مرزاق علواش أثناء تتويجة بمهرجان الدوحة ترايبكا السينمائي (الفرنسية-أرشيف)

نور الهدى غولي

بعد عامين من تصوير مشاهد فيلمه الذي لم يكتمل، جمع المخرج مرزاق علواش طاقم الممثلين ليعلمهم بحصوله أخيرا على دعم لإنهاء الفيلم، ولكن النقاش سرعان ما انزلق إلى قيمة الإبداع في زمن الثورات العربية، واستسلم المخرج لعفوية الحوار فصوره بشيء من التوجيه ليصبح العمل فيلما يحوز على الجوائز، ومثيرا للجدل كمعظم أفلام علواش.

ويبدو أن "الورطة الفنية" التي وقع فيها المخرج الجزائري في فيلم "نورمال" تحولت إلى نقطة قوته وكانت وراء فوزه بجائزة أفضل فيلم روائي عربي بمهرجان الدوحة ترايبكا السينمائي في اختتام دورته الثالثة. فقد تحولت حيرته "الإبداعية" السابقة بشأن ما يمكن أن يفعل بمسودة فيلم غير مكتملة إلى نشوة بالفرح والانتصار، وخاصة إلى فيلم سينمائي مكتمل على المستوى الفني.

"نورمال" (الكلمة التي تعني طبيعيا أوعاديا) هو ما اختاره المخرج الجزائري المغترب والمثير للجدل غالبا، عنوانا يعبر به عن "منطقية" الإرهاصات التي يعيشها الجزائريون حاليا، ومن أولى لقطات الفيلم نستشعر ذلك الغضب والغليان.

وتتكثف اللقطات المتتابعة لاحقا لنلتحق بزوجين شابين يطمحان لإكمال إنتاج فيلمهما من خلال طلب دعم من وزارة الثقافة، وهو الطلب الذي رفض، بحجة عرضه لأشياء تسيء للجزائر، وللحديث المتشعب المنتقد للحكومة.

لقطة من فيلم نورمال للمخرج الجزائري مرزاق علواش (الجزيرة نت)

مونتاج أوّلي 
يدعو الزوجان (نجيب أولبصير) و(عديلة بن ديمراد) أصدقاءهم الممثلين المشاركين في الفيلم ليشاهدوا المسودة الأولية وليروا معا ما يمكن فعله كتتمة لهذا المشروع الذي نشاهده بدورنا معهم، حيث ينتقد هؤلاء الشباب من خلال هذا الفيلم احتضان الجزائر لفعاليات المهرجان الثقافي الأفريقي 2009، فقد كانت تخصيص ميزانية ضخمة للحدث محل سخط من طرف الكثيرين خاصة في ظل الظروف المعيشية الصعبة والبطالة المتفشية. يتوقف الفيلم ولا يجد دعما له، وهي نفس قصة المخرج علواش مع فيلمه.

كان يريد أن يقول إن الوضع الجزائري لا يحتمل ترفا كذاك المهرجان في ظل ما نعانيه، لكنه لم يجد الإمكانات لإكماله. صوّر حيرته في فيلم وربطها (بعد سنتين من تصوير الفيلم الوثائقي) براهن الثورات العربية وبالغليان الموقوت الذي تشهده الجزائر، والذي عبر عنه بأزيز الهليكوبتر العسكرية القوي، وبصوت صفارات إنذار الشرطة في إشارة للحضور الطاغي للسلطة وسياستها الإقصائية والراصدة للأجواء، خوفا من انتفاضة شعبية على قارعة الطريق.

يمرر مرزاق علواش طبعا كل أفكاره "الثورية" بطريقة انسيابية. يحدث خصام بين الأصدقاء بسبب لقطات حميمية صورت خلال الفيلم، وهي اللقطة/ الجسر التي يرمز من خلالها علواش إلى صعوبة العثور على ممثلة تقبل أن تمثل الدور كاملا بكل جرأة في ظل المحاكمات التي يرفعها الآخرون، وفي ظل كل التناقض الموجود.

