يوسف ضمرة

ليس من قبيل المزاح القول، إننا نفضل في أحيان كثيرة صورتنا في مرآة ما أكثر من غيرها، ونفضل صورتنا المأخوذة بعدسة آلية أكثر من صورتنا في المرآة حينا آخر. والمرايا المستوية متشابهة، والعدسات متشابهة، إلا في الحجم و"الزوم" وما شابه ذلك، لكن المرايا والعدسات الآلية لا تصور إلا ملامحنا في الحالات كلها، فلماذا نحب هذه ولا نحب تلك؟

يتعلق الأمر برغبة داخلية. الملامح هي نفسها، لكنها تتغير بحسب مزاج المرء ونفسيته، وعليه تصبح أكثر ارتياحا هنا، وأكثر تكدرا هناك. لكن مشكلتنا، تكمن في إصرارنا على التمسك بالصورة التي نحب، متناسين أنها قد تكون عابرة، ومتناسين أن لنا ملامح منفرة في لحظات الكدر والغضب وعدم الارتياح.

لعبت الصورة الإعلامية هذا الدور بامتياز، وباحتراف بالغ. ركزت على رد فعلنا تجاه صورة محددة، فتجاهلت الصورة الأخرى تماما، طمستها أو همشتها أو حيدتها، وفي أحيان كثيرة شوهت مناسبتها.

ركزت التقارير الإعلامية على رد فعلنا تجاه صورة محددة، فتجاهلت الصورة الأخرى تماما، طمستها أو همشتها أو حيدتها، وفي أحيان كثيرة شوهت مناسبتها
وإذا كانت الملامح متعلقة بالمزاج الشخصي وبالنفسية سلبا أو إيجابا، فإن رؤية الصورة تعمل في النسق ذاته. تغير المزاج، وترفع من نسبة الأدرينالين في الدماغ، الأمر الذي يربك عمله أحيانا، وقد يعطله تماما، لتحل الغريزة مكانه وتقرر وتنفذ أيضا. ففي لحظة القتل يتغيب العقل نهائيا، وتسيطر الغريزة، وهو ما يحدث عند رؤية الصورة أيا كان محتواها.

لقد لعب الإعلام العربي لعبة الصورة. استخدمها كما لم يستخدمها من قبل وتمكن من أسرنا بهذه الصورة، لأنها تمكنت من تحييد العقل. فلماذا يقتل أحد ما طفلا أو طفلة ويقوم بتقطيع جثته أو جثتها؟ هذا السؤال لا نجد الوقت أمام الصورة كي نطرحه. فقط نكتفي بالصورة، وبالمعلومة التي تشرح لنا المحتويات من دون أي تساؤل أو شكوك.

هكذا انتقلنا من دائرة الشك التي تقود إلى درب اليقين، إلى درب اليقين مباشرة من دون شكوك. وهكذا اختصرتنا الصورة، أو اختزلتنا، أو جزءا منا في الأقل. وهو ما حدث منذ بداية هذا العام مع اندلاع الحركات الشعبية العربية.

تمتاز الصورة بقوة تأثيرية هائلة، وهو ما يفسره علم الجمال في شكل واضح. فالحواس البشرية مقسمة إلى قسمين فيما يتعلق بالتلقي والتأثير. القسم الأول وهو ما يدعى بالحواس الدنيا، ويضم الشم واللمس والتذوق. وهي حواس دنيا لأن الفنون والآداب على اختلافها لا يتم استقبالها مباشرة بأي من هذه الحواس.

لكن ذلك لا يعني أنها لا ترتبط بالفنون في شكل أو في آخر. أما الحواس العليا فهي السمع والبصر. والتراتبية هنا تقدم البصر على السمع، لأن البصر لا يحتاج كالكلام إلى تفسير أو ترو أو تحليل أو تفكير. أي إن الصورة تذهب مباشرة إلى العقل، فتنطبع في لحظة المشاهدة، وتمارس دورها في اللحظة ذاتها، ويستمر هذا الدور تبعا لموقف المرء من الحوادث والوقائع التي تنتمي إليها الصورة، وتبعا للمواقف الشخصية التي يختزنها المرء في الأصل عن هذه الحوادث والوقائع.

