أحمد الشريقي-الدوحة

لا يخرج ميخائيل القبطي من أذن أمه، كما خرج بطل فرانسوا رابليه (غرغانتوا)، ولا يهبط من السماء، مغايرا لتلك العجائبية، بل يخرج الروائي السوداني أمير تاج السر بطله "ميخائيل القبطي" في روايته "توترات القبطي" من قلب واقع ومكان "فانتازي" ساردا ومتأملا وراويا توتراته، وناعيا مجتمعا حين يثور على تخلفه ينتج واقعا أكثر تخلفا ودموية من سالفه.

وميخائيل هذا "قبطي" من مدينة السور التي سقطت بعد ثلاثة شهور من حصار ثورة الهدى التي هبت لطرد المستعمر وتطهير البلاد من الكفر والشر، ووجد "ميخائيل القبطي" نفسه داخل تلك الثورة بعد أن انقضت على المدينة التي كان يعمل فيها محاسبا وجامعا للثروة، ليفقد أهله وخطيبته (خميلة) التي كان زواجه منها يقترب حين تم غزو المدينة ووظيفته أيضا ما قبل ثورة الهدى.

ينهض تاج السر بنصه لمعاينة إشكالية "الثورة الناقصة" والتحرر دون أن يغرق في الخطاب التنظيري والمعرفي جاعلا منه ظلالا لخطاب فني لا يخل بشروطه
حب تراجيدي
تنطوي حكاية ميخائيل على قصة حب تراجيدية مع خميلة التي كان على وشك الزواج بها قبل هزيمة مدينة السور أمام ثورة الهدى، التي يخسر بعدها ميخائيل اسمه وحبيبته معا فيتحول هو بإرادة الثورة الجديدة إلى "سعد المبروك" وتتحول خطيبته خميلة إلى واحدة من سبايا مدينة السور.

في الرواية لا يختار ميخائيل القبطي دينه الجديد، بل يصير إليه مكرها بفعل الثورة ذاتها التي انطلقت في أوائل القرن المنصرم لمواجهة الإنجليز والأتراك في فضاء مكاني مفترض هو السودان.

وفي حوار ذاتي (مونولوغ) يقول سعد المبروك (ميخائيل سابقا) "أديت صلاة الظهر في خشوع جاهدت معه أن أجعل منه خشوعا حقيقيا، كنت بدأت أفتتن بالدين الجديد بالرغم من أني التقيته من أناس بدا لي أنهم لا يفهمونه كما فهمته".

عبر تقنية السرد الذاتي حيث الراوي قناع السارد يحكي ميخائيل القبطي قصته وحكاية ثورة "الهدى" النص الذي كتبه الإمام "المتقي".

ويذهب بعيدا إلى ألمه وألم الجموع (الشخصيات الروائية) في دوائر من أي نقطة تبدأ منها تعود إليها وكلها تحكي انكساراتها الذاتية، ووجعها في غرف الغسيل وأقبية الثورة  لغسل المجاميع المهزومة من أدرانها وتحويلها إلى أئمة صلاح يليقون بالجنة الموعودة التي يوزع على أبوابها "عبادي طلسم" و"التقلاوي ديدام" قادة الثورة وفوقهم إمامهم المتقي الطيب، صكوك النظافة على المغسولين، من أدرانهم وتاريخهم والداخلين إلى جنة الثورة.

وإذا كانت إشكالية "الثورة الناقصة" والتحرر الذي ينهض بعبئه مقاومو التخلف والاستبداد، وما يخلفونه من إعادة إنتاج التخلف، بحكم أن البنية المتخلفة لا تنتج إلا تخلفا، خطابا تنظيريا عربيا لم يكف المثقفون العرب عن تناوله عبر ثنائيات وشعارات كبيرة من شاكلة أسس التقدم والتخلف، ولماذا تقدموا وتأخرنا، فإن تاج السر ينهض بنصه لمعاينة ذلك كله دون أن يغرق في الخطاب التنظيري والمعرفي جاعلا منه ظلالا لخطاب فني لا يخل بشروطه.

الظلال المعرفية التي تقدمها الرواية، لا تذهب باتجاه الخطابة والوعظ بل يخضع المعرفي لشروط الفني والروائي

سطوة النص
وفي الرواية يعاين تاج السر قضية الدماء النازفة تحت شعارات التكفير، والحرب الأهلية التي تنفجر هنا وهناك، فهي حرب كما على لسان ميخائيل "لم أخترها أنا ولا سكان مدينة (السور) الوادعة بأعراقها المختلفة، لكنها اختارتنا، لم نخترع نيرانها لكنها اخترعت تشردنا".

حرب ينهض بعبئها "الإمام المتقي" بحسب الرواية، أو "المهدي المنتظر"، والمختفي بحكم التأويل، فهو محتجب عن أتباعه، لكنه يقود بهم حروبا ويحقق انتصارات وتهتف الجماهير باسمه "أعز الله المتقي". يكفر، ويهب الإيمان لمن يشاء، يقتل ويصفح، ينكر بنوة أو يدعيها، متحصنا وراء سطوة النص وبلاغة خطاب يعد بالجنة، لمتبعيه والقتل في الدنيا لمخالفيه.

غير أن الظلال المعرفية التي تقدمها الرواية، لا تذهب باتجاه الخطابة والوعظ بل يخضع المعرفي لشروط الفني والروائي، يقف وراءه حكاء ماهر يناسل شخوصه وحكاياتهم في قالب روائي بديع وبلغة فارهة.

في ظلال ميخائيل العاشق لخميلة (السبية فيما بعد) وإحدى غنائم عبادي طلسم، والذي يؤسلم بعد هزيمة مدينة السور أمام ثورة الهدى ويحول إلى طباخ تتكاثر شخصيات أسطورية لا يبدعها إلا روائي قادم من الأساطير.

شخصيات تعجب من قدرة مذهلة لإنباتها، تتطور وتنمو وتملك وحدها فقط حق بدء الحكاية وتراوغ على القارئ وتكسر توقعاته في إنهاء ملحمتها الحكائية. وحين يستعصي على المتلقي، أو يشك الروائي في اختفاء معاني الحكي ينبت شخصيات ثانوية تسند المعنى، وتنهض بعمود الحكاية.

لغز الثورة
في غمرة التساؤل عن ثورة الهدى تظهر شخصية شفيق بهجت لتحل لغز الثورة بطريقتها وبهجت هذا "أستاذ علم الانحطاط" وهو ملم بتاريخ الثورات مستبعد ومنبوذ من الحكومة وعلى لسانه "فنحن نبذر الانحطاط، حين نجوع الناس، حين نعريهم من كسائهم، حين نطالبهم بتأمل النجوم وكتابة شعر الغزل والتنزه في السوق والساحات الخضراء، وحين نخترع ثورة مثل ثورة المتقي التي ليست من تأليفه بالتأكيد، ولكن نحن من ألفناها وعيناه ممثلا يؤدي دور ثائر.. لا تنظر إلى الواقع المحيط يا سيد، ولكن حاول النظر إلى الواقع الذي يحتويه المحيط يا سيد".

ولا عجب أن يصنف الناقد فيصل دراج الرواية إحدى أفضل الروايات العربية في القرن العشرين. "توترات القبطي" ليست الرواية الأخيرة في قائمة تاج السر لكنها واحدة من رواياته الملحمية.

وبعد خمسة عشر رواية، وفي هذه الرواية وغيرها يقدم أمير تاج السر نفسه قامة روائية في غابة الإبداع السوداني الذي يصر كثيرون على حجبه بشجرة الطيب صالح.

المصدر : الجزيرة