أمجد ناصر

مائة عام تمرّ على ولادة عميد الرواية العربية نجيب محفوظ، الشجرة الباسقة التي تدلت منها أغصان كثيرة على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين. العباءة الكبيرة التي خرج منها أبناء وأحفاد. لو لم يكن لدينا نجيب محفوظ لما عرفنا -ربما- كيف سيكون مسار الرواية العربية.

لا تشبه الرواية العربية الآن ما كتبه محفوظ، أو على نحو أدق لا تشبه إسهامه الرئيسي في السرد الروائي الذي اتخذ منحى الواقعية الاجتماعية.

لمحفوظ بالطبع أكثر من وجه أسلوبي (هناك أعمال له ذات طابع تجريبي بحت) ولكني أزعم أن ثقله يتركز في هذا النوع من الكتابة الروائية الذي رسخه في مدونتنا الأدبية العربية من خلال أعمال عديدة قد يكون أبرزها "الثلاثية".

لا تشبه الرواية العربية الآن ما كتبه محفوظ، أو على نحو أدق لا تشبه إسهامه الرئيسي في السرد الروائي الذي اتخذ منحى الواقعية الاجتماعية
تعود بي الذكرى إلى "عوامة" على النيل تدعى "فرح بوت" شكلت صالونا ثقافيا يلتقي فيه نجيب محفوظ أصدقاءه المصريين وزواره العرب. وقد كان لكاتب هذه السطور حظ اللقاء بعميد الرواية العربية مرتين. وفي المرتين كان الكاتب المصري المعروف جمال الغيطاني، أقرب الكتاب المصريين إليه في سنيه العشرين الأخيرة، صاحب الفضل في ذلك.

***
لولا جمال الغيطاني ما التقيت نجيب محفوظ مرتين، فهو الذي رتب أمر انضمامي إلى جلستهم التي كانت تعقد كل ثلاثاء في "فرح بوت". كان الغيطاني متحمسا كي ألتقي محفوظ، ولما رآني مترددا في المرة الأولى، قال إن الجلسة بسيطة والرجل أبسط مما تظن..

لم يكن ترددي مجرد تهيّب من الانضمام إلى جلسة يتصدرها هذا الكاتب الكبير فحسب، بل عزوفا عن عمل لا تخفى (شبهته) الاستعراضية.

بدا لي لحظتها أن اللقاء بنجيب محفوظ أشبه بعمل سياحي يقوم به بعض المثقفين العرب الذين يزورون القاهرة على غرار قيام السياح الأجانب بزيارة الأهرامات وأبي الهول، ولم تكن القاهرة التي لي فيها صداقات ومواضع ألفة راسخة مكانا سياحيا أذهب إليه لالتقاط الصور التذكارية.

لم يحصل هذا حتى في أول مرة زرت فيها القاهرة، فلم أشعر أصلا بأنها مرة أولى، بل خالجني شعور بأنني أجيء إلى مكان أعرف أحياءه وكباريه ومقاهيه ونخبته وأناسه الذين يصنعون، من دون "فذلكة" أو تعالم، معجزة تتجدد كل صباح اسمها: عيش الحياة والإقبال عليها بخفة رغم ثقل كل شيء حولهم.

لم أتردد، بعد ست سنين من اللقاء الأول، في تلبية دعوة جمال الغيطاني للالتحاق به في "فرح بوت" ولكن عزت القمحاوي- ابن العالم ما بعد المحفوظي حياة وكتابة- هو الذي تردد في اصطحابي إلى الجلسة التي لا تعنيه كثيرا، فضلا عن أنه لا يطيق بعض روادها من هواة الالتصاق بالأسماء الكبيرة.

لم يكن محفوظ يتصرف كـ"رائد"، أو "كاتب نوبل"، بل على "سجيته المصرية"، وبتلك البساطة التي تميز الإنسان المصري بصرف النظر عن موقعه ورتبته في الحياة العملية
وبين الزيارتين كان نجيب محفوظ قد تكالب عليه الزمن والمرض، فلم يعد بالمرح الذي بدا عليه في "لقائي" الأول به ولا بالمظهر المتعافي الذي تحسبه لرجل أصغر منه بعشرين سنة، لكن لا تدهور سمعه ولا لحيته النامية، التي تتعجب من بقاء سواد لا يزال يتلكأ فيها رغم تجاوزه التسعين، حالا دون خروجه المنتظم من بيته إلى جلسات بالكاد يسمع عُشر ما يدور فيها، ولا باعدا تماما بينه وبين السيجارة التي يضبط تدخينها على الساعة، وتراه يشفطها شفطا كمن يرضع خلسة ضرع الحياة وإكسيرها.

