الملصق الإعلاني لفيلم المجهول (الجزيرة نت)

نور الهدى غولي-الدوحة
 
لم يكن ويليام شكسبير أكثر من سكير انتهازي وممثل فاشل بالكاد يجيد القراءة والكتابة، هكذا يلخص مخرج فيلم "المجهول" فرضيات جديدة حول شخصية الشاعر الإنجليزي الشهير، مشككا في أنه هو من كتب أعماله الهامة، ومرجحا أن يكون كاتبها هو معاصره إدوارد دو فري المعروف بأيرل أوكسفورد السابع عشر المبدع الحقيقي لتلك الأعمال التي ارتضى لها أن توقّع باسم شكسبير، وذلك في عودة جديدة للتشكيك في هوية أهمّ كاتب في تاريخ الأدب الإنجليزي.
 
"المجهول" دراما تاريخية سياسية تعود بنا إلى دهاليز القرن السادس عشر، إلى عهد الملكة إليزابيث الأولى، حيث تركز الكاميرا أكثر على اللورد إدوارد الشاعر الذي اعتبر عشقه للكتابة والشعر هرطقة يمارسها في القصر الملكي.
 
يضطر اللورد إدوارد للتزوّج بابنة ويليام سيسيل المستشار الأول للملكة بضغط من والدها، بعد أن قتل شخصا كان يتلصص على أوراقه الأدبية، لكنه يتابع حياته ببوهيمية خاصة، ويصرّ على مواصلة كتابة الشعر، يعشق الملكة التي ينجب منها ابنا دون أن يعلم بذلك، نظرا لإجراءات حاسمة قام بها المستشار سيسيل في رد الاعتبار لابنته زوجة اللورد.
 
ولا ينشر اللورد إدوارد كتاباته باسمه الحقيقي نظرا لحساسية منصبه، ولمسارات حياته الخاصة يختار شاعرا مغمورا آخر يدعى بن جونسون ليكون صاحب كتاباته والذي يماطل في الإفصاح عن هويته، فيستغل شخص ثالث الفرصة عندما يظهر فجأة ويليام شكسبير على منصة المسرح ليعلن أنه كاتب العمل المسرحي الذي لاقى ترحيبا وحفاوة كبيرتين بين الجمهور.
 
ورطة الكتابة
"كلّ فنان لديه ما يقوله وإلاّ كان صانع أحذية"، هكذا يقول اللورد إدوارد في إحدى أعماله، وهو ما سيكون منطبقا على شكسبير الذي ينزعج منه جونسون أيما انزعاج نظرا لغطرسته رغم أنه ليس صاحب كل تلك الكتابات..، يتحداه أمام الجميع في كتابة شيء مرتجل، فيرتبك شكسبير ويتهرب من الموقف، لأنه كان شخصا محبا للتمثيل وأبعد ما يكون عن الشعر والكتابة والإبداع.
 
وتتوالى النجاحات الباهرة لكل تلك الكتابات المميزة "هاملت" و"عطيل" و"الملك لير" ثم "ماكبث" و "تاجر البندقية"، و"روميو وجولييت"، حيث يمرّر اللورد ما يريد أن يقوله عبر تلك الشخصية الهامشية لشكسبير الذي سطع نجمه، إذ لا يستطيع شخص نبيل مثله ذو صلة قرابة بالملكة أن يكتب لمسرح شعبي آراء تعارض الحكم الملكي.
 
ويتعرف مشاهد الفيلم على بذخ أسطوري للملوك في قصورهم، بالمقارنة مع الفقر المدقع والوحل في الأحياء الشعبية وجرائم القتل والدسائس والمؤامرات، في نجاح باهر من المخرج في تقديم بانوراما سينمائية غاية في الجمال، وتبرز قدرته على نقل المشاهد إلى القرن 16 وإثارة إلهام مسرحيات شكسبير التي حفل الفيلم بمقاطع منها، وكيف أثّرت في شعب إنجلترا بشكل جعل جمهور لندن عند مشاهدة مسرحية "الملك ريتشارد الثالث" يخرج في مظاهرة للإطاحة بالمستشار روبرت سيسيل الأحدب الذي استمر في المؤامرات والدسائس على نهج والده.
 
مؤامرة
وفي المقابل، يصف محبّو شكسبير فيلم "المجهول" -الذي عرض في الصالات العالمية نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وتقدمه دور العرض العربية هذه الأيام- بالمؤامرة، فيما يدافع رولاند إمريخ -الذي يعتبر من أشهر المخرجين الألمان المعاصرين- عن وجهة نظره في الفيلم على اعتبار أنه سيكون حافزا للتعرف أكثر على شخصية شكسبير، بغض النظر عن مضمون الفيلم وتشكيكه في هذه الشخصية الأدبية العملاقة.
 
وبين هوامش الواقع وشطحات الخيال، بنى الكاتب الأميركي جون أورلوف فيلمه "المجهول" مع مفاجآت الحبكة الدرامية، كأن تكون الملكة عشيقة اللورد إدوارد هي أمه في الأصل باعتباره نتاج أولى علاقاتها غير الشرعية.
 
وتبلغ هذه المفاجآت ذروتها عندما يقوم ابن الملكة واللورد إدوارد "ساوثامبتون" بمحاولة انقلاب على آل سيسل، فيصل الخبر للملكة على أنها محاولة انقلاب على العرش الملكي فتقرر إعدامه مع صديقه، ليتوسط عندها والده إدوارد مانعا إعدام ابنه مقابل وعد منه بعدم نشر أيّ عمل له باسمه الحقيقي.
 
هل كان وليم شكسبير شخصية منتحلة؟ يُطرح هذا السؤال الفرعي مع العنوان الرئيس للفيلم في دراما أسالت الكثير من الحبر بين مؤيد لنظرية التفكير من جديد في صاحب روائع الأدب الإنجليزي، ومعارض للتشكيك في هويته، خاصة من منطقة مسقط رأسه الذين يفتخرون به وبإنجازاته.

المصدر : الجزيرة