لقطة من فيلم "الأزمنة الحديثة" لشارلي شابلن

أنطوان جوكي-إيفيان

رغم صعوبة عرض إنجازات الفنان البريطاني الشهير شارلي شابلن (١٨٨٩-١٩٧٧) -الذي جعل من الحركة والإيمائية وسيلة لتعبيره- على جدران متحف، فإن "قصر النور" بمدينة إيفيان الفرنسية يحتضن معرضا مهما تحت عنوان "شارلي شابلن.. صور أسطورة".

ويتضمن المعرض أكثر من مائتيْ صورة فوتوغرافية، هي عبارة عن لقطات شهيرة من أعماله السينمائية، وعشرات الملصقات الدعائية لأفلامه و15 شاشة صغيرة نشاهد عليها بالتتابع مقتطفات من جميع هذه الأفلام.

 لقطة من فيلم الفتى لشارلي شابلن

قراءة جمالية
ومن خلال هذه العناصر الوثائقية، يسعى المعرض إلى رواية بدايات شابلن في ميدان السينما الصامتة، وكشف تطوّر أسلوبه الكوميدي والتزاماته المهنية والإنسانية، ضمن قراءة جمالية وتاريخية تعكس أعماله وجميع محطات مساره الساطع.

ويتوقف المعرض أولا عند ولادة شابلن في أحد أحياء لندن الفقيرة، من أب كان مغنيا وأم ممثّلة، لتفسير "نزعته الإنسانية" وميوله الفنية اللاحقة، قبل أن يبيّن كيف أن صعود شابلن على خشبة المسرح منذ التاسعة من عمره سهّل عبوره إلى السينما عام ١٩١٣، حيث تحول بسرعة إلى نجم الأفلام الكوميدية التي كانت تخرجها شركة كايستون الأميركية.

ومنذ فيلمه الأول، فرض شابلن نفسه كأفضل ممثل بالإيماء، ولكن أيضا كفنان قادر على الارتجال في أي لحظة. ومن فيلم إلى آخر، بلور شخصية شارلو التي أداها ببراعة لا تضاهى، وظهرت في البداية على شكل رجل ماكر ومدمن على الكحول، قبل أن يحولها تدريجيا إلى شخصية مؤثرة برعونتها وكآبتها وإنسانيتها العميقة.

ولأن شابلن ليس فقط ممثلا متعدّد المهارات بل مخرجا سينمائيا أنجز وكتب سيناريو جميع أفلامه منذ عام ١٩١٤ وحتى عام ١٩٦٧، فإن المعرض يتناول خصوصيات عمله وإنجازاته في هذا الميدان.

وانفرد شابلن عن سائر مخرجي عصره بإدخاله بعدا عاطفيا على كوميدياته، وبمد حبكاتها بشحنة رومنطيقية كرست شخصية شارلو كبطل هامشي، وضحية مجتمع يسعى بشكلٍ هستيري نحو الحداثة.

وعلى مستوى آخر، يقوم الجانب الهزلي من أفلامه على مجموعة ركائز تتناغم بطريقة مذهلة، كابتكار حالات عبثية، واستخدام أشياء محولة عن وظيفتها الأصلية، إلى جانب رشاقة حركاته وسرعة الأداء.

ومع مجيء الأفلام الناطقة عام ١٩٢٧، عرف شابلن مرحلة تأمل عميقة بفنه، أنجز خلالها فيلم "أضواء المدينة" (١٩٣١) الذي ارتقى فيه إلى قمة التعبير بواسطة الإيماء وألّف بنفسه موسيقاه.

 شخصية شارلو في بداياتها

رؤية نقدية صامتة
ومع أنه كتب بعد ذلك حوارا لفيلم "بالي"، لكنه ما لبث أن تخلى عن هذا المشروع، وحسم موقفه لصالح الاستمرار في تطوير شخصية شارلو داخل عالم صامت.

ففي فيلم "الأزمنة الحديثة" (١٩٣٦)، يحلّ ضجيج الآلات مكان الأصوات، وحين يتحضّر المشاهدون في نهاية الفيلم لسماع صوت شارلو، ينسى هذا الأخير كلمات أغنيته ويستبدلها برطانة غير مفهومة، عبارة عن مزيج من الألفاظ الفرنسية والإيطالية التي لا معنى لها. ويجب انتظار فيلم "الدكتاتور" (١٩٤٠) كي ينطق شارلو أخيرا فيتوجّه مباشرة إلى مشاهديه، ويلقي خطابا إنسانيا مؤثّرا يحمل رسالة أمل وسلام.

لكن شابلن لم ينتظر السينما الناطقة كي يعبّر بقوة ووضوح عن رأيه، بل اتّخذ من الوقائع الاجتماعية والسياسية لزمنه موقفا صريحا، وانخرط داخل رؤية نقدية للعالم.

فمن فيلم "شارلو المتدرّب" (١٩١٥) إلى فيلم "الأزمنة الحديثة" (١٩٣٦)، فضح بشكلٍ متواتر الوضع الاقتصادي والبؤس ومعاناة  الكادحين، وانقضّ بشكل مؤثّر على استغلال الشركات الكبرى والمصانع للعاملين فيها.

وبواسطة فن التمثيل بالإيماء وقصصه التي تستقي مادتها من الأحداث الراهنة ومن سيرته الذاتية، قارب الحقائق المأساوية لعصره، كالعنصرية والحرب والاحتيال والفساد، بدون أي محاولة للتخفيف من خطورتها، كما في أفلام "الدكتاتور" و"سيّد فيردو" (١٩٤٧) و"الأنوار الأمامية" (١٩٥٢) و"ملك في نيويورك" (١٩٥٧).

ولا يهمل المعرض في النهاية الكلفة الباهظة التي دفعها شابلن نتيجة تحرّره ومواقفه اليسارية خلال الحرب الباردة، وتمثّلت في إبعاده القسري ليس فقط عن عالم السينما ولكن أيضاُ عن وطنه الثاني أميركا، فاستقر في سويسرا منذ عام ١٩٥٢ وبقي فيها حتى وفاته.

لكن المعرض يبيّن -بالأرقام هذه المرة- أن المكارثية في أميركا -نسبة إلى السيناتور جوزيف مكارثي الذي قاد حملة قاسية في الخمسينيات ضد الشيوعية بذريعة وجود مؤامرة- فشلت في احتواء إشعاع فنه داخل الولايات المتحدة وخارجها. والدليل بقاؤه إلى حد اليوم "الفنان الأكثر شعبية على وجه الأرض"، كما يرى العديد من النقاد.

المصدر : الجزيرة