لم يزدني "لقائي" بنجيب محفوظ معرفة بعالمه الكتابي، فهو لم يتحدث كثيرا حتى عندما ألححنا عليه بالسؤال في المرة الأولى، المحيطون به هم الذين تحدثوا نيابة عنه، وهو يرد على كلامهم، إن سمعهم، بضحكات لا تعرف إن كانت تطمينا على ما يقولون أم تملصا، لكن هذين اللقاءين طرحا عندي أسئلة حول معنى أن تكون كاتبا كبيرا وبسيطا بل ملتصقا بالحياة والناس كما لاحظت ذلك عند نجيب محفوظ الذي عاش طويلا وكتب كثيرا ونال أرفع جائزة أدبية في العالم (جائزة نوبل).

***
لم تكن بساطة نجيب محفوظ التي حدثني عنها الغيطاني مفتعلة ولا حتى بساطة "عالمة"، أي واعية بنفسها، بل بساطة طبيعية تلقائية، تصدر من جهة أخرى غير جهة الكتابة واستحقاقاتها وتراتبية طبقاتها.
 
ولم يكن محفوظ يتصرف كـ"رائد"، أو "كاتب نوبل". كان على "سجيته المصرية"، أي بتلك البساطة التي تميز الإنسان المصري بصرف النظر عن موقعه ورتبته في الحياة العملية.

محفوظ، الكاتب الرائد، موجود بريادته في الكتب، ومحفوظ الإنسان هو هذا الذي يجلس معنا، يضحك ويدخن ويلتقط أخبار العالم والناس بربع أذن ويستغرب ويندهش ويعرف أن بعض الذين يحيطون به ليسوا مشاهير ولا حتى كتابا، وأن بعض زواره العرب فضوليون وجامعو صور تذكارية.

ذكرتُ جمال الغيطاني، أحد أقدم مريديه، وأذكر كذلك يوسف القعيد الذي كان يلازمه في جلسة "فرح بوت"، وهذان كاتبان معروفان، غير أن في جلسته من هم ليسوا كتابا، ولكن ذلك لا يضيره في شيء، وإن لم أكن مخطئا فقد بدا لي أن نجيب محفوظ يفضل غير الكتّاب على الكتّاب، فالجلسة عنده ليست ندوة متجهمة ولا درسا يلقيه على السامعين، إنها ذريعة للخروج من البيت أو المكتب (حيث تتم عملية الكتابة) إلى خفَّة الحياة اليومية وعشوائيتها.

***

ليس بعيدا عن الصحة القول إن محفوظ "الحقيقي" توارى وراء أبطال أعماله الذين يتيح لهم النص الروائي أن يتخذوا المواقف التي يشاؤون من دون أن يقع مبتدعهم تحت طائلة المسؤولية
لجمال الغيطاني علاقة خاصة بنجيب محفوظ، فقد كان لقائي الأول به لقاء غير مباشر بصاحب "الثلاثية". أذكر أن أول لقاء لي بالغيطاني كان في "الجمالية"، فإن لم يكن بالجمالية نفسها فعلى الأقل في "الحسين" ثم ذهبنا إلى الجمالية.

كنا ثلاثة: الغيطاني ومحمد بنيس وأنا. قال لنا جمال إنه ترعرع في شارع متفرع من شارع (قصر الشوق) في الجمالية، حدثنا عن نجيب محفوظ وأعماله وصلتها بهذه الحارات أكثر مما حدثنا عن نفسه وكتبه، وقادنا، كأي مريد نشط ومتحمس لمعلمه، بعد أن شربنا شايا منعنعا في أكثر من مقهى، إلى البيت الذي ولد فيه محفوظ.

