أحمد الشريقي

ليس بعيدا عن طبريا (مسقط الرأس وملاعب الصبا) وقريبا من القدس، قطع أنيس صايغ قبل عامين آخر رحلاته بين بيروت والأردن، مسلما الروح لهدأتها الأخيرة في الخامس والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 2009 بمستشفى بالعاصمة الأردنية عمان، في مواجهة أخيرة مع موت أفلت منه بعد ثلاث محاولات اغتيال فاشلة من قبل الموساد الإسرائيلي، نجحت إحداها في بتر ثلاثة من أصابع يده اليسرى وضعف في السمع والبصر.

وإذا كانت الإصابة قد منعت صايغ -المفتون بربطات العنق "الأنيقة"- من استعمال الشوكة والسكين، وقد آلمه ذلك كثيرا، فإن ذلك لم ينل من عزيمة الباحث العربي الأكثر إنجازا في حقل التاريخ والتوثيق والعمل الموسوعي، مواصلا عمله في التأليف ورئاسة مركز الأبحاث الفلسطيني لسنوات طويلة بعد ذلك.

في نشأته الفلسطينية ونسبه الممتد والمتنوع في بلاد الشام، كان صايغ يرى أن ذلك الامتداد "صفعة للسيدين سايكس وبيكو" صاحبي مشروع تقسيم البلاد العربية وتجزئتها عام 1916

النشأة الأولى
ولد صايغ في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 1931 في طبريا، المدينة التي كانت تستلقي هادئة على ضفاف البحيرة مستعيرة اسمها من المدينة. لم تكن حينها طبريا "سيدة المدائن وعميدة الأمصار" خربة كما زعم الصهاينة، بل كانت -المدينة التي مارس فيها المسيح معجزاته- تعج فيها الحياة، وبحسب ذكريات صايغ عنها فإنها كانت تشبه واحدة من المدن المتقدمة آنذاك.

كانت سائر مدن فلسطين التاريخية أوائل المدن التي رأتها عيناه، وفي مدارسها بطبريا ومدرسة صهيون تلقى علومه الأولى، وفي العام 1949 درس في الجامعة الأميركية ببيروت وتخرج في العام 1953، بعدها سافر بعد احتلال فلسطين كثيرا، ودرس في مدن الضفة الأخرى من العالم، حيث نال الدكتوراه من جامعة كمبردج في بريطانيا ودرس فيها في الفترة بين عامي 1959 و1964.

لكن صايغ ظل "طبرانيا" لا غش فيه، ورأى وهو قريب من مغادرة الدنيا بأكملها أنه من أجل "طبريا يطيب الموت لأن المرء يموت واقفا وكأنه لا يموت ولعله لا يموت. فبحبه هناك "يتساوى الموت مع الحياة حلاوة ودون ذلك تتساوى الحياة مع المرارة"، ومات حالما بأن يؤلف كتابا ضخما عنها.

وفي الحاضنة العائلية الأولى ينتمي لأب سوري هو عبد الله صايغ، أما أمه فهي عفيفة البتروني، كما اقترن بسيدة سلطية أردنية هي هيلدا جليل شعبان, وهو الأصغر بين إخوانه الثمانية وأكبرهم يوسف، الذي عرف باهتماماته الأدبية وولعه بالشعر وهو الذي قدم للمكتبة العربية ترجمة عن تي سي إليوت وتوفيق وماري ومنير وفؤاد. وفي نشأته الفلسطينية ونسبه الممتد والمتنوع في بلاد الشام، كان يرى أن ذلك الامتداد "صفعة للسيدين مارك سايكس وجورج بيكو" صاحبي مشروع تقسيم البلاد العربية وتجزئتها عام 1916.

كتب صايغ لقيت منعا في بعض من الدول العربية، ومُنع بسبب إحداها من زيارة الأردن لمدة 16 عاما

مؤلفات متنوعة
ترك صايغ وراءه عشرات المؤلفات في التاريخ والسياسة والموسوعات، وتوج مسيرة تأليفه قبل الرحيل بقليل بسيرة ذاتية لخص فيها مسيرة مثقف تقاطعت في كل مراحلها بالذاكرة الفلسطينية والعروبية، وتشابكت فيها علاقة المثقف بالمؤسسة والسلطة -في إشارة إلى الخلاف والتناقضات الطويلة مع الرئيس الراحل ياسر عرفات- والصراع مع العدو الأزلي "إسرائيل".

وإذا كان الرعيل الأول من مثقفي وسياسيي فلسطين قد رصدوا في مؤلفاتهم وسيرهم الذاتية "صدمة الوعي الثقافي الفلسطيني" بالصهيونية كحركة محتلة، بحسب الكاتب والباحث الفلسطيني فيصل دراج، فإن صايغ المتأخر قليلا على سامح الخالدي وخليل السكاكيني ونجيب نصار، قد أخذ موقعا متقدما في الصراع مع الصهيونية على جبهتي الثقافة والسياسة، عبر مؤلفاته التي سعى في كثير منها لدحض مزاعم الصهيونية والنضال ضد المحتل وحراسة الذاكرة الفلسطينية، وسياسيا بانتمائه للحزب السوري القومي الاجتماعي ومن ثم الحزب القومي الناصري.

