منحوتة سيرا تزن 55 طنا وترتفع في السماء 24 مترا (الجزيرة نت) 

أحمد الشريقي-الدوحة

تشق منحوتة 7 للفنان الأميركي العالمي ريتشارد سيرا طريقها إلى عنان السماء بوصفها واحدة من أكثر الأعمال الفنية ارتفاعا في المنطقة وربما في العالم (24 مترا)، في حين تستقر قواعدها في حديقة متحف الفن الإسلامي في الدوحة، لترتكز كمنارة فنية تخطف الأنفاس بوزنها وحجمها.

وتستلهم المنحوتة الشهيرة -وهي أول عمل فني يعرض للفنان سيرا في المنطقة العربية- روحها من مئذنة مسجد في أفغانستان بني في القرن العاشر الميلادي، مفارقة ومنفردة عما عرف عن مآذن الشرق وحتى الغرب في الأندلس وتركيا وباقي حواضر العالم الإسلامي.

زوار حول قاعدة المنحوتة في حديقة المتحف الإسلامي بالدوحة (الجزيرة نت)

رحلات للاستلهام
ولا تفارق المنحوتة، التي كشف عنها في حديقة متحف الفن الإسلامي بالدوحة، الجو التراثي الإسلامي العام الذي أريد للمتحف تجسيده باعتباره حاضنا للمقتنيات الإسلامية في أنحاء العالم كافة.

بيد أن رحلة مصممها سيرا في البحث عن ملهم لمنحوتته -التي تزن 55 طنا وترتفع في السماء 24 مترا– تشبه رحلة مصمم متحف الفن الإسلامي المعماري الصيني إيوه مينغ باي الفنان الذي سافر في أنحاء العالم الإسلامي كافة ليستوحي من روح عمارتها تصميما لبناء المتحف.

ولم تغرِ أي من فنون العمارة الإسلامية باي، إلا أنه وجد ضالته أخيرا في مسجد أحمد بن طولون بالقاهرة.

وبين رحلة سيرا ورحلة باي رحلة أخرى لجامعي مقتنيات قرون الفتنة الإسلامية، والرحلات الثلاث، التي جمعت المتحف ومقتنياته ومنحوتة تنهض في فنائه الخارجي، مثار تشويق.

المنحوتة 7 تبرز ذلك التناقض بين قوى الجاذبية التي تشد الوزن الهائل للمنحوتة إلى الأسفل والصعود العمودي تقريباً لهيكلها، وهو ما يسعى للوصول إلى حالة من انعدام الوزن

كنوز في الداخل
وفي صالات المتحف الداخلي تنتصب مقتنيات تعود إلى المجد الأندلسي الغابر، ومخطوطات وأعمال فنية نادرة تجمع فنون العهود الإسلامية المختلفة، ودقة صنع الفنان الإسلامي ما بين شيراز وقرطبة.

وإذا كان مقتنو الكنوز الإسلامية قد قطعوا أشواطا في الوصول إلى كنوز قرطبة وسمرقند والقاهرة وغيرها من أقطار العالم الإسلامي، فإن رحلة الصيني مينغ كانت في البحث عن الإمساك بروح هذا الفن الإسلامي للمواءمة بين المبنى الذي يستلهم هذه الروح وبين المقتنيات التي يضمها المتحف.

أما رحلة سيرا فكان هاجسها البحث عن ارتفاع، وهو ما تمثله مآذن هذا العالم الممتد، والمفارقة في عمله أنه انصرف عن إغراءات مساجد شمال أفريقيا وتركيا وحتى إيران، ووجد في مئذنة مسجد أفغاني ضالته للإمساك بروح التصميم ونقله إلى الدوحة ليستقر مقابلا للمتحف في حوار يجمع بين روح ابن طولون والمنحوتة ذات الروح الأفغانية.

وحسب سيرا في مؤتمر صحافي سبق الكشف عن المنحوتة والحديقة التي دشنها أمير قطر الشيح حمد بن خليفة آل ثاني في احتفال بهيج، فإنه قد استوحى تصميمه المنفرد والمفارق لمآذن مساجد العالم الإسلامي -سواء في الشرق أو حتى في الأندلس- من أحد مساجد أفغانستان الذي يعود بناؤه إلى القرن العاشر الميلادي، كما استلهم الدلالات العميقة للرقم 7 من القرآن الكريم.

وتعتلي المنحوتة فتحة بحوالي ثلاثة أمتار مشكلة قبة ويبلغ عرض كل صفيحة من صفائح المنحوتة سبعة 2.4 متر، كما يبلغ سمكها زهاء 10 سنتمترات، ويتاح لزائرها التنقل بين صفائحها.

وإذا كان صفّا النخيل الطويلان اللذان يحيطان بالممر الواصل إلى بوابة المتحف قد جاءا -بحسب مينغ باي- بإلحاح من أمير قطر لإبراز عمق تراث المنطقة وربطها بتاريخها، فإن سيرا يرى أن منحوتته جاءت "لربط المحتوى الجمالي للمتحف مع حديقة متحف الفن الإسلامي وجعلها فضاء للزيارات".

وتبرز المنحوتة 7 حسب سيرا -الحائز على البكالوريوس والماجستير في الفنون الجميلة من جامعة ييل عام 1964- التناقض بين قوى الجاذبية التي تشد إلى الأسفل الوزن الهائل للمنحوتة والصعود العمودي تقريبا لهيكلها، وهو ما يسعى للوصول إلى حالة من انعدام الوزن.

تمثل منحوتة سيرا والمتحف نفسه خلاصتين لرؤية ثقافية تنتمي إلى الصين وأخرى تنتمي إلى أميركا لزوايا الشغف وطرائق الاستلهام لروح الحضارة الإسلامية

رؤية ثقافية
وبموقعها في نهاية كورنيش الدوحة، تحولت المنحوتة الهائلة إلى طرف في حوار مع متحف الفن الإسلامي، بحيث تخلق فضاء عاما يمكن للمرء أن ينعم فيه بتجربة تأمل خاصة، يقترب المرء من المنحوتة ويدخل إليها ويدور حولها ليرى كيف أن المتحف والسماء اقتربا من المنحوتة عبر الفتحات بين الصفائح الفولاذية.

وتشمل الحديقة التي تحتضن اللوحة المنحوتة ممرا حجريا مضاء للمشاة يمتد على مسافة كيلومترين مرصوفاً بأشجار النخيل المحلية على طول الحديقة الدائرية، في حين يشق خليج الدوحة رصيفٌ بحري تم تشييده خصيصاً ليحتضن منحوتة ريتشارد سيرا، على ساحة صُنعت من حجر شانكسي الأسود المصقول ومحاطة بالماء، مع درج أنيق يخرج من الماء في الجهة الجنوبية من الساحة مقابل متحف الفن الإسلامي.

وتمثل منحوتة سيرا والمتحف نفسه خلاصتين لرؤية ثقافية تنتمي إلى الصين وأخرى تنتمي إلى أميركا لزوايا الشغف وطرائق الاستلهام لروح الحضارة الإسلامية (فنونها وعمارتها).

ففي تصميم المتحف رأى باي أن البساطة والصرامة التي استلهمهما من جامع ابن طولون هما ما سعى إلى استحداثه تحت شمس الدوحة، في حين شغفت روح الفرادة الأفغانية مخيلة سيرا في إبداعه لمنحوتته.

المصدر : الجزيرة