سميح شقير اختط لنفسه نهج الأغنية الملتزمة منذ ثمانينيات القرن الماضي (الجزيرة نت)

أحمد الشريقي

بعد سلسلة خيبات أصابت حركات التحرر العربي، خبا مع التراجع الثوري المريع وهج الأغنية المعبرة عن تطلعات الأمة وشعوبها للتحرر، فشحذ كثيرون أقلامهم ناعين أغنية المقاومة وراثين لها، لكن الفنان السوري سميح شقير الذي يعدّ واحدا من أبرز أصواتها منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي عاد ليذكّر بأن الرجل لم "يترك الخندق بعد حتى يمر الليل".

ولم يتأخر ابن بلدة القريا من محافظة السويداء في موقفه بإعلانه الانحياز إلى دماء شعبه وهي تسفك على مذبح الحرية، وهو الذي أخذ على نفسه عهدا في إحدى أغانيه بأنه "لو رحل صوتي ما بترحل حناجركم".

يمثل شقير امتدادا للفن الثوري والتحريضي العربي الذي دشنه في فترة مبكرة رائد الأغنية الملتزمة في مصر سيد درويش ومن بعده الفنان الشيخ إمام
في خندق المقاومة
وفي وقت انسحب فيه كثيرون من خندق الأغنية المقاومة وتراجع كثيرون للبحث عن مشاريع موسيقية تتحرر من ما سمي بـ"أدب الشعار"، عاد صاحب "زهر الرمان" ليذكر المنسحبين إلى بكاء الذات والمتراجعين عن آلام المحرومين والسجناء بصرخة الاحتجاج الأعلى في زمن الثورات العربية المتصاعدة بأغنيته "يا حيف يا درعا"، بأن مكان المثقف والفنان الحقيقي حيث يقف المطالبون بالحرية.

الأغنية التي جاءت بسيطة في كلماتها، كانت كما هي كل أغاني شقير قريبة من نبض الشعب وآلامه، إلا أنها أيضا حملت الموقف الأكثر راديكالية تجاه الطغاة المستبدين "فمن يقتل أبناء شعبه خاين، كاين من كان"، وأيا كانت الذرائع التي يتستر خلفها، ورغم بريق الشعارات التي جاءت صرخة شقير لتؤكد زيفها:

يا حيف آخ ويا حيف
زخ رصاص على الناس العزّل
يا حيف،
وأطفال بعمر الورد تعتقلن كيف
وأنت ابن بلادي تقتل بولادي
وظهرك للعادي وعليي هاجم بالسيف
يا حيف يا حيف..

وتراوح الأغنية، التي جاءت على لسان بسطاء درعا، بين الحزن الذي يصور مشهد المذبوحين على يد نظامهم والارتفاع بنبرة الثورية عاليا حين تدين النظام الذي يقتل شعبه ويدير ظهره للعدو الأول مغتصب الجولان وفلسطين.

وفي أغنيته يأخذ صاحب "يا الجولان ياللي ما تهون علينا" مكانه ثوريا ومناضلا باللحن والكلمة مع أبناء شعبه، مستقطبا بأغنيته مشاعر الشعب الذي تحاول لغة السياسة الباردة دفعه إلى القبول بأنصاف الحلول والترقيع بديلا عن الثورة والتغيير:

يقرا صفحتنا مش تاري السجان
يما كلمة حرية وحدا هزتلو أركانو
ومن هتفت الجموع
يما أصبح كالملسوع يما
يصلينا بنيرانو
وإحنا للي قلنا للي بيقتل شعبو
خاين. يكون من كاين.
والشعب مثل القدر.
من ينتخي ماين، والشعب مثل القدر، والأمل باين
يا حيف يا حيف.

وسجلت الأغنية رغم حداثة تسجيلها إقبالا هائلا من المستمعين –ربما لم يتوفر لألبوماته السابقة– التي حظيت بدورها بإقبال كبير من المستمعين العرب.