عاين في كتاب أول، هو باكورة مؤلفاته، آفة الطائفية والمذهبية في لبنان مستندا على إرثه في رفض تقسيمات سايكس بيكو، ونشأة فلسطينية لم يعهد فيها تلك الآفة، وانتماء سياسي لحزب قومي هو الحزب السوري القومي الاجتماعي، ورغم أن الكتاب لقي استحسان علمانيين فإنه وُوجه بنقد من "حزب الكتائب" اللبناني وأوقف في المطبعة، وكان يمكن له أن لا يرى النور لولا أن صاحبه أصر على نشره في مطبعة أخرى.

كتاب السيرة الذاتية للمفكر والباحث أنيس صايغ

اهتمام بالتاريخ
وإذا كان صايغ من موقعه المتقدم جابه في وقت مبكر آفة لا تزال تأكل لبنان وأهله إلى الآن، فإنه عاد بعد ذلك ليعاين مرحلة من التاريخ الإسلامي القديم هي مرحلة التاريخ الأموي في كتابه "الأسطول البحري الأموي في البحر المتوسط" بتحريض من أستاذه قسطنطين زريق، والكتاب الذي عاين نشأة الأسطول الإسلامي جاء على شغف من صايغ بالتاريخ العربي الإسلامي ووفق فترة محددة منه هي فترة الدولة الأموية التي عرفت بنزعتها العروبية.

ومن الكتب التي عبرت في مجملها عن التوجه القومي والحفر في مكوناته، وهو التوجه الذي بقي صايغ مقيما عليه، الكتاب عن العلاقات السورية المصرية الذي جاءت مقدمته بقلم الرئيس الراحل عبد الناصر إلا أن الكتاب بحسب مؤلفه بقي مخطوطة لم تر النور بسبب انشغالات الكاتب، بحسب ما يروي في مذكراته.

واصل صايغ بعد ذلك حفرياته في المفهوم القومي العربي مقتربا أكثر من التوجه الناصري، بعد تركه الحزب السوري القومي الاجتماعي مؤلفا كتابيه "الفكرة العربية في مصر (1958)" و"تطور المفهوم القومي عند العرب"، والأول لقي ترحيبا في مصر من لدن مثقفي مصر في حينها كأحمد بهاء الدين ومحمد حسنين هيكل، كما حظي بتقريظ خاص من الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، أما الثاني فجاء ردا على برنارد لويس وتفنيدا لمزاعمه بشأن العرب باعتبارهم "مجموعة غير متجانسة من الأمم".

صايغ أخذ موقعا متقدما في الصراع مع الصهيونية على جبهتي الثقافة والسياسة عبر مؤلفاته التي سعى في كثير منها لدحض مزاعم الصهيونية والنضال ضد المحتل وحراسة الذاكرة الفلسطينية
الذاكرة الفلسطينية
لقيت كتبه منعا في بعض من الدول العربية، ومنع بسبب إحداها من زيارة الأردن لمدة 16 عاما، قبل ذلك كان قد ترجم العديد من الكتب وهو الذي لم ترق له الترجمة، لكنه اقترف جنايتها بسبب الحاجة كما يقول.

ومن هذه الترجمات "الغرفة الصينية" (رواية لكاتب أميركي) و"هجرة الكوزاك" (عن ترحيل السلطات الشيوعية لمسلمي أواسط آسيا) لكن كتاب "الديمقراطية في الولايات المتحدة" هو أهم ترجماته والكتاب لمؤلفه الفرنسي ألكسي دوتو كفيل.

بيد أن البصمة الأشهر والعلامة الفارقة له كانت عمله في الموسوعات والتوثيق للذاكرة الفلسطينية، فوضع كتاب "بلدانية فلسطين" الذي يأتي في سياق التوثيق للقرى والبلدان الفلسطينية المحتلة بين أعوام 1947 و1967.

في السياق نفسه أصدر المئات من الدراسات إعدادا وتأليفا في الشأن الفلسطيني عبر إصداره مجلة شؤون فلسطينية، وإشرافه على الموسوعة الفلسطينية، ومن بعد أيضا عبر ترؤسه لمركز الأبحاث الفلسطيني الذي ظل شوكة في حلق إسرائيل، وكان من أوائل أهدافها العسكرية لدى غزو لبنان في العام 1982.

رحل إذن صايغ وقد ترك خلفه كتبا وتلاميذ تعلموا على يديه الدقة والموضوعية والمنهجية في كتابة الدراسات وأبعد من ذلك التمسك بحلم وحدة الأمة وتحرير فلسطين.

المصدر : الجزيرة