الشاعر خالد مطاوع (الجزيرة)

طارق عبد الواحد

في أعقاب مقتل القذافي، يكتب الشاعر الأميركي من أصل ليبي خالد مطاوع قصيدته الأخيرة "بعد 42 سنة" بتسجيلية متقشفة، ومن دون فذلكات بلاغية، موّلفا سردا بصريا هو أقرب إلى اللوحة الجدارية التي تضم مجموعة من الصور التي تبدأ بالانقلاب الذي نفذه القذافي قبل أكثر من أربعة عقود وتنتهي بمشهد القبض عليه من قبل مجموعة من الثوار الليبيين.

وفيما بينهما تحتشد عشرات الصور و"اللقطات" الأخرى، ليبدو عمل مطاوع الأخير بمثابة "كولاج" شعري، ينظمه ذلك التساؤل المرير: كيف يمكننا أن نقول إن اللعبة انتهت بعد 42 سنة؟

لا استعارات تتواتر في هذا النص الذي كتبه مطاوع فور ذيوع مقتل القذافي، ربما لأن "قائد ثورة الفاتح" أغلق البلاد وكان "الاستعارة" الأكثر ظلما في رواية الشعب الليبي طوال سنوات حكمه.

لا يكتب مطاوع نصه على بعد آلاف الأميال بقدر ما يدلف إليه من ذكريات الطفولة، من ذلك التشكل الأول الذي لا يعلوه الغبار مهما طال العهد ومهما ناهز العمر من السنوات
ويبدو للوهلة الأولى أن نجاة النص الشعري تتأتى بسبب كتابته وتنصيصه من بعد، من وراء المحيطات، فالأقرب إلى الحقيقة أن جذوة الثورات المندلعة في العالم العربي وأوارها اللاهب أحرق اللحظة الشعرية لدى الكثير من الشعراء العرب، لدرجة يظهر فيها أن الشعر قد انحسر إلى أدنى مستوياته وانتفت معها موجباته التطهرية.

ولكن لم لا، طالما أن الربيع العربي أدهشنا بأكثر مما يقدّر للقصائد أن تدهشنا، زد على ذلك أنه (الربيع العربي) ليس فضاء متخيلا، بل هو واقع شديد الصلابة، وبيئة نافرة التضاريس.

لكن مطاوع لا يكتب نصه على بعد  آلاف الأميال بقدر ما يدلف إليه من ذكريات الطفولة، من ذلك التشكل الأول الذي لا يعلوه الغبار مهما طال العهد ومهما ناهز العمر من السنوات:

في الخامسة من العمر(كنت) عندما قام الدكتاتور بانقلاب
وأغلقوا مدينتنا بحظر التجول
اتقلاب غير دموي- قالوا
الكثيرون الذين ظنوا أن ذلك أفضل.
الدكتاتور، شاب في مقتبل العمر، منعزل خجول استلم الدفة، وانحنى بتضرع
جنون العظمة مخبأ في عينيه مثل شمس ميتة
لم يكن باستطاعته الذهاب إلى المتجر لكي يشتري خبزا أو جرائد
لم يكن باستطاعته أن يغادر المنزل ويزور أصدقاءه
المذياع يرعد كراهية ويفوّر الدماء -أغنية سمجة-
يغني (المذياع) ما لم ينتبه له أحد.

المصانع بينت ونهبت، البيوت سرقت، الجرائد أغلقت
عقود من الناس المقتولين، 42 سنة.
لكن كل ذلك انتهى الآن-
كيف يمكننا أن نقول انتهى وقد استغرق الأمر 42 عاما
كنت في الخامسة عندما أخفى الدكتاتور أخي.

يبدو عمل مطاوع الأخير بمثابة "كولاج" شعري.. ينظمه ذلك التساؤل المرير: كيف يمكننا أن نقول إن اللعبة انتهت بعد 42 سنة؟!

وبعدها يستعجل مطاوع الوصول إلى المشهد الذي سيصبح علامة فارقة في التاريخ الليبي الحديث، مشهد إلقاء القبض على القذافي وسقوطه في أيدي الثوار:
نصف وجهه مدمى، ويتكلف الابتسامة.

مثل جوكر الرجل الوطواط
يداه ترتفعان وأصابعه مشدودة تتدافع
قائلة انتظروا، اهدؤوا، انتظروا
انتظرنا 42 سنة - في الخامسة من العمر (كنت) عندما قتل أبي
وهو واقف أمام فندق
انقلاب أبيض،
البلاد مثل صبية صغيرة مغلوبة على أمرها
أجبرت على الزواج وتأمل أن يكون عريسها شخصا لطيفا
وبين ذلك كله كان.. الفراغ
الذي احترق مثل مليون شمس في عيوننا
الموت كالهواء، في كل مكان.

وهكذا يصبح القبض على القذافي نهاية اللعبة والكابوس، وليكون في الوقت نفسه توطئة ومدخلا لنص يقدم مأساة شعب ابتلاه القدر بحاكم يسقط وفي حوزته "مسدس ذهبي مثل طفل يلهو، لابسا حذاء بكعبين عاليين"، بحاكم مولع بالتهريج، حيث تنقاد السخرية السوداء إلى ما يكافئها أو يكثفها، أو يدرجها في بابها الأنسب: "شر البلية ما يضحك".

ويتسارع الإيقاع، فيما يلي من القصيدة، حين يأخذ مطاوع باستعادة ما صنعته يدا "العقيد الثائر" وهي تدير على مدى عقود رحى القتل والتنكيل والتهميش، وكأنما الشاعر يحشد كل الأسباب التي أفضت إلى هذه النهاية، قاطعا الطريق على كل الأصوات التي استنكرت ما قام به "شاب في مقتبل العمر فعل ما تمنت الملايين القيام به".

في مكان ما، شمس أرضية تشع علينا، وتشع معنا، ثانية.
يوجد الآن هواء في الهواء
فماذا ستكون النتيجة إذن؟
نغسل أيدينا
ونلبس ثيابا طاهرة
لا يوجد "بعد ذلك" حتى نصلي على جميع موتانا.

يذكر أن مطاوع ولد سنة 1964 ببنغازي وهاجر إلى الولايات المتحدة الأميركية في صباه. وتشمل أعماله الشعرية المترجمة إلى اللغة العربية ديواني "خسوف الإسماعيلية" (2005) و"فلك الأصداء" (2010 )، كما ترجم إلى الإنجليزية الكثير من الشعر العربي المعاصر، وشارك في تحرير أنطولوجيتين لأدب العرب الأميركيين. كما حاز العديد من الجوائز والمنح الثقافية، ويعمل أستاذا للكتابة الإبداعية في جامعة ميشيغان وإعلاميا في قناة "ليبيا الحرة".

المصدر : الجزيرة