يوسف ضمرة

في روايته الأولى "حليب المارينز"، يعود بطل عواد علي إلى العراق لكي يلقى مصيرا محددا هو الموت. وكنت قرأت من قبل روايات (الحفيدة الأميركية، وهواء قليل، وحليب المارينز) واكتشفت ثلاثة مصائر للعائدين، هي: القتل والصدمة والاختطاف.

ويبدو أن علي أراد في روايته الجديدة "نخلة الواشنطونيا" أن يتهجى الواقع العراقي الجديد من خلال أبطال مقيمين لا عائدين. وهو لا يفعل ذلك كي يرينا المصائر المغايرة، بمقدار ما يسعى إلى رؤية الواقع العراقي بعد الاحتلال. وربما لذلك كانت هذه الرواية من أكثر الروايات العراقية التي تلامس موضوع الغزو الأميركي وآثاره.

في هذه الرواية، رؤية بانورامية للمشهد العراقي بعد الغزو والاحتلال، مع إشارات متناثرة إلى الحصار وما قبل، كما تلامس الرواية أيضا آثار الاحتلال على العراقيين، بصرف النظر عن طوائفهم ومذاهبهم وأعراقهم.

في الرواية رؤية بانورامية للمشهد العراقي بعد الغزو والاحتلال، مع إشارات متناثرة إلى الحصار وما قبله
ونجد الكاتب يتعمد استحضار شخصيات من أعراق وطوائف ومذاهب عدة، ليكشف لنا أن آثار الغزو ونتائجه طالت الجميع.. السني والشيعي والسرياني والآشوري والمندائي والعربي والكردي والتركماني والعراقي والفلسطيني.

وكما أصبح دارجا اليوم في الرواية العربية، فإن الراوي يجرد من ذاته كاتبا روائيا، يكتب عن نفسه وعن آخرين، وهو ما يجعل الحكايات تتداخل أحيانا وتتشابك، بحيث يحتاج الأمر إلى كثير من التدقيق لكي يعرف من هو المتحدث: الراوي أم الروائي؟ إضافة إلى شخصيات أخرى كاتبة أيضا كسلام الياسري الذي تقتله الجماعات التكفيرية، والذي يتوقف قبل موته عن كتابة القصص الإيروتيكية ليتداخل مباشرة مع واقعه الجديد.

وكما يبدو، فإن الرواية مكتوبة بعناية ودقة فائقتين، ومن اللافت مثلا تلك المقدرة على نمذجة ثلاث شخصيات نسائية، وعدم الوقوع في التنميط، على رغم المناخ المشترك والثقافة المتقاربة، وهن نسرين وراهبة وفيفيان وألماس، من دون إغفال الشخصيات النسائية الأخرى.

تقوم الرواية على علامتين بارزتين: الأولى هي الأثر البيولوجي الذي تحدثه القذائف والقصف على بطل الرواية. والثانية، هي نخلة الواشنطونيا التي يزرعها الأميركيون في إحدى الساحات مكان نخلة عراقية.

يتعمد الكاتب استحضار شخصيات من أعراق وطوائف ومذاهب عدة، ليكشف لنا أن آثار الغزو ونتائجه طالت الجميع
ولا تخفى دلالة العلامة الثانية على أحد، لكن الأولى هي الأكثر مدعاة للتساؤل، وهي ما يحدثه القصف وصوت القذائف من انتصاب فوري عند البطل، وتهيج جنسي.

وهذه العلامة تعيدنا ثانية إلى العلاقة بين الحب والحرب. ولا بد في هذه الحال من العودة قليلا إلى بعض المظاهر الأسطورية في طفولة البشرية، لكي نستوضح شيئا من هذه العلاقة.

فقد علمتنا الأساطير الشرقية القديمة أن الجنس هو شرط الوجود البشري، وهو ما جعل طقوس الإحياء الأسطورية الجماعية تنتهي دائما بحفلات الجنس الجماعي. وكأن الجماعة هنا توازي بين صعود تموز وباخوس من جهة، وبين حفلات الجنس الجماعي من جهة ثانية، أي أن شرط الوجود قد تحقق بشريا أيضا مع تحقق الشرط الأسطوري.

وإذا كان الجنس هو شرط الوجود البشري، فإن الحرب حال من حالات القضاء على هذا الوجود. وعليه، فإن ما تحدثه القذائف والقصف من انتصاب وتهيج جنسي عند كمال ليس سوى رد بشري على الموت، أو ليس سوى مجابهة نفسية وبيولوجية لهذا الموت. ويلتقي هذا التأويل مع الرفض المعلن والكامن لنخلة الواشنطونيا التي زرعت مكان النخلة العراقية.

ولكي يؤكد كمال قدرته على هذا الرفض، فإنه لا يرى بدا من توافر الفحولة الطبيعية، لا ادعاءها كما يحدث عادة في الرواية العربية، وهو ما يجعله قادرا على ممارسة الجنس مع أكثر من امرأة من دون زواج. بل نراه يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حين تبدو هذه الممارسة كأنها طقس جنسي جماعي، ولكنه متسلسل.

مثل كل الروايات العراقية التي خرجت بعد الاحتلال يحضر المنفى بقوة هائلة
يعيش الأستاذ الجامعي كمال أكثر من تجربة حرب، إضافة إلى الحصار والغزو والاحتلال، وما تبعه من ظهور فرق الموت الطائفية والمذهبية والتكفيرية. وتنشأ بعد الاحتلال فئة جديدة بين العراقيين تسمى (العلاّسين)، الذين يقومون بالوشاية بأي كان.

