الجسد البشري، كما تتجلى معالجته أحيانًا لمواضيع ماجنة ما زال تأثيرها الصادم فاعلاً إلى حد اليوم.

ولهذا خُصِّصت داخل المعرض صالة مغلقة لمائياته ورسومه الشهوانية التي تخطى فيها موضوع العري وحوّل أشكال الجسد إلى موضوع فني صرف.
 
وفي معظم أعمال شيلي، تتخذ الموديلات وضعيات غريبة وتبدو معزولة داخل فضاءٍ مجرّد من أي تمييز أو هوية. ومقارنةً بهذه الأعمال التعبيرية الفجّة، تبدو رسوم كليمت الإيروسية رقيقة بتعابيرها وألوانها ودقة خطوطها وبالنساء الماثلات فيها واللواتي يتجنّبن أي نظرةٍ على متأمِّلهن لعدم إرباك حالة نسيان الذات والنشوة التي تلفّهن.

سيكولوجيا بشرية
أما أوسكار كوكوشكا الحاضر أيضا بقوة داخل المعرض فنشاهد له "بورتريهات" تبدو فريدة بالنسبة إلى حقبتها، على رغم انتمائها إلى الأسلوب التعبيري، لتركيز الفنان فيها على رأس وصدْر "موديله" ولإسقاط هذا الأخير داخل فضاءٍ يفلت من إدراكنا البصري.

ومثل شيلي، اهتم كوكوشكا كثيرا بوضعيات "موديلاته"، لكنه سعى أيضا إلى تجريدها من غلافها الجسدي وإلى استخدامها ركيزة لكشف العناصر السيكولوجية للحضور البشري.
 
وتجاور أعماله في المعرض "بورتريهات" ذاتية ولوحات مشهدية ورؤى للفنان والموسيقار أرنولد شونبرغ الذي يحتل موقعًا مميزًا داخل الفن الفييني عند بداية القرن العشرين لمعالجته بشكلٍ استحواذي موضوع النظرة لدى الإنسان، وهو موضوعٌ سمح له، ولكن أيضا لشيلي وكوكوشكا، بكشف حميميّتهم وشخصيّتهم العميقة.

من أعمال غوستاف كليمت (الجزيرة نت)
ولأن "المحترف الفييني" الذي أسسه الصناعي فريتز فارندورفر والفنانان كولومان موزِر وجوزيف هوفمان، لعب أيضا دورًا محوريا في تلك الحقبة ترك أثره على فن الهندسة وعلى أشياء حياتنا اليومية، فقد رُصد جزءٌ مهم من المعرض لأعمال أبرز الفنانين الذين انتموا إليه، وهي أعمال يتجلى فيها هاجس تجديد مفهوم الفن في ميدان فنون الديكور والتزيين، وميلٌ كبير إلى الاختبار.
 
فمحرك هذه المجموعة، موزِر، نشط باعتباره رساما وحفارا ومبتكِر أثاث وحِرَفيا ومصمم ديكور للمسرح. ويُشكل عمله مجموعًا أفضل مثالٍ على "العمل الفني الشامل".

وكذلك الأمر بالنسبة إلى هوفمان الذي نشاهد له، إلى جانب عدد من الكراسي والخزانات والقطع الفضّية والزجاجيات التي ابتكرها، وثائق وصور حول مشروع "كاباريه فيدرماوس" الذي حققه عام ١٩٠٧ ويُشكل بدوره "عملاً فنيا شاملاً" لقيام الفنان بإنجاز كل شيء في هذا الكاباريه، بدءًا بفضائه الجغرافي وحتى كُتيّب برنامجه، مرورًًا بأثاثه وآنية المائدة فيه.

ويختتم المعرض بمجموعة تصاميم وصور لصروحٍ ومبانٍ شيدها المهندس أدولف لوس الذي كان خصمًا عنيدًا لمجموعة "الانشقاق". إذ دعا إلى البساطة والوضوح في التصاميم الهندسية والفنية وإلى التركيز على جانبها الوظيفي، الأمر الذي فتح السبيل لانبثاق فن الهندسة الحديث.

المصدر : الجزيرة