أنطوان جوكي-باريس

أعادت دار "سيرف" (Cerf) الباريسية للنشر إصدار كتاب سوزان بريسّو "معك"، الذي يحكي قصة حياتها وذكرياتها مع زوجها الأديب المصري الراحل طه حسين من 1915 إلى 1973 مانحة الجمهور فرصة إلقاء نظرة جديدة على مضمونه المثير.

وتجدر الإشارة إلى الجهد الذي وضعته سوزان لإنجاز هذه المهمة، خصوصا أن الأمر يتعلّق باستحضار خمسين عاما من الحياة المشتركة مع عملاق مثل زوجها عبر ارتكازها كليا على ذاكرتها.

ومنذ الصفحات الأولى، تفصح لنا سوزان عن سرّ طاقتها وطبيعة خطابها، بقولها: "أكتب لأتقدم نحوك، واستمرّ في كتابة كل ما يعبر قلبي". وفعلا يُشكّل كتابها صرخة حب إلى ذلك الذي كانت تسمّيه "صديقي" بالمعنى الذي تمنحه لهذه الكلمة، أي "الصديق الوحيد".

كتاب حياة
ومع نبرته المؤثرة أحيانا، يعتبر الكتاب شهادة حميمة حول علاقة رجل وامرأة كان يمكن لأشياء كثيرة أن تفرّق بينهما كالثقافة والدين والهوية، إلى جانب إعاقة طه حسين. ومع ذلك التقيا وتحابا وتزوجا وعاشا متآلفين.

ولإدراك أهمية هذا الكتاب، لا بد من التذكير بالدور الكبير الذي لعبته سوزان في حياة زوجها منذ لقاءاتهما الأولى في مدينة مونبوليي الفرنسية عام ١٩١٥، باعترافه شخصيًّا: "صديقتي كانت معلّمتي. بفضلها تعلّمتُ اللغة الفرنسية وتعمّقت بالأدب الفرنسي. وبفضلها أيضا تعلّمتُ اللاتينية وحصّلتُ إجازتي في الآداب، وبفضلها أخيرًا تعلّمتُ اليونانية وتمكّنتُ من قراءة أفلاطون بلغته".

ونعرف اليوم أن هذه الدراسات وإقامة الكاتب في فرنسا هي التي جعلته يعي وضع وطنه الاجتماعي والسياسي والثقافي البائس ويحاول مصالحة الحداثة الأوروبية مع الماضي العربي الإسلامي والإرث الفني لمصر القديمة.

ولا يتوقف دور سوزان الإرشادي عند هذا الحد، بل يتّسع ليشمل حياة زوجها العاطفية والاجتماعية. فهي التي حطّمت جدران عزلته ومزّقت، الواحد تلو الآخر، برقة شديدة وحماسة موازية، الأغشية السميكة التي كانت تفصله عن الحياة والأحياء والأشياء. ومع ذلك نجدها لا تتحدث على الإطلاق عن هذا الدور أو عن نفسها في كتابها، بل تركّز كامل اهتمامها وخطابها على زوجها. ومن هنا جاء اختيارها لهذا الكتاب عنوان "معك" المعبّر.

الكتاب يعتبر شهادة حميمة حول علاقة رجل وامرأة كان يمكن لأشياء كثيرة أن تفرّق بينهما كالثقافة والدين والهوية إلى جانب إعاقة طه حسين، ومع ذلك التقيا وتحابا وتزوجا وعاشا متآلفين
جانب من التاريخ
لكن هذه الذكريات تتجاوز غالبا قصة سوزان مع طه حسين لتشّكل شهادة شيّقة حول الحياة الفكرية والفنية والسياسية في مصر من عشرينيات القرن الماضي حتى مرحلة الستينيات.

وفي هذا السياق، نتعرّف على السجالات التي عرفتها مصر آنذاك حول مواضيع مختلفة، كإصلاح الدولة والتغرّب وأسُس الأمة وتأقلم الإسلام مع الحداثة، مع مسألة الاستقلال كخلفية لهذه النقاشات، كما نطّلع على تفاصيل المعارك الأولى بين "علمانيين" أو "محدثين" من جهة، و"متديّنين" أو دعاة إسلام يبقى أساس المجتمع، من جهة أخرى.

ولأن ضرارة زوجها احتلت مكانة مركزية في حياتهما، تتناول سوزان هذا الموضوع أيضا في كتابها لتقارب في سياقه صعوبات عيشها هذه الإعاقة وقلقها الثابت على زوجها وهلعها حين تضطر إلى التغيّب عن المنزل فترة من الزمن ويكتب طه لها: "بدونك أشعر فعلاً بأني ضرير، لأني معك قادرٌ على استشعار كل شيء وعلى الاختلاط بالأشياء التي تحيط بي".

لكن في الوقت ذاته، لا تفوّت هذه المرأة النبيلة فرصةً للإشارة إلى غنى وسعادة السنوات التي عاشتها إلى جانبه، كما في قولها: "شعرتُ بقوة لا توصف بملء الهبة التي نعمتُ بها، أنا التي وجدتك على طريقي".

ولا تُهمل سوزان في كتابها الأسفار الغزيرة التي قامت بها مع زوجها وحبهما الكبير للموسيقى الكلاسيكية وطبيعة علاقاتهما بشخصيات مهمة كثيرة، كأبرز أدباء وفناني ومفكري عصرهما في مصر والعالم العربي، وعمالقة بحجم لوي ماسينيون وهنري ميشو وأندريه جيد وجان كوكتو وأندريه لوت وليوبولد سنغور وطاغور.

لكن متعة قراءة هذا النص لا تعود فقط إلى مضمونه الغني بل أيضا إلى أسلوبه الأدبي الجميل الذي يعكس ولع سوزان باللغة وهاجس الدقة في اختيار عباراتها وحسّها الشعري الأكيد الذي تتجلى شراراته في أماكن مختلفة من النص، وهي مهاراتٌ كتابية لا تفاجئنا لدى هذه المرأة التي عاشت كل حياتها داخل محيط فكري وأدبي وكانت قارئة نهمة، بشهادة جميع الذين عرفوها.

يذكر أن الكتاب الذي يتجاوز ٣٠٠ صفحة أصدرته سوزان عام ١٩٨٢ لدى دار "المعارف" باللغة العربية فقط (ترجمة بدر الدين عرودكي) لأنها توجّهت فيه آنذاك حصرا إلى قرّاء زوجها العرب، آملة الكشف لهم عن جوانب جديدة ومجهولة من شخصيته.

المصدر : الجزيرة