وبهذه الطريقة يفقد الأستاذ كمال صديقه سلام الياسري، ويفقد بالهجرة آخرين، وبالاختطاف غيرهم، ولكن أهمهم هو جهاد البشير الفلسطيني الذي تجبره المناخات الجديدة ضد الفلسطينيين في العراق، على الهجرة إلى مخيمات الحدود الفلسطينية، وهو يسخر في رسالته قائلا ربما تتلطف بنا إحدى الدول مثل كولومبيا أو فنزويلا وتقبل بنا على أرضها.

وبين هذا اليومي الذي يعيشه السيد كمال، تظل نخلة الواشنطونيا عرضة للغزو والتفجيرات ومحاولات الاقتلاع التي لا تتوقف، كناية عن الرفض العراقي للاحتلال.

يعيش الأستاذ كمال مع جارته نسرين خمس سنوات حب من دون زواج، ثم تتركه مهاجرة. وهو بعد الاحتلال يتوقف عن كتابة الرواية، رغم أنه في الأصل لم ينشر شيئا، وكان يكتفي ببعض أصدقائه كقراء لمخطوطاته. ولكنه فجأة يقرر استئناف الكتابة. واستئناف الكتابة يعني أننا أمام ذوات عدة كاتبة كما أشرنا من قبل. بل إن الراوي كلي المعرفة لا يكتفي بذلك، ويذهب إلى حد دخول بعض الشخصيات إلى جانب الراوي، والروائي.

اللافت في الرواية العراقية بعد الغزو والاحتلال هو أنها تكاد تجمع على التقاط شخصيات نخبوية مثقفة، وتكاد تحصر حركتها وحكاياتها وعلاماتها في هذه النخبة
وإذا كان الجنس سبب الوجود وعلته في الرواية، وإذا كان الانتصاب الذي يصيب الأستاذ كمال ردا أو مجابهة للموت المتمثل في القذائف والانفجارات، فإننا لا نستغرب في نهاية الرواية أن يتوقف هذا الفعل المجابه، حين نجد أن هنالك من تمكن من إلقاء القبض على الأستاذ كمال.

لا أحد ينجو هنا،  ثمة من يموت وثمة من يهاجر وثمة من يصبح علاسا وثمة من يحول منزله إلى سجن. ووحدها نخلة الواشنطونيا تظل ماثلة أمام العراقيين.

ومثل كل الروايات العراقية التي خرجت بعد الاحتلال يحضر المنفى بقوة هائلة، فالعراقيون خبروا المنفى قبل الاحتلال وقبل حربهم مع إيران وقبل الحصار الذي تلا غزو الكويت وعاصفة الصحراء.

ومن العراقيين من فر إلى المنفى هربا من الاستبداد الذي كان قائما مثل الشيوعيين، ومنهم من فضل المنفى على الذهاب إلى محاربة عدو جديد حل فجأة هو إيران، حيث كلفت تلك الحرب الشعب العراقي مئات آلاف الشهداء والجرحى. وتضررت البنية التحتية العراقية في شكل مرعب، بحيث انحدر مستوى التعليم الجامعي، وهزلت الخدمات الطبية والصحية.

لكن اللافت في الرواية العراقية بعد الغزو والاحتلال هو أنها تكاد تجمع على التقاط شخصيات نخبوية مثقفة، وتكاد تحصر حركتها وحكاياتها وعلاماتها في هذه النخبة، رغم بعض محاولات الخروج من هذه الدائرة الضيقة أحيانا.

وفي خضم هذه النخبوية نكتشف في سهولة ويسر، أن غالبية الروايات العراقية هذه، مع أهميتها، تظل أقرب ما تكون إلى السيرة الذاتية. وإذا كان في ذلك إيهام بواقعية الرواية، فإن اقتصار الإيهام على تحويل الذات الكاتبة إلى موضوع كتابي، يحيله إلى تيمة نمطية.

يمكن اعتبار هذه الرواية من الروايات التي اشتبكت مباشرة مع الاحتلال الأميركي للعراق، ولم تتناوله مداورة أو على استحياء
فالأبطال دائما مثقفون وكتاب وأدباء وفنانون وقراء جيدون، وربما بهذه الطريقة يسهل على الروائيين العراقيين الدخول في تفاصيل جوهر الهوية والحرب والاحتلال والموت والحياة. أي أن اختيار المثقفين أبطالا روائيين يسهل على الروائيين مناقشة المفردات الملحة، وطرح رؤاهم وإبراز مواقفهم من بعض ما استجد على الواقع العراقي. ولكن هذا الأمر يجعل الرواية العراقية الجديدة أحيانا خطابا تربويا أو أيديولوجيا أو تعليميا في مواجهة خطر مستجد.

لم يكتب العراقيون نصف هذا الكم من الروايات قبل الغزو، وهو أمر لافت إلى حد كبير، حيث كان الواقع العراقي مليئا بالصراعات الداخلية المعلنة والمضمرة.

وكان العراق يفقد أبناءه في المنافي بمئات الآلاف، وربما أمكن تفسير ذلك بالتفريق بين عدو خارجي يحاول محو الهوية العراقية أو استبدالها، ومأزق داخلي يرى المثقفون العراقيون -ربما- أن في الإمكان معالجته والخروج منه، أو أن الزمن كفيل بتصحيح الأخطاء طالما كان الجوهر بعيدا عن الاستهداف.

وفي الأحوال كلها، يمكن اعتبار هذه الرواية من الروايات التي اشتبكت مباشرة مع الاحتلال الأميركي للعراق، ولم تتناوله مداورة أو على استحياء، ويبدو لي أن الرواية العراقية مقبلة على فتوحات جديدة لم نرها بعد، ولكن مؤشراتها واضحة تماما.
_______________
كاتب وقاص من الأردن

المصدر : الجزيرة