غلاف كتاب "ارحل ثورة" الذي تضمن صورا لمراحل الثورة التونسية (الجزيرة نت)

أنطوان جوكي-باريس

غداة المظاهرات التي عمّت المدن التونسية في يناير/كانون الثاني الماضي، تشكّلت مجموعة من المصورين الفوتوغرافيين التونسيين تحت شعار "ارحَل" وكانت وراء معرض فوتوغرافي مهم تنقّل بين مدن أوروبية مختلفة وكشف لجمهور غفير صورا، هي في الحقيقة الوثائق أو الشهادات الأولى على الثورة التونسية.

ومن بوتقة هذا المشروع وُلدت فكرة كتاب "ارحل إنها ثورة" الذي صدر حديثا عن دار "فيبوس" -باريس، ويجمع أعمال تسعة مصوّرين ينتمون إلى المجموعة المذكورة، وتتصدّر هذه الصور شهادتان خطّيتان، الأولى للروائية التونسية الفراكفونية كوليت فلّوس والثانية لمواطنها الشاعر والجامعي عبد الوهاب المؤدب.

شابان يلتحفان بالعلم التونسي في إحدى التحركات الاحتجاجية (الجزيرة نت)
لحظات نادرة
وتخلّد الصور تلك اللحظات المجيدة والنادرة في تاريخ الشعب التونسي الذي تمكّن، باتحاده ومقاومته السلمية من طرد زين العابدين بن علي وإعادة تملّك قدره وحريته. لكن قيمتها تكمن أيضا في تشكيلها عملاً نضاليا بذاته ضمن مختلف النشاطات التي قامت عليها الثورة التونسية، أكثر من مجرد شهادة على ما حصل.

فقد خرج ملتقطو هذه الصور أولا إلى الشارع للتعبير عن غضبهم، مثل سائر التونسيين. وفي حمّى هذه الثورة المشتركة والمسؤولة، أمسكوا بكاميراتهم وأدّوا مهمّتهم، فشكّلوا عيون الجماهير وقلبها وذاكرتها، مما عرّضهم غالبا لأخطار مختلفة كالتوقيف والضرب ومصادرة أفلامهم.

ولعل أفضل تعليق على مضمون هذه الصور الذي يحتل بعضها صفحتين داخل الكتاب هو نص الروائية كوليت فلّوس الذي تقول فيه: "ترسم الأيدي المرفوعة أثناء التظاهرات والحاضرة في معظم الصور رقصة غريبة مفاجئة، يمكن لها أن تكون مُهدّدة، لكنها رقيقة".

وفي مكان آخر من نصّها تقول: "أصبحت سلسلة الصور هذه بالنسبة لي، الفيلم المفضّل لثورة رائعة لا مثيل لها، كنا قد توقفنا عن انتظارها، لكنها كانت تسكن أحلام كلّ واحد منا منذ سنوات، تخفق داخل قلوبنا بصمتٍ كي لا ينكشف حالها. فالرقابة تعرف نخْر الأفكار الأكثر حميمية والتهامها والقضاء عليها".

الفيلم (مجموعة الصور) كما تقول فلوس صُوّر بدون سيناريو محدّد، فقد تم ابتكاره في كل لحظة بمحبة وحدس وعزم واندهاش، مشهدا بعد مشهد، أمام الشرطة التي كانت تطارد المتظاهرين حتى داخل الأبنية، أمام القنابل المسيّلة للدموع، أو أمام العَلَم التونسي الذي تحوّل فجأة إلى ثوب، وإلى درع أو كفن.

صورة لإحدى المظاهرات خلال الثورة التونسية (الجزيرة نت)

دهشة الثائر والمصور
وتعتبر فلوس أن "بذرة أيام يناير/ كانون الثاني وفبراير/ شباط مثبَّتة أبدا في هذه الصور، في التجمّعات الكبرى للرجال والنساء أمام وزارة الداخلية أو في ساحة القصبة، مع الأناشيد والضحك والنقاشات ليلاً نهارا، مع أصوات جميع الشبان والشابات الذين أتوا من سيدي بوزيد والقرى البعيدة ويتهيأ لنا سماع هديرها".

هذه الأصوات والوجوه أصبحت تشكّل جزءا من تاريخ البلاد، أما تأثّرنا بهذه الصور فتفسّره فلّوس "بألفة المصوّرين الحميمة مع مادّة الانفعال التي كانوا يلتقطونها على مر الدقائق".

وبتصويرهم الجماهير، ثبّت المصورون انفعالاتهم ودهشتهم وسعادتهم الخاصة. لم يتموقعوا على شرفات الأبنية، ولم يقفوا على مسافة لتأمّل حدث راهن، لم يكونوا مصوّرين صحفيين، بل كانوا من صانعي تلك الأيام، وبالتالي جزءا من المادة الجديدة التي كانوا يصوّرونها.

ومن جهته، كتب الشاعر المؤدب في نصّه ما يصلح أيضا لتفسير هذه الصور، كما في المقطع الذي يقول فيه: "من خلال حركة هؤلاء الناس (في ١٤ يناير/كانون الثاني ٢٠١١) يرتفع صدى كمّ من الاحتجاجات المحفوظة في ذاكرة البشر".

الرؤى القادمة من تونس تمنحنا فيضا من الصور التي تتدفق نحو الذاكرة ذاتها. فتلك الوجوه المشدودة والمتشنّجة في دعوتها إلى الحرّية تعكس اليقين باستحالة ديمومة الخضوع، وهي وجوه تقول "كفى!" كصرخة تنحلّ فيها جميع تناقضات المجتمع.

المصدر : الجزيرة