تمتاز الصورة بقوة تأثيرية هائلة، وهو ما يفسره علم الجمال في شكل واضح
وعلى سبيل المثال، فإن مَشاهد التسونامي الهائلة بالنسبة لنا نحن العرب، تثير فينا الدهشة أكثر من الحزن والأسى، وخصوصا حين نشاهد سفينة تمشي في شارع! لكن هذه المشاهد نفسها تثير الحزن والأسى واللوعة في نفوس أصحابها. أي إن الأثر يتعلق بمدى علاقة المُشاهد بالحدث وقربه منه.

ومرة أخرى على سبيل المثال، فإن أكثر المتعاطفين مع مقتل أسامة بن لادن، لم يتأثر حزنا كما تأثر أقل المتعاطفين أو المحايدين أو حتى المعارضين من غير الليبيين، بمشهد مقتل القذافي بهذه الوحشية.

وفي أمثلة أخرى يومية، فإن مشجعي كرة القدم لا يتفاعلون مع فوز فرقهم أو خسارتها عن طريق النقل الكلامي أو الإخبار، كما يفعلون مباشرة بالصورة وهذا يعود كما أشرنا إلى قوة الصورة التأثيرية، بوصف البصر أعلى مرتبة في الحواس حين يتعلق الأمر بالفنون والأدب.

أما السمع الذي لم يفصله علم الجمال، كما لم يفصل البصَر بالطريقة التي ذكرناها أيضا، فهو في رأينا ينقسم إلى قسمين: الاستماع عن طريق الآلة أو شخص ما أو المرسل نفسه مباشرة. وثانيا الاستماع من المرسل مباشرة أمامه، كأن تستمع إلى أمسية شعرية من الشاعر الواقف على المنبر أمامك.

الصورة تذهب مباشرة إلى العقل، فتنطبع في لحظة المشاهدة، وتمارس دورها في اللحظة ذاتها، ويستمر هذا الدور تبعا لموقف المرء من الحوادث والوقائع
ففي الحالة الأولى يكون التأثير أقل مما هو عليه في الحالة الثانية، لأن الشاعر يستخدم صوته هو مباشرة من جهة، ويستعين بلغة الجسد من جهة ثانية. أي أن البصر يلعب هنا دورا مباشرا أيضا، رغم أن الرسالة كلامية.

هكذا تتبين لنا قوة الصورة وتأثيرها المباشر، وهو ما وظفته وسائل الإعلام في الحركات الشعبية العربية بحرفية عالية حينا، وضعيفة حينا آخر. وهو ما جعل وسائل الإعلام هذه أيضا، تتجنب قدر المستطاع بث صور لموضوعات أخرى قد تكون منافسة في التأثير، وهو ما يضعف تأثير الصورة الأساسية المراد تكريسها.

فالقصف الصهيوني لغزة وصور الضحايا لا تأخذ مقدار واحد في المائة من الصور الأخرى المتعلقة بالحركات الشعبية العربية، كما أن التعليقات والشروحات عليها غير موجودة. حيث يتم بث الصورة سريعا، والاكتفاء بالخبر كأنه أمر عادي أو نمطي وعابر، وليس كما يحدث مع صور الحركات الشعبية التي تستقر على الشاشات طويلا، ويعاد بثها عشرات المرات، وتتم مصاحبتها برسائل التعليق، أو باستضافة سياسيين للتعليق عليها، ممن هم في الصف ذاته.

مثل هذه الصورة وما يصاحبها ليست موضوعية بالضرورة. قد تكون صحيحة، ولكن الصور الأخرى صحيحة أيضا. فاستشهاد عشرة شبان أو أكثر في غزة مثلا، وتقطع أجسادهم، ليس حدثا عاديا، ولن تكون الصورة عادية التأثير أو عابرة فيما لو تم تكريسها والتعليق عليها.

ومن هنا نقول إن الصورة الأولى ليست موضوعية. ولا نريد القول إنها ليست محايدة، لأن في ذلك اتهاما مباشرا بالانحياز إلى طرف ضد الآخر. وهذا يعني في حالة استشهاد الفلسطينيين انحيازا إلى العدو، وهو ما لا نريد الوصول إليه.

المصدر : الجزيرة