كأن تقوم المخرجة بتصوير عمل "جريء" لكنها ترفض أن تقوم هي بذات الدور أو أن يقوم به صديقها. يمرر المخرج أيضا رسالة الحجاب "الظرفي" في الجزائر، أين تلبس الفتاة الحجاب في مناطق معينة وتنزعه في أماكن أخرى في ازدواجية غير مفهومة. دون أن ينسى الحديث على عقلية الشللية والأهواء في موافقة الجهات الرسمية على تقديم الدعم الكافي للأعمال الثقافية والفنية.

كان للثورة في فيلم "نورمال" حضورا موازيا بالكامل على طول فترة الفيلم. الثورة في كل شي وعلى كل شيء، من التقاليد "البالية" إلى الثورة بمعناها النضالي السياسي، ليعرج أيضا من خلال نقاش عفوي ومحتدّم صوره بين هؤلاء الأصدقاء الشباب بشأن ما يمكن تقديمه للوطن وبأية طريقة.

لقطة من فيلم نورمال (الجزيرة نت)
آراء متعددة
يصرخ أحدهم دفاعا عن نفسه بأنه ليس مجبرا للخروج إلى الشارع من أجل الثورة، وأن فيلمه السينمائي قادر على تبليغ الرسالة كاملة، فيما يصر آخرون على أن الثورة تعني تعبيرا جسديا عن الرفض لكل الراهن من خلال مظاهرات سلمية ومسيرات تنديدية.

انتقلت كاميرا علواش من وجه لآخر ومعه تعددت الآراء التي كشفت هواجس الجزائريين الآنية وتفكيرهم المختلف وسط كل الثورات العربية القائمة هنا وهناك. فعدم اقتناع البعض بالثورة مرده إلى انتفاضة الشباب قبل عقدين من الآن (أحداث 1988) وما تلاها من إجهاض للتجربة الديمقراطية مع موت الآلاف من المدنيين وما مرت به الجزائر من دمار على عدة مستويات، وعليه فمن الطبيعي أو "نورمال" أن يحدث هذا الانقسام في عدم يقينية التصرف المشترك.

وقد بدت واضحة جدا عفوية الجدال بين هؤلاء الممثلين، وهو ما راهن عليه المخرج منذ البداية، وقال إن ذكاءهم كان دافعا لترك مطلق الحرية لهم في التعبير عن هواجسهم الذاتية مع تأطير بسيط مسبق من طرفه. وأكثر ما يحسب لصاحب "حراقة" هو قدرته الفذة على الخروج من فخ العمل الناقص إلى آخر متناسق ومكتمل دون الشعور بلصق أو "كولاج" للأفكار.

ورغم تلك العفوية البادية يعبر الكثير من الجزائريين عن استيائهم لمبالغة علواش في الحوار، خاصة في أجزاء لا تخدم عمليا فكرة الفيلم، وكذلك الإيحاءات من بينها مشهد المرأة الجزائرية وهي تتخلى عن حجابها عندما تستقل سيارة "تاكسي"، وكيفية تصويره للشباب الجزائري.

ويرون أن علواش يريد من خلال الفيلم أن ينقل صورة المجتمع الفرنسي نفسها ويسقطها على المجتمع الجزائري وقد دأب على ذلك في أفلام سابقة مثل "باب الواد سيتي" وغيره.

فيلم علواش -الذي بدأ بلافتة كبيرة مكتوب عليها بلون أحمر صارخ "جزائر حرة ديمقراطية" وانتهى بها أيضا- ظل مفتوحا على كل الاحتمالات والنهايات، نظرا للرؤية الضبابية السائدة في البلد، ونظرا لضريبة ثقيلة لم تمح كل آثارها بعد، كان هناك فقط يقين قوي بصعوبة الوضع الراهن في الجزائر.

المصدر : الجزيرة