كان البيت لا يزال مسكونا ولا شيء أمامه يشير، كعادة الغربيين، إلى أن أكبر كاتب مصري حي عاش هنا، فالحياة تتواصل بكل قصدها وعشوائتها، في أمكنة لا تفكر، بل لا يهمها أنها انتقلت للكتب.

لا أعرف مصريا يعرف القاهرة القديمة كما يعرفها الغيطاني، لا يتعلق الأمر بالمعرفة التي توفرها الكتب، فتلك مبذولة للجميع، ولكن أقصد معرفة المكان من خلال العيش والشغف والتأمل في مصائره.

يمكن للغيطاني أن يمشي بك في القاهرة الفاطمية وهو مغمض العينين، وأن يربط لك الماضي بالحاضر من خلال الشوارع والأزقة والجوامع، وأن يفسر كثرة الجوامع المملوكية والفاطمية وعظمتها بتمصّر (يصبحوا مصريين) كل القادمين إلى مصر ومواصلتهم، ربما من دون وعي، تقاليد الفراعنة وسعيهم المرهق للخلود والبعث.

في تلك الجولة، التي ستليها جولات أخرى، كان محفوظ حاضرا مثلما كان جامع السلطان حسن والسلطان برقوق والسلطان الغوري والإمام الحسين.

يختلف الغيطاني عن معلمه باختلاط الماضي بالحاضر، بينما الأزمنة واضحة عند محفوظ وتشير دائماً إلى الحاضر أكثر مما تلتفت إلى الخلف، وهذا يعني أن "تلمذة" جمال لها بعد آخر لا يتصل تماما بالعالم الروائي لمحفوظ وأشكاله السردية ذات النسق الهندسي الصارم.

لم تكن بساطة نجيب محفوظ مفتعلة ولا حتى بساطة "عالمة"، أي واعية بنفسها، بل بساطة طبيعية تلقائية، تصدر من جهة أخرى غير جهة الكتابة واستحقاقاتها وتراتبية طبقاتها
ليس غريبا، إذن، أن يكون مدخلي إلى مكان محفوظ ومسرح أعماله هو جمال الغيطاني، فهو مرجع حقيقي لجوانب من سيرة محفوظ، خصوصا، في سنيه العشرين الأخيرة، وله على هذا الصعيد أكثر من عمل مكتوب ناهيك عن عشرات الذكريات وشظايا السيرة المبثوثة في الصحف والمجلات، لكن ليوسف القعيد الذي لازم محفوظ في جلسة "فرح بوت"، وربما غيرها من الجلسات، آراء نقدية حيال معلمه الكبير أكثر وضوحا من آراء الغيطاني.

أذكر أننا تحدثنا في آخر لقاء لنا في "فرح بوت" بعد أن غادر محفوظ الجلسة عن موقفه من الصراع العربي الإسرائيلي وتحفظاته على "الفكرة العربية" وغياب أي نص له عن فلسطين، وقد فسر القعيد ذلك بـ"الجذور" المصرية لمحفوظ وميله "الوفدي" التاريخي وضعف اتصاله بالعالم العربي، فهو لم يغادر مصر إلى بلد عربي إلا إلى اليمن الذي زاره بطلب من عبد الناصر!

لكننا لاحظنا -عزت القمحاوي وأنا- أن محفوظ لم يلعب دورا مماثلا لما قام به أصحاب "نوبل" من الكتاب العالميين أمثال ماركيز وساراماغو وغونتر غراس ونادين غورديمير وسوينكا من مواقف ضميرية، لكي لا نقول سياسية، حيال أزمات عالمنا المعاصر.

فكرة المثقف العضوي، أو الكاتب- الموقف، ليست جزءاً من تكوين نجيب محفوظ السياسي والفكري، وإن وجدت هذه المواقف (ولا شك أنها كانت موجودة) فمكانها طوايا الكتابة وأغوارها العميقة وتأويلات رموزها وليس شخص صاحبها.

فليس بعيدا عن الصحة القول إن محفوظ "الحقيقي" توارى وراء أبطال أعماله الذين يتيح لهم النص الروائي (المتخيل) أن يتخذوا المواقف التي يشاؤون من دون أن يقع مبتدعهم تحت طائلة المسؤولية، فالعهدة على الرواي!

المصدر : الجزيرة