في أغنيته الأخيرة يأخذ، شقير مكانه ثوريا ومناضلا باللحن والكلمة مع أبناء شعبه، مستقطبا بأغنيته مشاعر الشعب الذي تحاول لغة السياسة الباردة دفعه إلى القبول بأنصاف الحلول
أغنية الأمل
منذ ظهوره في العام 1982 الذي شهد دخول قوات الاحتلال الإسرائيلية إلى بيروت، اختط شقير لنفسه -وقد أغوته الموسيقى صارفة إياه عن كتابة الشعر، وإن كان صدر له ديوان واحد بعنوان "نجمة واحدة"- نهج الأغنية الملتزمة بهموم شعبها، فأخذ على عاتقه "أن يقرع أجراسه في مملكة الصمت ويغني" أغنية الأمل التي تبحث في الزوايا المعتمة، الأغنية التي يتحاشى دخولها الكثيرون علهم يكونوا مقبولين في سوق الإعلام.

بين عامي 1990 و1994 درس الفنان السوري في معهد عال للموسيقى في كييف عاصمة أوكرانيا، وفي هذه الفترة أقام عدة حفلات كبيرة في كل من موسكو وكييف وبيتربورغ مع فرقته الموسيقية التي حضرت من سوريا وبمرافقة فرقة باليه أوكرانية (زلتيه فاروتا) التي رقصت على موسيقاه.

ولما كانت فلسطين قبلة المبدعين العرب، كانت أغاني شقير تمجّد الصمود الأسطوري لأبنائها في بيروت، فغنى لبيروت ومناضليها من كلمات الشاعر الراحل محمود درويش "بيروت تفاحة والقلب لا يضحك".

وكان المغني الثائر يلهث وراء كل مقاوم وقضية نضالية إنسانية فيغني لها، فصدح صوته لصديقه شيفان الكردي الثائر، وغنى للقيادي الشيوعي عبد الخالق محجوب إثر إعدامه في السودان، وغنى لـ"شلالات الدم في جنين" حيث  تراق على يد العدو الإسرائيلي أيام صمودها الأسطوري أمام دبابات المحتل.

دلف شقير عالم الموسيقى من نافذة الشعر، واضعا كل إمكانياته الشعرية وموظفا إياها ضمن مشروعه الموسيقي الذي أراد أن يكون له طعم وموضوع مختلف، ساعيا إلى بناء تيار جديد في الموسيقى العربية والإنسانية، تيار ينتمي إلى البعد الثقافي أكثر من انتمائه إلى الأغنية كأغنية.

دلف شقير عالم الموسيقى من نافذة الشعر واضعا كل إمكانياته الشعرية وموظفا إياها ضمن مشروعه الموسيقي الذي أراد أن يكون له طعم وموضوع مختلف
امتداد للالتزام
ويمثل شقير امتدادا للفن الثوري والتحريضي العربي الذي دشنه في فترة مبكرة رائد الأغنية الملتزمة في مصر سيد درويش ومن بعده الفنان الشيخ إمام، كما يمثل إلى جانب مارسيل خليفة وأحمد قعبور وخالد الهبر أبرز الأصوات الغنائية العربية التي حملت على عاتقها قضايا التحرر العربي، وإن كان ما زال الأكثر حضورا ومواكبة للقضايا العربية إذ لم يتأخر في مساندة الثورة التونسية والاحتفاء بالثورة المصرية.

وإذا كان الفنان السوري، الذي ينحدر من "السويداء" التي يدين لها بالكثير من استلهام تراثها الغنائي وتوظيفها في أغانيه، تنتمي أعنيته في مضمونها إلى لغة الخطاب السياسي فإنه بالمقابل ظل بعيدا عن تجاذبات التيارات السياسية نائيا بنفسه عن الانتماء السياسي وإن كان مضمون أغانيه منحازا بالضرورة إلى حرية الشعوب.

ولدى تعريفه بنفسه فهو يرى أنه "فنان سوري وجد نفسه مع نبض الشارع وخارج أي هيكلة سياسية يبحث عن لغة جديدة ونص متقدم لتقديمه في شكل فني غنائي يحاول أن يرتقي عن السائد ويغوص عميقا في هم الإنسان العربي".

المصدر : الجزيرة